داليا جمال تكتب: المستهلك.. شركات التوزيع.. أم الموازنة العامة؟ من يدفع فاتورة نقل الكهرباء؟ عصمت يوافق على قرار جهاز تنظيم مرفق الكهرباء باعتماد مقابل استخدام الشبكة اعتبارًا من أول أكتوبر 2026
إذا كنت مشتركًا في منظومة الكهرباء التي تديرها شركات التوزيع التابعة للشركة القابضة لكهرباء مصر، والمنبثقة عن وزارة الكهرباء والطاقة، فاستعد لتغير جديد في تكلفة الكهرباء اعتبارًا من أول أكتوبر الحالي، قد يصل أثره في النهاية إلى فاتورتك الشهرية، حتى لو لم يظهر أمامك بند مستقل يحمل اسم «زيادة مقابل نقل الكهرباء».
فالقصة لا تتعلق فقط بسعر الكيلووات الذي تدفعه في فاتورتك، وإنما بتكلفة الرحلة التي تقطعها الكهرباء منذ خروجها من محطة التوليد وحتى وصولها إلى العداد.
فهناك شبكة نقل تنقل الكهرباء لمسافات طويلة، ثم شبكات توزيع تستقبلها وتوصلها إلى المنازل والمحال والمصانع، ولكل مرحلة من هذه الرحلة تكلفة يتحملها طرف ما في النهاية.
اعتبارًا من أول أكتوبر 2026، يرتفع مقابل استخدام شبكة نقل الكهرباء بنسب كبيرة، تصل إلى نحو 113% على الجهد الفائق، و65% على الجهد العالي، و80% على الجهد المتوسط.
وعلى الجهد المتوسط تحديدًا، يرتفع مقابل الاستخدام من 19.09 قرش إلى 34.41 قرش لكل كيلووات ساعة، بزيادة قدرها 15.32 قرش لكل كيلووات ساعة.
وهنا يبرز السؤال الأساسي من قِبل المواطن الذي يدفع فاتورته شهريًا: ما علاقته بهذه التغيرات؟ فالـ15.32 قرش الإضافية لا تختفي من حسابات المنظومة، وإذا لم ترتفع تعريفة البيع للمستهلك بالقيمة نفسها، فلا بد أن تتحمل جهة أخرى الفارق؛ إما شركة التوزيع من هامشها، أو الخزانة العامة عبر زيادة الفجوة التي تتحملها في صورة دعم، أو أن تظهر التكلفة في صورة مستحقات ومديونيات وتسويات بين شركات القطاع.
وبمعنى أوضح: حتى إذا لم تظهر الزيادة الجديدة على فاتورة المواطن تحت بند مستقل، فإن تكلفة الكهرباء نفسها ارتفعت، ويبقى السؤال الأهم: من سيدفع الفرق؟
ولفهم حجم التأثير، يجب النظر إلى الكهرباء باعتبارها سلسلة متكاملة تبدأ بمحطة توليد تنتج الكهرباء، وشبكة نقل تنقلها لمسافات طويلة، ثم شبكة توزيع تستقبلها وتوصلها إلى المشترك، وكلما ارتفعت تكلفة إحدى هذه المراحل، دخلت الزيادة في التكلفة النهائية للكهرباء.
وتوضح التعريفة الرسمية أن مقابل استخدام شبكة النقل يمثل أحد عناصر منظومة التعريفة، كما تعرض أسعار الكهرباء بحسب مستويات الجهد والاستخدام المختلفة، ولذلك فإن ارتفاع تكلفة استخدام شبكة النقل بنسبة 80% على الجهد المتوسط لا يخص الشركة المصرية لنقل الكهرباء وحدها، وإنما يمتد أثره إلى منظومة الكهرباء بالكامل.
ولتقدير حجم الزيادة حسابيًا، فإن ارتفاع تكلفة النقل بمقدار 15.32 قرش لكل كيلو وات ساعة يعني زيادة في تكلفة النقل بنحو 7.66 جنيه لاستهلاك 50 كيلووات ساعة، ونحو 30.64 جنيه لاستهلاك 200 كيلووات ساعة، ونحو 76.60 جنيه لاستهلاك 500 كيلووات ساعة، ونحو 153.20 جنيه لاستهلاك 1000 كيلووات ساعة.
وهذه الأرقام لا تعني أن فاتورة المواطن سترتفع تلقائيًّا بهذه القيم، وإنما توضح قيمة الزيادة في عنصر النقل وحده إذا جرى احتسابها على كمية الكهرباء المستهلكة.
تظهر تفصيلة مهمة أخرى في الحسابات تكمن في أن شركة التوزيع لا تشتري بالضرورة كمية الكهرباء نفسها التي تصل إلى عداد المواطن، وذلك بسبب الفاقد في الشبكة.
وبناءً على ذلك، قد تكون كمية الكهرباء الداخلة إلى شبكة التوزيع أكبر من الكمية التي يدفع المستهلك ثمنها فعليًا، وهو ما يعني أن تكلفة الزيادة على كل كيلووات ساعة مباعة للمستهلك قد تصبح أعلى من مجرد 15.32 قرش المعلنة على الكيلووات ساعة الداخلة إلى الشبكة، وهنا تظهر شركة التوزيع باعتبارها الحلقة التي قد تتحمل جانبًا من الصدمة.
تقف شركة التوزيع عمليًّا بين تكلفة الكهرباء التي تشتريها والسعر المسموح لها ببيعها به، حيث تشتري الكهرباء، وتدفع تكلفة استخدام الشبكة، وتتحمل تكاليف التشغيل والصيانة والتحصيل والفقد، ثم تبيع الكهرباء للمستهلك وفق الأسعار التي تحددها الدولة.
وتكشف الأرقام المنشورة أن المساحة المتاحة بين السعرين ليست واسعة أصلًا، إذ تحدد التعريفة السارية بدءًا من أبريل 2026 سعر الكهرباء لشركات التوزيع المرتبطة بشبكة النقل عند 250 قرشًا للكيلووات ساعة على الجهد المتوسط، مقابل 255 قرشًا لباقي المستخدمين على المستوى نفسه، بينما يصل سعر «باقي الاستخدامات» على الجهد المنخفض إلى 274 قرشًا، وبذلك يصبح الفرق الاسمي بين شراء الكهرباء على الجهد المتوسط بسعر 255 قرشًا وبيعها على الجهد المنخفض بسعر 274 قرشًا 19 قرشًا فقط.
لكن هذا الفرق ليس ربحًا صافيًا، إذ تتحمل منه الشركة الفقد والتشغيل والصيانة والتحصيل والإدارة والاستثمارات وغيرها من التكاليف. أما إذا كانت الشركة تشتري وتبيع على الجهد المتوسط بالسعر نفسه، فإن هامش الطاقة يصبح عمليًّا صفرًا قبل احتساب أي تكلفة تشغيلية أخرى، وهنا تصبح زيادة تكلفة النقل أكثر حساسية بالنسبة إلى اقتصاديات شركات التوزيع، خصوصًا إذا لم يصاحبها تعديل في باقي عناصر التعريفة.
تُظهر المقارنة الزمنية حجم التغير بصورة أوضح؛ ففي سبتمبر 2024، كان سعر «باقي الاستخدامات» على الجهد المتوسط 194 قرشًا، بينما كان على الجهد المنخفض 234 قرشًا، أي بفارق اسمي يبلغ 40 قرشًا. أما في أبريل 2026، فأصبح الفرق بين 255 قرشًا على الجهد المتوسط و274 قرشًا على الجهد المنخفض 19 قرشًا فقط، مما يعني أن المساحة الاسمية بين سعر الشراء وسعر البيع تقلصت من 40 إلى 19 قرشًا قبل احتساب تكاليف الفقد والتشغيل والتحصيل والصيانة والاستثمار.
وهذا يفرض سؤالًا مباشرًا: إذا تقلص الفرق بين تكلفة شراء الكهرباء وسعر بيعها، ثم ارتفعت في الوقت نفسه تكلفة استخدام الشبكة، فمن أين ستأتي شركات التوزيع بتكاليفها؟ هل تتحملها هوامش الشركات؟ أم يعاد حساب التعريفة؟ أم تتحمل الدولة جزءًا أكبر من الفجوة؟ أم تظهر التكلفة في صورة مديونيات وتسويات بين شركات القطاع؟
تزداد حساسية الملف مع دخول شركات التوزيع الخاصة إلى الصورة، في ظل توجه الدولة نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص في أنشطة الكهرباء. فالأمر لا يتوقف لدى المستثمر عند عدد المشتركين أو حجم الكهرباء المباعة، بل يمتد إلى حساب تكلفة شراء الكهرباء، وتكلفة استخدام الشبكة، والفقد، والتشغيل، ثم السعر الذي يمكن تحصيله من المستهلك، وبالتالي، فإن أي زيادة كبيرة في تكلفة استخدام الشبكة تدخل مباشرة في دراسة الجدوى الاقتصادية لأي استثمار جديد.
ولا يعني ذلك أن زيادة مقابل النقل دليل على وجود رغبة في إقصاء القطاع الخاص، فلا يمكن استنتاج النية من الأرقام وحدها، لكن الأرقام تفرض سؤالًا مشروعًا على الجهة المنظمة: هل أُجريت دراسة أثر تنظيمي تقيس تأثير الزيادة على اقتصاديات شركات التوزيع الخاصة وقدرتها على الاستثمار والاستمرار؟ والأهم: ما العائد المنظم الذي يفترض أن تحصل عليه هذه الشركات بعد احتساب جميع التكاليف؟
وفيما يتعلق بالسعر المخفض الذي تحصل عليه شركات التوزيع المرتبطة بشبكة النقل، يتبين أن القرار الوزاري الذي تضمن هذا السعر لم يضع صراحة شرطًا بأن تنشئ الشركة محطة ربط خاصة بها بحسب المستند محل النقاش، بينما ظهر هذا الشرط لاحقًا في تفسير أو تطبيق إداري من الجهاز. وهذه ليست تفصيلة شكلية؛ فإذا كان القرار الوزاري قد حدد المستفيدين من سعر معين، ثم أضيف لاحقًا شرط جديد لتحديد من يستحق هذا السعر ومن لا يستحقه، فمن حق الشركات والمستثمرين معرفة السند القانوني لهذا الشرط، وما إذا كان موجودًا أصلًا في القرار، أم أنه تفسير للنص، أم تعليمات تنفيذية تستند إلى قرار أو تفويض آخر.
والحل في هذه الحالة واضح، ويكمن في نشر القرار الوزاري كاملًا، وقرار مجلس إدارة الجهاز، وأي تعليمات لاحقة مرتبطة بالتطبيق، حتى يتسنى للجميع معرفة النص الأصلي وما أضيف إليه، ومن أصدره وعلى أي أساس.
إعلان مقابل استخدام شبكة النقل الجديد يكشف الرقم، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأهم؛ فالحديث ليس فقط عن ارتفاع الجهد المتوسط من 19.09 إلى 34.41 قرش، وإنما عن قفزة تبلغ 80%.
وهنا يحتاج السوق إلى معرفة دوافع ارتفاع التكلفة بهذه النسبة، وهل ارتفعت تكاليف التشغيل والصيانة، أم زادت الاستثمارات، وما قيمة الأصول التي يحسب عليها العائد ومعدل العائد المستخدم وحجم الإهلاك وتكلفة الفقد، وهل دخلت تكاليف تمويل أو الخدمات المساندة في الحساب.
فهذه ليست تفاصيل محاسبية هامشية، وإنما عناصر أساسية تحدد ما إذا كان السعر الجديد يعكس تكلفة فعلية يمكن تفسيرها، أم أن السوق يحتاج إلى معلومات إضافية حتى يتمكن من فهم الزيادة.
على صعيد الدعم، أُعلن في أغسطس أن مستهلك 50 كيلووات ساعة يدفع نحو 34 جنيهًا بينما تتحمل الدولة 103 جنيهات، وأن مستهلك 200 كيلووات ساعة يدفع نحو 230 جنيهًا بينما تتحمل الدولة 318 جنيهًا، غير أن هذه الحسابات سبقت تطبيق مقابل النقل الجديد في أكتوبر.
وبفرض أن سعر بيع الكهرباء للمستهلك لم يتغير وأن بقية عناصر التكلفة ظلت ثابتة لغرض فهم الأثر فقط، فإن زيادة النقل تضيف نظريًا 7.66 جنيه إلى تكلفة استهلاك 50 كيلووات ساعة، و30.64 جنيه إلى تكلفة استهلاك 200 كيلووات ساعة، مما يعني أن الفجوة التي تتحملها الدولة ستزداد بالقيمة نفسها إذا لم يتحملها المستهلك أو شركة التوزيع. وهذه ليست أرقام دعم رسمية جديدة وإنما نموذج حسابي لتوضيح الأثر المحتمل للزيادة، ومن هنا تظهر أهمية إعادة حساب تكلفة الكهرباء بعد تطبيق الزيادة الجديدة؛ فإذا كان المستهلك الأعلى استهلاكًا يوصف بأنه وصل إلى «صفر دعم»، بينما كانت التكلفة المحاسبية المرجعية محسوبة قبل إضافة تكلفة النقل الجديدة، فمن حق السوق أن يعرف هل ما زال هذا الوصف صحيحًا بعد إعادة حساب التكلفة.
يجب هنا الفصل بين ميزانيات شركات الكهرباء والموازنة العامة للدولة، فالشركات لديها ميزانيات تظهر إيراداتها وتكاليفها وأصولها والتزاماتها، بينما الدعم الذي تتحمله الخزانة العامة عندما تبيع الكهرباء بسعر يقل عن التكلفة المعتمدة يرتبط بالموازنة العامة. وقد قدرت مخصصات دعم الكهرباء في موازنة 2026 /2027 بنحو 104.16 مليار جنيه، لكن هذا الرقم ليس بالضرورة ما ستتحمله الدولة فعليًا في النهاية كون الموازنة تقديرية بينما الحساب الختامي يعكس التنفيذ الفعلي.
ومن هنا يبرز سؤال آخر حول آلية التسوية إذا قدرت الدولة الدعم على أساس تكلفة معينة للإنتاج والنقل والوقود ثم تغيرت التكلفة الفعلية؛ هل يرد الفرق إلى الخزانة، أم يخصم من مستحقات لاحقة، أم تتم مقاصة بين شركات القطاع، أم تظل الفروق داخل شبكة المديونيات والتشابكات المالية؟ فهذه التفاصيل هي التي تحدد في النهاية من دفع فاتورة الزيادة فعلًا.
يمتد أثر القضية أيضًا إلى مشروعات الاتفاقيات الثنائية (P2P)، حيث يستطيع المنتج الخاص والمستهلك الاتفاق على سعر الكهرباء بينهما، لكن استخدام شبكة الكهرباء له تكلفة يحددها المنظم. وبناءً عليه، إذا بنى المستثمر دراسة مشروعه على تكلفة معينة لاستخدام الشبكة ثم ارتفعت هذه التكلفة بنسب كبيرة، فإن الحسابات الاقتصادية للمشروع تتغير، مما يجعل الحاجة إلى قواعد واضحة أكثر إلحاحًا حول إمكانية تمرير هذه الزيادات إلى طرف آخر، ومدى وجود آلية لإعادة التوازن الاقتصادي، ومصير المشروعات التي سبق تأهيلها أو التعاقد عليها، فالاستثمار لا يقوم فقط على سعر الكهرباء وإنما على القدرة على توقع تكلفة كل مرحلة من مراحل وصولها إلى المستهلك.
في النهاية، القضية ليست مجرد زيادة جديدة في مقابل استخدام شبكة النقل، بل هي سلسلة تبدأ من محطة الإنتاج وتمر عبر شبكة النقل ثم شركة التوزيع وتنتهي عند المستهلك.
وإذا لم يدفع المستهلك التكلفة كاملة، فإن الفجوة تنتقل إلى مكان آخر: شركة، أو دعم من الخزانة العامة، أو مديونية داخل القطاع.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق تطبيق الزيادة ليس فقط: كم سيدفع المواطن؟ بل السؤال الأهم: كم أصبحت تكلفة نقل الكهرباء فعلًا؟ ولماذا ارتفعت بهذه النسب؟ ومن سيتحمل الفرق؟
فالمواطن في النهاية لا يدفع فقط ثمن الكهرباء التي استهلكها، وإنما قد يتحمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة تكلفة الطريقة التي حُسبت بها الكهرباء، والفجوة التي قد لا تظهر في فاتورته، لكنها لا تختفي من حسابات الدولة أو شركات الكهرباء.

