رئيس التحرير
عصام كامل

منال رضوان تكتب.. في ذكرى رحيل فايزة أحمد الـ 43.. بلاغة النفي وبناء الهوية في آخر أغنياتها.. لا يا روح قلبي أنا

منال رضوان
منال رضوان
18 حجم الخط

شَكَّلَ رحيلُ الفنانة فايزة أحمد في الحادي والعشرين من سبتمبر عام ١٩٨٣ نقطةَ ارتكازٍ حاسمة في القراءة التأويلية لتاريخها الفني؛ إذ تقترن أواخر أعمالها الغنائية – وبخاصة قصيدة لا يا روح قلبي للشاعر حسين السيد، وألحان رياض السنباطي (التي أتمّ بعض عناصرها أحمد السنباطي لوفاة السنباطي الكبير قبل إتمام اللحن) – بظرفية دلالية تُعيد تشكيل المادة الصوتية لخامة صوت أصيل يمكن أن يؤدي القصيدة العربية المغناة كذاكرة وجدانية، فتقر لدى المتلقي باعتبارها ذاكرة أسلوبية مكتملة تتماس مع تجربة شخصية أو حياتية رآها ذات يوم. 


وتتجاوز هذه الأغنية (لا يا روح قلبي أنا) الأطرَ التقليدية لأغاني الهجر والفراق؛ لنجدها ترتكز على مخزون نفسي ولغوي قرر أن يتخذ من الذاكرة موضوعًا معرفيًا وقيمة وجودية يكتب من خلالها هوية الذات المتكلمة.

يمكننا تتبع البنية النصية للعمل الذي يبدأ بإعلان حاسمًا في موقفه،  عبر الجملة المحورية مش أنا اللي أحب وأنسى.. مش أنا،  هذه المقولة -قولًا واحدًا-  تعد العَصَبَ الدَّلَاليَّ للنص بأكمله.


إن النفي الهوياتي يُشَكِّل هنا  إعادة قراءة لإحداثيات الذات؛ فالمرأة (المتكلم) تُعرّف كينونتها عبر قدرتها الاستيعابية على صيانة الخبرة العاطفية وحمايتها من التلاشي أو النسيان.

كما أن استخدام الاستباق السردي لإقرار  أو التصديق على حالة شعورية موجودة لدى المتحدث، حسم الجدال حول النتيجة، عليه فإن الخطورة تكمن في تطابق أفق الانتظار لدى المتلقي؛ مما قد يغلق قوس تلقي العمل الفني،  ويصبح ما يقال عقب ذلك مجرد صيغة إنشائية جافة.
لكن باحترافية يستطيع صوت فايزة أحمد تحويل الفكرة من مجرد حالة انفعالية عابرة بين طرفين إلى مكون رئيس من مكونات السيرة الذاتية؛ وبالتالي فإن اندحار الذكرى ونفي الشعور بات يوازي إلغاء الذات نفسها. وتتضح هذه الصياغة أكثر عبر تقنية أسلوبية تتمثل في تحويل الزمن إلى ملكية نمطية ثابتة في قولها ( الليالي اللي عاشها الحب وياك ملكي وحدي / مهما تبعد مش هتاخد ليلة واحدة م اللي عندي)؛ حيث تنتقل الليالي من مجرد وحدات زمنية مُنقضية تلاشت بالفعل إلى أصول رمزية تمتلكها الذات بشكل حصري.


مما يجعل الطرف الآخر عاجزًا أمام هذه الملكية؛ فهو يستطيع ممارسة فعل الغياب القصدي في الحاضر، لكنه يفتقر إلى السلطة التأثيرية التي تمكنه من إعادة كتابة الماضي أو انتزاعه، بذلك تتجلى عبارة لا يا روح قلبي بوصفها رفضًا قطعيًا لمنح الطرف الغائب حق الهيمنة على تأويل التجربة وإغلاق ملفاتها.


ومن الملاحظ اتخاذ الزمن مسارًا غير خطي، قائمًا على الارتداد النفسي والتداخل بين المستويات الزمنية؛ من الحاضر المتمثل في رفض النسيان، إلى الماضي القريب والرحلة العاطفية بينهما، ثم الماضي البعيد السابـق للحب، وصولًا إلى المستقبل الممتد للذاكرة. 


بحيث يظهر  لنا هذا الارتداد جليًا في الانتقال من التساؤل المباشر يصعب عليا أنسى رحلة عمري كله معاك لكن أنسى ليه؟ أنا هنسي إيه؟
إلى استحضار مرحلة ما قبل الحب، وهي مرحلة تنضيد سينوغرافيًا بمفردات الدلالة على السكون والخواء النفسي في قولها:
من قبل حبك أنا كنت إيه؟ / فراغ ووحدة وشوق سهران.. وشموع تونسها جدران. لتتجلى شعرية حسين السيد في صياغة تركيب شموع تونسها جدران؛ حيث تتجاور الشمعة – باعتبارها مصدرًا للضوء – مع الجدار الصلب في علاقة مؤانسة بديلة كأنها تبث شجونها إلى ذلك الحائط ترتكن إليه باحتراق، لتكثف حجم العزلة والجمود قبل الدخول في تجربة العاطفة.

وفي جملة: لا حب فيها ولا حرمان، يظهر لنا المفهوم الأصعب للحرمان باعتباره امتيارًا وجوديًا؛ إذ يتطلب الحرمان وجود موضوع سابق للإمكان والامتلاك، وهو ما غاب عن الذات قبل ميلاد تجربة هذا الحب. 


ويتنامى دور هذه الاستعادة مع دمج المتناقضات المفهومية بدلالة قاطعة في بعض التراكيب التي يبدو أنها لازمة للقافية لكن من إخلال بعمق الفكرة العامة في بيتين رئيسيين في تلك القصيدة المغناة أبدعت في غنائهما الفنانة فايزة أحمد التي رحلت عقب هذه الأغنية بأيام قليلة:
من النهاردهة حعيش لأجمل حلم شفته / وهفتكر بدموع أحلى عمر عشته.


فيتجاور الحلم الأجمل مع الدموع، والأمل مع الواقع المعاش، مما يعكس نضج الوعي الذي يُدرك أن الدمع والحزن هما ضريبة امتداد المعنى وامتلاك القيمة.


أما من حيث الأسلوب فتتنوع الآليات الأسلوبية للنص من خلال حركة التدرج في توجيه الخطاب، مما يمنح المادة الشعرية المغناة بعدًا دراميًا متصاعدًا؛ فتنتقل من الخطاب المباشر للآخر في قولها: ابعد أنت، إلى الخطاب المنولوجي الداخلي لكن أنسى ليه؟ أنا هنسي إيه؟
ثم إلى مخاطبة الحبيب التجريدي ( علمتني أحبك)، ومخاطبة الإحساس المباشر ياما قلتلك يا شوق، وصولًا إلى مخاطبة المَكْمَن القدري مكتوب يا قلبي كأنه  النعي للذات قبل نعي فصة هذا الحب.


هذا التشظي الخطابي المتنوع والمتدرج يحول الأغنية من مجرد سرد خارجي للأحداث إلى وعي يمارس التفكير والتقليب الذاتي في أثواب درامية متبدلة. 
ويرتقي النص بهذا الوعي عبر استخدام الاستفهام الاستنكاري  في مجاورة عظيمة من التشخيص المشهدي للتفاصيل الدقيقة مثل  فرحة عيونك بيه وإنت (بتبتسم /  لهفة حنانك بعد يوم واحد سفر / رقة عتابك حتى في ساعة الغضب)؛
إذ تعتمد الذاكرة العاطفية هنا على المشاهد الدقيقة بدلًا من  تلك الكليات العريضة، لتتحول الابتسامة والفرار المؤقت والعتاب الصغير إلى أدلة بصرية ووجدانية على واقعية التجربة.


لتصل بنا هذه الاستعادة ذروتها البلاغية في الصورة القائمة على التراسل الحسي بينها وبين المخاطب:
كانت نغم.. فضة على أوتار من دهب، حيث تتداخل الحواس بين السمعي والبصري والقيمي، لتستحيل اللحظات الخشنة والقاسية كالغضب إلى بِنْيَة موسيقية مصفاة داخل مخيلة الذات المتكلمة.


ومن اللافت  وجود التكرار للبيت الرئيسي بالقصيدة، ليؤدي وظيفة تركيبيّة ونفسيّة متجددة؛ فاللازمة النصية مش أنا اللي أحب وأنسى.. مش أنا )
تتغير شحنتها الدلالية تبعًا لموقعها السياقي، فتأتي في المرة الأولى باعتبارها إعلان تحدٍّ وموقف إرادي، وتتحول بعد استحضار رحلة الحب إلى إقرار بمركزية التجربة واستحالة تجافيها، وترتقي في الخاتمة لتمسي تعريفًا هوياتيًا نهائيًا للذات.


كذلك تعمل لازمة: الليالي اللي عاشها الحب وياك ملكي وحدي.. كأداة إغلاق وتحصين بنيوي؛ فكلما أوشكت الذات على الانهيار أمام ضغط التذكار، تعود هذه الجملة لتعيد ربط الماضي بالامتلاك الشخصي غير الممكن على أرض الواقع لكنه محاولة للتمسك ببقايا الوهم.. حتى تكتمل هذه الدائرة بدخول المفاهيم القدرية في المقطع الأخير وإزاي نتوب عن شيء.. فوق الجبين مكتوب، لتنتقل التجربة العاطفية في هذا المفصل من مجال الاختيار الفردي والإرادة المباشرة إلى مجال القضاء والحتمية القدرية، وهو ما يتماشى مع الثقافة الوجدانية العربية التي ترتفع بالحب من حادثة عارضة إلى قدر مرسوم، مما يجعل فعل النسيان محاولة ملغاة لمحو خطوط لا تملك الذات قلمها.


بقي لنا أن نشيد بتآزر البنية العروضية واللغوية للقصيدة مع أسلوب الصياغة الموسيقية والأداء الغنائي؛ حيث يزاوج النص إيقاعيًا بين التراكيب القصيرة الحادة ذات الطابع التقريري مثل مش أنا، وليه، وهنسى إيه وبين التراكيب الممتدة ذات الطابع السردي المتدفق، مما يوفر تنفسًا دراميًا وتوترًا متصاعدًا.


كما تتماهى انكسارات صوت فايزة أحمد وامتدادته المقامية مع لحن رياض السنباطي، حيث يتواشج التعبير الصوتي الحزين مع التحولات المقامية التي تطبع الجملة الموسيقية بطابع الشموخ والاستثناء، وتسجل لا يا روح قلبي أرقامها الخاصة في مدونة الغناء العربي كعمل يرفض اختزال النهاية في مفهوم المحو والنسيان؛ لتطرح الحب كزمن مكتمل الأركان محكم الإغلاق على شخوصه، وتؤكد حق الذاكرة في الاستقلال التام عن رغبة الغائب وإرادته.


لقد رحلت فايزة أحمد، في مثل هذه الأيام قبل ٤٣ عاما وبقيت الأغنية ذاكرة أسلوبية وفنية تجسد استحالة تحويل الخبرة الإنسانية العميقة إلى عدم.

الجريدة الرسمية