وثائق قضائية تكشف تفاصيل تدريب ChatGPT على ملايين الأخبار
كشفت وثائق قضائية رفعت عنها السرية مؤخرًا عن نقاشات داخلية بين مسؤولين في شركتي مايكروسوفت وأوبن إيه آي بشأن اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من المحتوى الصحفي المتاح عبر الإنترنت لتطوير أنظمتها.
وتظهر الوثائق، التي برزت ضمن الدعوى القضائية المستمرة التي رفعتها صحيفة نيويورك تايمز ضد الشركتين، أن بعض المسؤولين داخل مايكروسوفت وأوبن إيه آي كانوا يدركون المخاطر التي قد يفرضها استخدام المقالات الإخبارية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، خصوصًا على مستقبل صناعة الصحافة ومصادر تمويل المؤسسات الإعلامية.
مسؤول في مايكروسوفت يصف ما يحدث بأكبر سرقة للعمالة
ومن أبرز ما ورد في الوثائق تصريحات للدكتور برنت هيشت، مدير العلوم التطبيقية في مايكروسوفت، وصف فيها طريقة جمع أوبن إيه آي للمحتوى المستخدم في تدريب نماذجها بأنها تشبه، بحسب ما نقلته الوثائق، «أكبر سرقة للعمالة في تاريخ البشرية».
وحذر هيشت من تداعيات هذا النموذج على صناعة المحتوى، مشيرًا إلى احتمال الدخول في ما وصفه بـ«حلقة مفرغة»، حيث تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على أعمال الصحفيين والناشرين لإنتاج إجاباتها، بينما قد تؤدي هذه الخدمات في المقابل إلى تقليل عدد المستخدمين الذين يصلون إلى المواقع الإخبارية الأصلية.
وفي مراسلة أخرى، اعتبر هيشت أن نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق قد تتحول إلى منتجات «تدمر سلسلة إمدادها»، في إشارة إلى اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي على المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الصحفية ثم احتمال تأثير منتجاتها في قدرة هذه المؤسسات على الاستمرار.
أوبن إيه آي حذرت من تأثير الذكاء الاصطناعي على الناشرين
وتكشف الوثائق أيضًا عن مخاوف داخل أوبن إيه آي نفسها بشأن العلاقة بين منتجات الذكاء الاصطناعي وصناعة الأخبار.
وبحسب المستندات، وصف نيك تورلي، أحد مسؤولي أوبن إيه آي، تأثير منتجات الذكاء الاصطناعي على قطاع النشر بأنه يمثل «تهديدًا وجوديًا للناشرين».
كما أشار تورلي إلى أن منتجات الذكاء الاصطناعي قد تكون بديلًا بدرجة كبيرة عن الصحافة التقليدية، في ظل قدرة المستخدم على الحصول على المعلومات مباشرة من روبوتات المحادثة بدلًا من زيارة المواقع التي نشرت المادة الأصلية.
مهندس في أوبن إيه آي: المستخدمون لن ينقروا على الروابط
وتضمنت الوثائق كذلك تعليقًا من أحد مهندسي البرمجيات في أوبن إيه آي يعود إلى عام 2023، أشار فيه إلى أن وضع الروابط داخل إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي لن يضمن بالضرورة انتقال المستخدمين إلى المواقع الإخبارية.
وجاء في تعليقه أن المستخدمين، حتى مع إبراز الروابط بشكل واضح، لن يقوموا بالنقر عليها.
ويعكس هذا النقاش مشكلة أساسية تواجه صناعة الإعلام الرقمي، إذ تعتمد العديد من المؤسسات الإخبارية على زيارات الجمهور لمواقعها لتحقيق الإيرادات من الإعلانات والاشتراكات والخدمات المدفوعة.
تفاصيل عن جمع ملايين الوثائق لتدريب الذكاء الاصطناعي
لم تقتصر المستندات التي ظهرت في القضية على المراسلات الداخلية، إذ تضمنت أيضًا معلومات حول آليات الحصول على المواد المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت الوثائق أن أوبن إيه آي وشركاءها اعتمدوا على جمع ملايين الوثائق من الإنترنت لإنشاء مجموعات البيانات التي تستخدم في تدريب النماذج، مع الإشارة إلى إزالة إشعارات حقوق النشر من بعض المواد.
كما تضمنت المستندات تفاصيل حول الوصول إلى محتوى محمي خلف أنظمة الاشتراك أو ما يعرف بـالجدران المدفوعة، وهي الأنظمة التي تمنع المستخدمين غير المشتركين من قراءة المواد كاملة.
رد من رئيس أوبن إيه آي
ومن أكثر التفاصيل التي أثارت الانتباه في الوثائق، رسالة تلقاها جريج بروكمان، رئيس أوبن إيه آي، من أحد الموظفين بشأن اكتشاف طريقة جديدة لتجاوز نظام الدفع والوصول إلى المحتوى المحمي.
وبحسب المستندات، جاء رد بروكمان مقتضبًا بعبارة تفيد الإعجاب بالاكتشاف.
وأصبحت هذه المراسلات جزءًا من الأدلة التي يجري تداولها في إطار النزاع القضائي، مع الإشارة إلى أن المقاطع التي أُتيح للجمهور الاطلاع عليها نُشرت بشكل مجتزأ، ولا توفر بالضرورة السياق الكامل للمحادثات الأصلية.
لماذا تقاضي نيويورك تايمز شركات الذكاء الاصطناعي؟
بدأت صحيفة نيويورك تايمز الدعوى القضائية ضد أوبن إيه آي ومايكروسوفت في عام 2023، مدعية أن الشركتين استخدمتا ملايين المقالات والمواد الصحفية المحمية بحقوق النشر لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما دون الحصول على إذن من أصحاب الحقوق أو دفع مقابل لهم.
وتأتي القضية ضمن موجة أوسع من النزاعات القضائية بين شركات التكنولوجيا ومؤسسات الإعلام والكتاب حول استخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويتمثل أحد المحاور الرئيسية للنزاع في تحديد ما إذا كان استخدام هذه المواد يمكن اعتباره استخدامًا عادلًا، وهو مبدأ في القانون الأمريكي يسمح في ظروف محددة باستخدام مواد محمية بحقوق النشر دون الحصول على موافقة صاحب الحقوق.
مستقبل حقوق النشر أمام اختبار جديد
وأصبحت قضية استخدام المحتوى الصحفي في تدريب الذكاء الاصطناعي واحدة من أكثر الملفات القانونية تعقيدًا في قطاع التكنولوجيا، فشركات الذكاء الاصطناعي ترى أن تدريب النماذج على كميات ضخمة من البيانات يمثل جزءًا أساسيًا من عملية تطوير تقنيات جديدة، بينما يجادل الناشرون والكتاب بأن استخدام أعمالهم دون تصريح أو تعويض قد يحرمهم من قيمة اقتصادية أساسية.
وشهدت الولايات المتحدة بالفعل أحكامًا في قضايا مشابهة جاءت في بعض الحالات لصالح شركات الذكاء الاصطناعي، لكن القواعد القانونية المنظمة لتدريب النماذج على المحتوى المحمي بحقوق النشر لا تزال في طور التشكل.
صراع الذكاء الاصطناعي والإعلام
وتسلط الوثائق الجديدة الضوء على جانب مهم من الصراع بين شركات الذكاء الاصطناعي وقطاع الإعلام؛ فالتقنيات الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على البيانات والمحتوى الذي تنتجه المؤسسات الإخبارية، بينما يمكن لمنتجات الذكاء الاصطناعي أن تغير طريقة وصول الجمهور إلى الأخبار والمعلومات.
ومع انتشار محركات البحث وروبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان المستخدم الحصول على ملخص أو إجابة مباشرة دون الحاجة إلى زيارة الصفحة التي نشرت المعلومات الأصلية.
ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن مستقبل حركة الزيارات إلى المواقع الإخبارية، ونماذج الإيرادات التي تعتمد على الإعلانات والاشتراكات، إضافة إلى حقوق الصحفيين والناشرين في المحتوى الذي ينتجونه.
ومن المنتظر أن يكون لمسار قضية نيويورك تايمز ضد أوبن إيه آي ومايكروسوفت أهمية كبيرة في تحديد الحدود القانونية لاستخدام المحتوى الصحفي في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت هذه الممارسات ستخضع لقواعد جديدة في المستقبل.








