"ذا نيويورك تايمز": صدمة الطاقة تشعل الاحتجاجات الشعبية عالميا.. ولن ينجو أحد من تداعيات الكارثة
تتسع تداعيات أزمة الطاقة العالمية مع استمرار اضطراب إمدادات النفط والغاز في الشرق الأوسط، لتنتقل الصدمة من أسواق الطاقة إلى الشوارع، وسط ارتفاع الأسعار ونقص الوقود وتراجع مخزونات الطوارئ، فيما تتقلص قدرة الحكومات على امتصاص تداعيات الأزمة.
وفي السياق، نشرت جريدة "ذا نيويورك تايمز" الأمريكية تقريرا أكدت فيه أن بعض الإجراءات ساعدت العالم على تجنب السيناريو الأسوأ منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، إلا أن "أزمة الطاقة تزداد قتامة في المستقبل".
ويقول التقرير: على مدى الأيام الماضية، أغلقت المملكة العربية السعودية خط أنابيب "شرق- غرب" الحيوي جراء هجوم بطائرات مسيرة من داخل محافظة ميسان العراقية صباح الخميس 10 سبتمبر 2026. وسيطر الحوثيون على جزيرة بريم الاستراتيجية في البحر الأحمر ومدينة المخا الساحلية، مما يزيد من تقييد حركة الشحن في المنطقة. كما انهارت مفاوضات مقترحة بين دول الخليج، وارتفعت أسعار النفط لتلامس حاجز 110 دولارات للبرميل.
كيف أثارت أسعار الطاقة احتجاجات العالم؟
تسبب هذا الارتفاع الحاد في الأسعار في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، وفرض قيود على الاستهلاك، وخروج احتجاجات غاضبة امتدت من آسيا إلى أمريكا اللاتينية. ففي الفلبين، أوقف الصيادون قواربهم عن العمل لعجزهم عن تحمل تكاليف الوقود. وفي بنجلاديش، تسببت انقطاعات الكهرباء في توقف العمل بالمصانع لساعات طويلة. أما في جواتيمالا، فقد أقدم المحتجون على إحراق الإطارات والسيارات، وفق "ذا نيويورك تايمز".

وتواجه الاقتصادات الآسيوية تسارعا في معدلات التضخم، إذ يتوقع أن تصل إلى 5.2% هذا العام، ومن المرجح أن تظل معدلات التضخم في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة تتراوح بين 3.5 و4 في المائة حتى منتصف العام المقبل على الأقل.
كيف قاوم العالم أزمة الطاقة حتى اليوم؟
وعلى الرغم من ذلك، ترى الجريدة في تقريرها الذي حمل عنوان "الاقتصاد العالمي يفقد هامش المناورة" أن الأمور لم تصل بعد إلى ذروتها، مشيرة إلى أن السبب الرئيسي وراء عدم ارتفاع أسعار النفط الخام ومشتقاته إلى مستويات أعلى مما هي عليه الآن، يكمن في قيام الصين بخفض وارداتها من النفط الخام"، بحسب الدبلوماسي الأمريكي والمسؤول السابق في وزارة الطاقة ديفيد إل. جولدوين.
وتضيف: توقفت الصين -وهي أكبر مستورد للنفط في العالم- عن تكديس النفط واعتمدت على مخزوناتها الخاصة، مما أدى إلى تخفيف الضغط على سوق النفط العالمية في توقيت حرج. كما قلصت الصين صادراتها من المنتجات المشتقة من النفط -مثل وقود الطائرات- أو أوقفتها، مما يعني انخفاض حاجتها إلى النفط الخام.

وفي الوقت نفسه، لجأت كل من الولايات المتحدة واليابان ودول أوروبية إلى احتياطياتها الخاصة للحيلولة دون ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، وفق الجريدة.
وحتى آسيا -التي تعد وجهة لنحو 80% من صادرات الشرق الأوسط من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال- تمكنت إلى حد كبير من تأمين احتياجاتها من الإمدادات.
هل يصمد العالم في مواجهة أزمة الطاقة؟
تذهب جريدة "نيويروك تايمز" إلى أن الاستارتيجيات السابقة التي لجأ إليها العالم لا يمكن أن تظل فعالة إلا لفترة محدودة.
وتقول الجريدة: لقد انخفضت مستويات المخزون لدى الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (البالغ عددها 38 دولة) إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وذلك وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وفي منطقة الخليج، لا تعمل حاليً مسارات الإمداد البديلة، مثل خط أنابيب "الشرق-الغرب" السعودي.
وبحسب جولدوين، فإن "العال سيكون لزاما عليه التعامل مع أسعار تتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل على الأقل حتى عام 2027". ومن شأن ارتفاع أسعار الوقود والمنتجات المرتبطة به -كالأسمدة- أن يؤدي إلى زيادة إضافية في تكاليف الغذاء والنقل.
ماذا عن المستقبل؟
سيؤدي تعطل مسارات شحن الطاقة في الشرق الأوسط إلى ارتفاع معدلات التضخم، بحسب كبير الاقتصاديين في مجموعة "كابيتال إيكونوميكس" نيل شيرينج، مضيفا: "ما يحدث حاليا هو أن مستويات المخزون منخفضة للغاية، ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات على إمكانية إعادة فتح المضائق.
وتضع المخاوف المتعلقة بالأسعار ضغوطً على مسؤولي البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة، وهي خطوة من شأنها أن تزيد تكلفة الاقتراض وتؤدي إلى تباطؤ الاقتصادات. وسيشكل ذلك ضربة قوية لدولة مثل ألمانيا، التي تقف بالفعل على حافة الركود الاقتصادي، وفق "ذا نيويورك تايمز".

وتؤدي الإمدادات المحدودة من كل من النفط الخام والمكرر القادمة من الشرق الأوسط إلى رفع الأسعار؛ فقد حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من تقلص هوامش الأمان، مشيرة إلى أن نظام التكرير العالمي يعمل "بأقصى طاقته".
كما ساهمت الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية في تفاقم هذا الضغط، مما أدى إلى خفض القدرة التكريرية لروسيا بنحو 30% خلال الأشهر الثمانية عشر المقبلة، وفق لوكالة الطاقة الدولية؛ ما دفع روسيا لتمديد قرار حظر تصدير الديزل حتى نهاية الشهر الجاري.
هل ينجو أحد من الكارثة؟
يخشى جولدوين من أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحظر صادرات الديزل قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026. ورغم أن خطوة كهذه قد تؤدي إلى خفض مؤقت لأسعار الديزل محليا، إلا أن غياب المشترين الأجانب -كما يرى جولدوين- سيدفع شركات تكرير النفط على الأرجح إلى تقليص الإنتاج، مما يؤدي بدوره إلى شح الإمدادات العالمية.
وسيكون قرار حظر التصدير مؤلما بشكل خاص لأمريكا اللاتينية، التي تعد مستوردا رئيسيا للديزل الأمريكي، وفق "ذا نيويورك تايمز".
وتضيف: لا توجد منطقة بمنأى عن هذه التداعيات؛ حيث تعاني اقتصادات منطقة الخليج بالفعل من تبعات الحرب المتعلقة بإيران؛ ومن المتوقع أن ينكمش اقتصاد قطر -وهي مصدر رائد للغاز الطبيعي المسال- بنسبة 86% هذا العام، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي. كما انكمش الاقتصاد السعودي بنسبة 4.8% خلال الربع الثاني مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كبر الهزات في أفقر البلدان
غالبًا ما تتسبب الصدمات العالمية في إحداث أكبر الهزات في أفقر البلدان؛ إذ تعتمد دول أفريقيا اعتمادا كبيرا على واردات الطاقة والأسمدة، وقد تؤدي هذه التكاليف المرتفعة في نهاية المطاف إلى انخفاض غلة المحاصيل وزيادة أسعار الغذاء بشكل أكبر.
ورغم أن معظم الدول الآسيوية تمكنت من تجنب نقص الطاقة وتوقف الإنتاج اللذين كان يخشى حدوثهما في البداية، إلا أنها اضطرت لدفع مبالغ أكبر بكثير مقابل الإمدادات. وقد حذر برنامج الأغذية العالمي الشهر الماضي من أن الظروف الجوية المرتبطة بظاهرة "النينيو" قد تدفع نحو 50 مليون شخص إلى خطر الجوع الحاد، فضلا عن وصول العجز في الميزانيات الحكومية إلى مستويات قياسية.
سيناريو كارثي ينتظر واشنطن
وبحسب "ذا نيويورك تايمز"، أنفقت اليابان وإندونيسيا مليارات الدولارات على دعم الوقود لمساعدة المستهلكين على مواجهة ارتفاع الأسعار. كما تسللت المخاوف بشأن قدرة الدول على سداد الديون المتزايدة إلى سوق السندات؛ ففي اليابان، ارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات هذا الشهر إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاثة عقود.
وقد أدى القلق إزاء المخاطر المتزايدة إلى دفع عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات -وهي مؤشر مرجعي يؤثر على أسعار الفائدة والاستثمارات حول العالم- إلى مستويات تثير توترا وقلقا بالغين.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ظلت بمنأى نسبيا عن أسوأ الصدمات الاقتصادية، إلا أن هذا الوضع قد يتغير؛ حيث يقول جولدوين: "في مرحلة ما، وحينما يعاني جميع شركائك التجاريين من ارتفاع الأسعار وتصبح تكلفة الغذاء والنقل أعلى، فإنك لا تستطيع حقا الإفلات من قوانين الجاذبية الاقتصادية".




