أمين حكماء المسلمين من أذربيجان: تراث علماء الأمة فرصة لقراءة الماضي في ضوء تحديات الحاضر
شارك المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام لـ مجلس حكماء المسلمين، في المؤتمر العلمي المخصص لإحياء فكر العالم الأذربيجاني الجليل الشيخ السيد يحيى الباكوي، أحد رواد الإسلام المعتدل في القرن الخامس عشر الميلادي، والذي أقيم في العاصمة الأذربيجانية باكو.
الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين يشارك في مؤتمر علمي لإحياء فكر الشيخ السيد يحيى الباكوي في أذربيجان
وألقى المستشار محمد عبد السلام، كلمة عبر فيها عن خالص شكره وتقديره إلى جمهورية أذربيجان، وإلى القائمين على تنظيم المؤتمر، وإلى شيخ الإسلام الله شكر باشازاده، على الدعوة الكريمة وحفاوة الاستقبال، وعلى هذه المبادرة العلمية المهمة التي تعيد تقديم إرث الشيخ يحيى الباكوي للأجيال المعاصرة، كما نقل تحيات فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، رئيس مجلس حكماء المسلمين، للحضور، وتقدير فضيلته لتراث هذا العالم الجليل وإسهاماته الفكرية، وامتنان فضيلته لجمهورية أذربيجان في إحياء فكر علماء الأمة وتراثهم الإنساني العريق.
وأعرب المستشار محمد عبد السلام عن سعادته بالمشاركة في هذا الحدث العلمي المهم، مصرحا: "يسعدني أن أشارك في هذا اللقاء العلمي والفكري الذي يستحضر سيرة واحد من أعلام الفكر الإسلامي، الشيخ السيد يحيى الباكوي، الذي ترك إرثا علميا وروحيا امتد أثره عبر القرون، وظل شاهدا على قدرة القيم الدينية الأصيلة على بناء الإنسان، وتهذيب النفس، وتعزيز معاني الرحمة والتسامح والتعارف بين البشر".
المستشار محمد عبد السلام: مجلس حكماء المسلمين يؤكد أهمية الحوار والتعارف وصناعة السلام
وقال الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين : الاحتفاء بعلمائنا ومفكرينا لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لسير الماضي، وإنما فرصة لقراءة هذا التراث في ضوء ما يواجهه عالمنا اليوم من تحديات؛ فالقيمة الحقيقية للتراث تكمن في قدرته على أن يخاطب الحاضر، وأن يستلهم من حكمة الماضي ما يضيء للإنسانية دروب المستقبل، مضيفا: "لقد أدرك علماء الإسلام عبر العصور أن رسالة الدين تبدأ من بناء الإنسان؛ بناء عقله بالعلم والمعرفة، وروحه بالقيم والأخلاق، وعلاقته بالآخر على أساس التعارف والاحترام"، مشيرا إلى أن من يتأمل تجربة الشيخ يحيى الباكوي وتراثه، يجد رؤية عميقة في تربية الإنسان وبناء عالمه الداخلي؛ تبدأ بالعلم والمعرفة، وتمر بمعرفة النفس وتهذيبها وتطهير القلب، وصولا إلى إنسان أكثر وعيا بمسؤوليته الأخلاقية تجاه نفسه والآخرين.
وأوضح أن قضايا القلب والروح والنفس والمعرفة والأخلاق شغلت مساحة مهمة في تراث الشيخ الباكوي؛ فلم تكن المعرفة لديه مجرد تحصيل ذهني، وإنما طريقا ينبغي أن يترك أثره في سلوك الإنسان وعمله، وتكشف مؤلفاته عن هذا الانشغال العميق بعالم الإنسان الداخلي.
وأوضح عبد السلام: إذا كانت الفلسفة قد انشغلت طويلا بسؤال: كيف يعرف الإنسان العالم؟ فإن التجربة الروحية تضيف سؤالا لا يقل عمقا: كيف يعرف الإنسان نفسه؟ فقد يعرف الإنسان الكثير عن العالم، ويبقى غريبا عن ذاته؛ وقد يمتلك من أدوات المعرفة ما يمكنه من تغيير ما حوله، دون أن يمتلك من الحكمة ما يمكنه من تهذيب ما في داخله، وهذا المعنى يجد صداه لدى الشاعر والمتصوف جلال الدين الرومي، أحد أبرز أعلام التصوف الإسلامي، الذي جعل من رحلة الإنسان إلى أعماق ذاته سبيلا للارتقاء الروحي، ومن المحبة أفقا يتجاوز به حدود الأنا والانغلاق.
الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين: تراث علماء الأمة فرصة لقراءة الماضي في ضوء تحديات الحاضر
وتابع الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين: "هذه المعاني تبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فعالمنا، على ما حققه من تقدم علمي وتقني هائل، لا يزال يشهد أزمات متلاحقة، وتصاعدا في خطابات الكراهية والتعصب ومحاولات لاستغلال الدين في تأجيج الصراعات والانقسامات، وإحدى مفارقات عصرنا أننا أصبحنا أكثر قدرة على الاتصال، وأقل قدرة أحيانا على التواصل؛ وأكثر امتلاكا للمعلومات، وليس بالضرورة أكثر امتلاكا للحكمة، مصرحا: "لقد اختصرت التكنولوجيا المسافات بين البشر، لكنها لم تستطع وحدها أن تختصر المسافة بين القلوب“.
وتحدث المستشار محمد عبد السلام عن المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر، مبينا أن الآخر ليس فكرة مجردة، ولا مجرد شخص يختلف عنا في الدين أو الثقافة أو اللون، وإنما هو إنسان تستوجب كرامته مسؤولية أخلاقية تجاهه، وهذا المعنى يلتقي مع جوهر التعارف الذي يدعونا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، مؤكدا أن التعارف ليس مجرد معرفة الآخر، وإنما هو اعتراف بإنسانيته وكرامته، مؤكدا أن الاعتدال الذي مثله علماء كبار أمثال الشيخ يحيى الباكوي ليس موقفا وسطا بين طرفين فحسب، وإنما هو منهج في فهم الدين والحياة؛ يقوم على العلم والحكمة، ويرفض الغلو والتعصب، وينفتح على الآخرين دون أن يفقد هويته وخصوصيته.
واختتم عبد السلام كلمته بالتأكيد على أن مجلس حكماء المسلمين، برئاسة فضيلة الإمام الأكب، يؤمن بأن الحوار ليس غاية في ذاته، وإنما طريق للتعارف والتعاون وصناعة السلام، وهو أيضا ما أكدته وثيقة الأخوة الإنسانية، التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وقداسة الراحل البابا فرنسيس في أبوظبي عام 2019، من أن الإيمان يحمل الإنسان على أن يرى في الآخر أخا له، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وهو نفس المعنى الذي يتم استخلاصه اليوم من إرث الشيخ يحيى الباكوي: أن الطريق إلى الله لا ينفصل عن الرحمة بخلقه، وأن تزكية النفس ينبغي أن تنعكس خيرا في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وأن الاختلاف يمكن أن يكون بابا للتعارف والتكامل، لا سببا للنزاع والكراهية.



