بليغ حمدي، العبقري الذي غير وجه الموسيقى العربية وجريمة قتل تنهي مشواه الفني
بليغ حمدي، بيتهوفن الشرق، بلبل الألحان وملك الموسيقى، موسيقار مصري غير وجه الموسيقى العربية.. ألحانه سبقت عصره، استطاع فى سنوات قليلة ان يحجز لنفسه مكانة مميزة وسط كبار الملحنين وكتب اسمه في تاريخ الموسيقى الشرقية، قدم أكثر من مائتى لحنا من كافة الأشكال والقوالب الموسيقية من أغنيات وقصائد وأوبريتات وموسيقى تصويرية للأفلام والمسرحيات، رحل فى مثل هذا اليوم عام 1993.
ولد بليغ عبد الحميد حمدى سعد الدين الشهير بــ بليغ حمدى عام 1931، عمل والده أستاذا للطبيعة بكلية العلوم وحصل على جائزة الدولة في عدة أبحاث عن الحسن ابن الهيثم، ورغم ذلك كان محبا وعاشقا للموسيقى مما جعل الابن بليغ حمدي يرتبط بالموسيقى والفن منذ نعومة أظفاره حتى إنه أتقن العزف على العود وهو فى التاسعة من عمره.
من الحقوق إلى الغناء حتى التلحين
التحق بليغ حمدى بكلية الحقوق بناء على رغبة والده، مع شقيقه موسى سعد الدين وفى نفس الوقت درس بمعهد فؤاد الأول للموسيقى ثم تركه ليلتحق بالإذاعة مطربًا في برنامج ساعة لقلبك يقدم أغنيات خفيفة فى الفواصل بين البرامج، وبنصيحة من محمد حسن الشجاعي رئيس لجنة الاستماع بالإذاعة، وقتئذ ترك الغناء واتجه إلى التلحين، وكانت البداية مع فايدة كامل في لحن دينى تبعه أغنيتين لها، حيث كانت زميلته بالكلية وأغنية "ما تحبنيش بالشكل ده" لفايزة أحمد.

بدأ بليغ حمدي مشوار التلحين مع أغلب نجوم الطرب والغناء على رأسهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي وصفته بالمجنون العبقرى، اكتشفت موهبة بليغ حمدى حين أدركت أنها لا بد لها أن تجدد من نفسها فوافقت على إدخال آلة الجيتار فى فرقتها الموسيقية، ورحبت أيضا بالخروج من قالب السنباطى والتجديد بفكر الشباب عندما تعاونت مع بليغ حمدى، وقدمت من أروع أغنياتها ويكفى أنه كسر الاحتكار فى التلحين لأم كلثوم الذى كان قاصرا على الثلاثى السنباطى والقصبجى وزكريا أحمد، لحن لها 11 من أجمل أغانيها منها: حب إيه، حكم علينا الهوى، ألف ليلة وليلة، الحب كله، إنا فدائيون، فات الميعاد، بعيد عنك حياتى عذاب، ظلمنا الحب، كل ليلة وكل يوم، سيرة الحب التى أدخل فيها عزف الأكورديون لأول مرة، أنساك يا سلام، وكان آخر أغانيها “حكم علينا الهوى”، ليفتح لها الباب فى الغناء من ألحان عبد الوهاب والموجى والطويل.
حاول تفتكرنى آخر تعاونه
كما قدم بليغ حمدى لعبد الحليم حافظ أول ألحانه “تخونوه” ثم أغنية “خايف مرة أحب”، وتوطدت العلاقة بين بليغ وحليم إلى حد الصداقة، وكونا ثنائيا فنيا استمتع الجمهور بأغانيهما التي وصلت إلى ثلاثين أغنية ما زالت تصدح حتى الآن، كان آخرها “حاول تفتكرنى” والتي أعادت تشكيل عبد الحليم.

وتعليقا على موسيقى بليغ حمدى يقول الدكتور أشرف عبد الرحمن أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون: إن بليغ حمدي ينتمي لموسيقى الجيل الثالث الذي ظهر في القرن العشرين، موضحا أن هناك 3 أجيال ساهموا في تطوير وتغيير الموسيقى العربية، ومن بينهم بليغ، معلقا: الجيل الأول كان يضم سيد درويش وعبدالوهاب والسنباطي والشيخ زكريا أحمد والقصبجي، والجيل الثاني ظهر أواخر الثلاثينيات مثل محمد فوزي وعبد العزيز محمود وفريد الأطرش، والثالث ظهر بعد ثورة 1952 ومنهم كمال الطويل والموجى وغيرهم.
أمل مصر فى الموسيقى
وصفه عبد الحليم حافظ بأمل مصر في الموسيقى، كما قال عنه محمد عبد الوهاب: “ربنا بيدى الواحد مننا نغمة جديدة بسيطة الناس تغنيها كل كام سنة، لكن بيديها لبليغ كل يوم”، وقال عنه النقاد أيضا: “بليغ هو بيتهوفن المصري” وذلك بعد عرض فيلم “شيء من الخوف” الذى عرض في ألمانيا وتصفيق الحضور لموسيقاه التصويرية التى وضعها بليغ حمدى للفيلم.
ابن النيل يقدم أروع أغانيه الوطنية
تحت اسم مستعار " ابن النيل " قدم بليغ حمدى مجموعة كبيرة من الألحان الوطنية التى ترجمت مدى حبه لمصر وتعلقه بها فقدم: عدى النهار كأول تعاون لبليغ مع الأغانى الوطنية من تأليف عبد الرحمن الأبنودى، قدم بعدها "يا حبيبتى يا مصر للفنانة شادية، وقدم على الربابة بغنى للفنانة وردة الحزائرية وغيرها.
وأعاد بليغ حمدي للأغنية الشعبي احترامها فيقول: إن دراستى للتراث وللأسلوب الشعبى ليس معناها أننى أنقل ألحانا كانت موجودة كما هى، ولكنى أدرس واستلهم تركيبات لحنية وإيقاعية وأساليب أداء موجودة فى وجداننا، وأعتقد أن هذا الخط لم ينسه سيد درويش، وهو الطريق إلى إيجاد شخصية قومية فى الموسيقى وفى التلحين.
أسماء نسائية لأغلب مقطوعاته الموسيقية
ولأن بليغ حمدى كان متجددا في كل شيء لا يكف عن الابتكار من لحن إلى لحن ومن جملة موسيقية إلى جملة موسيقية، ولأنه صانع نجومية الكثيرين فقد وضعه ذلك تحت الأضواء ووضع حياته العاطفية في الصدارة فظهرت الشائعات والحكايات التي تبحث عن المرأة في حياة العبقرى الفنان بليغ حمدى الذي ارتبط بحب المرأة حتى في اختيار أسماء مقطوعاته الموسيقية؛ فأطلق عليهن: هانم، أميرة، صابرين، فطومة، ليالي، زوبة، دندش، ووردة.
نهاية حزينة أنهت حياة الموسيقار
بالرغم من النجاح الفني والشهرة التي وصل إليها بليغ حمدي، فإن مشواره الفنى انتهى نهاية حزينة عقب حادث مقتل المطربة المغربية سميرة مليان عام 1984 إثر سقوطها من شرفة شقته بالزمالك بعد سهرة مع مجموعة من الفنانين في بيته، وتم العثور على جثتها عارية، ولاحقته الاتهامات وقتها ليهرب إلى في لندن وباريس ما يزيد على 4 سنوات حتى حصل على البراءة من تلك القضية في عام 1989 لكنه كان قد أصيب بمرض السرطان الذى أنهى حياته عام 1993.
