جمعية كتاب البيئة والتنمية في بيان ناري: الشجرة ليست خشبا وقطعها ليس قرارا إداريا عابرا
أعلنت جمعية كتاب البيئة والتنمية فى بيان لها اليوم رفضها القاطع لعمليات قطع الأشجار وإزالتها بصورة عشوائية لما تمثله من اعتداء على حق الإنسان والحيوان في بيئة آمنة وصحية، وإهدارا لثروة طبيعية لا يمكن تعويضها بمجرد زراعة شتلة بديلة، وذلك ردا على هجمة قطع الأشجار التى تجرى حاليا.
وتؤكد جمعية كتاب البيئة والتنمية أن قرار إزالة أو إعدام أي شجرة يجب ألا يكون إجراءً إداريًا عابرًا، وإنما قرار استثنائي تسبقه دراسة علمية وبيئية واضحة تثبت استحالة الإبقاء عليها أو نقلها، وأن يكون القطع هو البديل الأخير وليس الخيار الأسهل
وفي جميع الأحوال، يجب أن يتبع إزالة أي شجرة برنامج معلن لتعويضها وزراعة بديل عنها، مع ضمان رعايتها حتى تصل إلى الحجم والقدرة البيئية التي فقدتها الشجرة الأصلية.
مسلسل قطع الأشجار
وتعرب الجمعية عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بـ«مسلسل قطع الأشجار» الذي شهدته مناطق ومحافظات مختلفة، محذرة من أن استمرار هذه الممارسات لا يمثل خسارة بيئية فحسب، وإنما ينعكس أيضًا على صورة مصر ومكانتها الدولية في ملف البيئة والمناخ.
فمصر التي نجحت خلال السنوات الماضية في استعادة حضورها الدولي في القضايا البيئية، واستضافت مؤتمر التنوع البيولوجي عام 2018، ثم مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «COP27» عام 2022، وتستعد لاستضافة فعاليات دولية مرتبطة بمواجهة التصحر، لا ينبغي أن تقدم في الوقت نفسه صورة تناقض هذه الجهود من خلال التعامل العشوائي مع الأشجار والمساحات الخضراء.
ويبقى السؤال الذي تطرحه الجمعية على الجميع كيف تستعد دولة لمواجهة التصحر، بينما تُفقد الأشجار التي تمثل أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية في مواجهة الحرارة والتلوث والتدهور البيئي؟
وتشدد الجمعية على أن الشجرة ليست مجرد عنصر جمالي في الشارع أو منظر يمكن استبداله بآخر، وإنما هي بنية تحتية بيئية حية؛ تمتص ثاني أكسيد الكربون، وتنتج الأكسجين، وتوفر الظل، وتخفض من تأثير الحرارة، وتوفر موائل ومصادر غذاء للطيور والكائنات الحية، كما تسهم في تحسين جودة الهواء والحد من آثار التلوث.
وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر، يصبح الظل الذي توفره الأشجار قضية تتصل مباشرة بصحة الإنسان وسلامته، كما يصبح فقدان الأشجار القديمة أكثر خطورة؛ إذ تحتاج الشجرة الجديدة إلى سنوات طويلة حتى تؤدي الدور البيئي نفسه الذي كانت تؤديه شجرة ناضجة.
كما أن قطع الشجرة يعني فقدان جزء من الكربون الذي اختزنته خلال سنوات عمرها، بينما يزداد الخطر إذا انتهى خشب الأشجار المقطوعة إلى الاستخدام كوقود أو في صناعة الفحم، بما يعني إعادة الكربون إلى الغلاف الجوي والمساهمة في التلوث وزيادة الانبعاثات، في الوقت الذي يعمل فيه العالم على خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري ومواجهة تغير المناخ.
وتحذر الجمعية من التعامل مع التشجير باعتباره حملة لزراعة أعداد من الشتلات فقط، دون رؤية علمية متكاملة تحدد نوع الشجرة المناسب، ومكان زراعتها واحتياجاتها المائية، وقدرتها على تحمل الظروف المناخية، ومدى ملاءمتها للتنوع البيولوجي المحلي.
مبادرة رئيس الجمهورية
وترحب الجمعية بمبادرة رئيس الجمهورية لتخضير القاهرة وتطالب بأن تمتد هذه الرؤية إلى تخضير مصر بالكامل، وأن تتحول حماية الأشجار وزيادة المساحات الخضراء إلى سياسة وطنية مستدامة، لا إلى حملات موسمية.
وتطالب الجمعية بأن يكون للعلماء والخبراء المتخصصين في البيئة والزراعة والتخطيط الحضري والمناخ والتنوع البيولوجي دور أصيل في وضع وتنفيذ سياسات التشجير، وألا تقتصر عملية التنفيذ على الجهات التي كان لها دور في إزالة الأشجار؛ لأن من أعدم الشجرة لا ينبغي أن يكون وحده صاحب القرار في تحديد مستقبل الغطاء الشجري.
كما تطالب الجمعية بـالشفافية الكاملة في ملف قطع الأشجار، وإعلام الرأي العام عن أسباب القطع، والجهة صاحبة القرار، والجهة المنفذة، وما إذا كانت قد تمت دراسة بدائل النقل أو الإبقاء، وكذلك مصير الأخشاب الناتجة عن عمليات القطع.
وتؤكد الجمعية أن حماية الأشجار لا تعني تعطيل مشروعات التطوير أو رفض التنمية، وإنما تعني تحقيق تنمية رشيدة لا تجعل الشجرة أول ضحاياها، وتوازن بين احتياجات البنية الأساسية وحق المجتمع في بيئة صحية.
مرصد وطني لرصد ومتابعة عمليات قطع الأشجار
وتقترح الجمعية إنشاء مرصد وطني لرصد ومتابعة عمليات قطع الأشجار، يتلقى البلاغات الموثقة بالصور والموقع الجغرافي، ويرصد عمليات الإزالة ويصدر تقارير دورية معلنة للرأي العام، بما يسمح بتحويل حماية الأشجار من ردود أفعال متفرقة إلى منظومة رقابة مجتمعية ومؤسسية مستدامة.
كما تدعو الجمعية إلى إعداد قاعدة بيانات وطنية للأشجار والمساحات الخضراء، خصوصًا الأشجار المعمرة والنادرة، باعتبارها ثروة طبيعية وتراثًا بيئيًا يجب حمايته، مع وضع آليات قانونية وإدارية واضحة تمنع إزالتها إلا للضرورة القصوى وبعد استنفاد البدائل.
إن القضية في جوهرها ليست قضية شجرة هنا أو شجرة هناك، القضية هي أي مدينة نريد أن نتركها لأبنائنا؟
مدينة تزداد فيها الخرسانة وتختفي منها الأشجار، أم مدينة تتعايش فيها التنمية مع الطبيعة؟
إن كل شجرة تُقطع اليوم هي ظل مفقود، وكربون سيعود إلى الغلاف الجوي، وموئل قد تفقده الطيور، ومساحة خضراء لن يستعيدها الإنسان غدًا بسهولة.
ومن ثم، فإن جمعية كتاب البيئة والتنمية تدعو مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والعلماء والإعلام والمواطنين إلى التعامل مع ملف الأشجار باعتباره قضية بيئية ومجتمعية ووطنية، وإلى وقف أي ممارسات عشوائية بحق الأشجار ووضع منظومة واضحة وشفافة لحمايتها.
الشجرة ثروة عامة وليست ملكًا لأحد.. وقطعها يجب أن يكون استثناءً تبرره الضرورة، لا قاعدة تفرضها سهولة التنفيذ.
وتؤكد الجمعية أن حماية الأشجار ليست ضد التنمية، بل هي جزء من التنمية الحقيقية، وأن مصر التي تستعد للقيام بدور أكبر في مواجهة تغير المناخ والتصحر مطالبة بأن تبدأ من حماية مواردها الطبيعية داخل مدنها وقراها وشوارعها.. نريد مصر أكثر خضرة.. لا مصر أقل أشجارًا.
