رئيس التحرير
عصام كامل

نائب رئيس مجلس الدولة: غسل الأموال وتمويل الإرهاب يكشفان الوجه المظلم للتعاملات الرقمية

مناقشة دكتوراه
مناقشة دكتوراه
18 حجم الخط

شهدت كلية الحقوق بجامعة الزقازيق مناقشة علمية علنية لرسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث محروس محمد ليلة، والتي تناولت موضوع «التعويض عن الأضرار الناجمة عن التعاملات عبر الإنترنت في القانون المدني.. دراسة مقارنة»، وانتهت لجنة المناقشة والحكم إلى منحه درجة الدكتوراه بتقدير «ممتاز».

 

وضمت لجنة المناقشة والحكم الدكتور ممدوح محمد المسلمى، أستاذ ورئيس قسم القانون المدني بكلية الحقوق جامعة الزقازيق وعميد الكلية السابق، مشرفًا ورئيسًا، والدكتور محمد عبد الرحمن، الأستاذ المتفرغ بقسم القانون المدني بالكلية، عضوًا مناقشًا، والمستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس دائرة الفحص بالمحكمة الإدارية العليا، عضوًا مناقشًا.

وخلال المناقشة، تناول الدكتور محمد خفاجي أحد أبرز الإشكاليات القانونية التي تفرضها البيئة الرقمية الحديثة، والمتعلقة بمدى مسؤولية المنصات الإلكترونية والمؤسسات المالية ومقدمي خدمات الدفع عن الأضرار التي قد تنشأ نتيجة استغلال خدماتها في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.

وقال خفاجي إن التساؤل لا يتعلق بمجرد وقوع الجريمة، وإنما يبدأ من نقطة أخرى تتمثل في مدى وجود واجب قانوني أو مهني يقع على عاتق المنصة أو المؤسسة، فإذا كانت المنصة ملزمة بالتحقق أو الحماية أو المراقبة، وكانت لديها مؤشرات جدية على وجود خطر ثم أهملتها، وترتب على هذا الإخلال ضرر للغير، فإن المسألة المدنية تصبح قائمة على أساس مستقل.

وأضاف أن تحديد المسؤولية لا ينبغي أن ينطلق من فكرة أن المنصة «مجرد وسيط»، وإنما من طبيعة الدور الذي تؤديه ومدى سيطرتها على العملية الرقمية، موضحًا أن المنصة التي تقتصر وظيفتها على إتاحة مساحة تقنية للتواصل ليست بالضرورة في المركز القانوني ذاته الذي تحتله منصة تتولى الإعلان والتحقق والدفع وترتيب المعاملة وحماية المستخدم وتنفيذ مراحل منها.

وأكد أن كلما اتسعت قدرة المنصة على التحكم في المعاملة، اتسعت معها دائرة واجباتها المهنية والقانونية، مشددًا على أن المسؤولية المدنية لا تقوم لمجرد وقوع جريمة، وإنما يتعين إثبات أركانها من خطأ وضرر وعلاقة سببية.

غسل الأموال وتمويل الإرهاب.. اختبار حقيقي للمسؤولية المدنية

وأوضح خفاجي أن غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمثلان اختبارًا حقيقيًا لنظرية المسؤولية المدنية في العصر الرقمي، مشددًا على ضرورة الفصل بين المجال الجنائي والمجال المدني.

وقال إن غسل الأموال وتمويل الإرهاب من حيث التجريم والعقاب يدخلان في نطاق القانون الجنائي ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، بينما تبدأ المسألة المدنية عندما يكون هناك واجب قانوني أو مهني مفروض على منصة إلكترونية أو مؤسسة مالية أو مقدم خدمة دفع أو وسيط رقمي، ثم يحدث إخلال بهذا الواجب يترتب عليه ضرر.

وأشار إلى أن البيئة الرقمية كشفت عن وسائل جديدة لتحريك الأموال وإخفاء مصادرها وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وهو ما يفرض إعادة النظر في حدود واجبات الحماية والرقابة المفروضة على الكيانات التي أصبحت جزءًا من النظام المالي والاقتصادي الرقمي.

الضرر الرقمي يعيد تعريف مفهوم الأمن القومي

وانتقل خفاجي إلى البعد الأوسع للضرر الرقمي، مؤكدًا أن الأضرار الناشئة عن التعاملات الإلكترونية لم تعد محصورة في خسارة مالية تلحق بفرد أو انتهاك خصوصية شخص، وإنما يمكن أن تتجاوز المصلحة الفردية إلى مصالح جماعية واقتصادية ومعلوماتية واستراتيجية.

وأوضح أن قصور منصة مالية أو مقدم خدمة رقمي في واجبات التحقق والحماية، بما يؤدي إلى تسهيل غسل الأموال أو تمويل نشاط إرهابي، قد لا يقتصر أثره على خسارة عميل أو شركة، وإنما يمكن أن يمتد إلى الثقة في النظام المالي وسلامة الاقتصاد الوطني واستقرار المعاملات.

وأضاف أن مفهوم الأمن القومي نفسه لم يعد مقصورًا على حماية الحدود والمنشآت، بل أصبح يشمل حماية المجال الرقمي للدولة ومعلوماتها ووعي مجتمعها وقدرتها على استمرار مرافقها الحيوية.

وأكد أن اختراق البيانات، وتعطيل البنية التحتية الرقمية، والتلاعب بالمعلومات، واستغلال المنصات الإلكترونية في نشر الفوضى أو التأثير في الوعي العام، تمثل صورًا حديثة من الضرر تفرض مفاهيم جديدة للأمن القومي.

من حماية العميل إلى حماية الاقتصاد

وأشار خفاجي إلى أن المسؤولية المدنية في البيئة الرقمية قد تؤدي وظيفة وقائية تتجاوز مجرد تعويض المضرور، موضحًا أن إلزام المنصة أو المؤسسة المالية بواجبات التحقق والرقابة والأمن السيبراني لا يحمي العميل وحده، وإنما يسهم في حماية سلامة البيئة الرقمية ذاتها.

وقال إن حماية بيانات العميل ليست مجرد حماية لبياناته، وحماية حسابه ليست حماية لأمواله فقط، ومراقبة سلامة المعاملة لا تعني حماية المعاملة وحدها، وإنما قد تمثل في بعض صورها حماية للثقة التي يقوم عليها النظام الرقمي والمالي بأكمله.

وأوضح أن هذه الثقة ليست مجرد قيمة تجارية، وإنما تعد أحد مقومات الاستقرار الاقتصادي، وهو ما يفرض إعادة صياغة وظيفة المسؤولية المدنية في البيئة الرقمية، بحيث لا تقتصر على حماية المال الفردي من الضرر، وإنما تمتد إلى حماية الثقة المشروعة في النظام الذي تتحرك داخله الأموال والمعاملات.

هل يتحول الخطأ المدني إلى تهديد للأمن القومي؟

وطرح خفاجي تساؤلًا حول إمكانية أن يسهم الإخلال المدني بواجبات الحماية الرقمية في تهديد الأمن الاقتصادي أو المعلوماتي للدولة، حتى لو لم يكن المسؤول قد قصد المساس بالأمن القومي.

وأوضح أن ذلك يمكن تصوره إذا ثبت الإخلال بواجب قانوني أو مهني، وثبت الضرر، وثبتت علاقة السببية، مؤكدًا أن مجرد وقوع الجريمة لا يكفي وحده لإقامة المسؤولية المدنية.

واختتم خفاجي حديثه بالتأكيد على أن الغاية ليست تحويل القانون المدني إلى قانون للأمن القومي، وإنما إدراك أن الضرر الذي يبدأ من شاشة حاسوب قد ينتهي عند اقتصاد دولة، وأن الخطأ الذي يبدو في ظاهره مدنيًا ومحدودًا قد تتسع آثاره حتى تمس الثقة في نظام مالي بأكمله.

وشدد على أن السؤال في العصر الرقمي لم يعد فقط: «من يعوض الفرد؟»، وإنما أصبح أيضًا: «من يتحمل تبعة الخطأ عندما يتحول الضرر الإلكتروني من خسارة فرد إلى تهديد للثقة الاقتصادية والأمن القومي؟»، معتبرًا أن هنا تبدأ ملامح فقه المسؤولية المدنية في العصر الرقمي، ليس فقط عند حدود التعويض، وإنما عند حدود المسؤولية عن حماية المجتمع والدولة من آثار الخطأ الرقمي.

الجريدة الرسمية