رئيس التحرير
عصام كامل

المقايضة الكبرى إيران بأوكرانيا، خبير الناتو يكشف سر الصفقة الجديدة بين ترامب وبوتين

المقايضة الكبرى بين
المقايضة الكبرى بين ترامب وبوتين
18 حجم الخط

مقايضة إيران بأوكرانيا،  كشف الدكتور سيد غنيم، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية والأستاذ الزائر بحلف الناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل، عن المقايضة الكبري، والتي تتم في حالة العجز الاستراتيجي، والتي يمكن مقايضة أوكرانيا بإيران، وتكون المقايضة بين أمريكا وروسيا.

سر المقايضة الكبرى بين ترامب وبوتين إيران بأوكرانيا

وقال الدكتور سيد غنيم، عبر حسابه بـ"الفيس بوك"، عن المقايضة الكبرى التي يتم الترويج لها بين ترامب وبوتين: "المقايضة الكبرى- سردية العجز الاستراتيجي، من الممكن أن يتم المقايضة بأوكرانيا مقابل إيران في تفاهمات سرية بين ترمب وبوتين".

 

صفقة سرية بين ترامب وبوتين بشأن إيران وأوكرانيا
صفقة سرية بين ترامب وبوتين بشأن إيران وأوكرانيا


وأوضح الدكتور سيد غنيم أن "هذا الطرح الذي يروج لإمكانية إبرام صفقات سرية بين ترمب وبوتين أو بين ترمب وشي، يُعد من قبيل 'أوكرانيا مقابل إيران" أو "تايوان مقابل إيران"، نمط من التبسيط المفرط لاستنتاجات المواقف الدولية، ومحاولة لاختزال بيئة استراتيجية شديدة التعقيد في سردية سهلة التداول".

وأشار الدكتور سيد غنيم إلى أن "مثل هذه الأطروحات تتجاوز في كثير من الأحيان التعقيدات السياسية والاستراتيجية التي تحكم سلوك الدول، وتفترض ضمنيًا أن القوى الكبرى تستطيع التعامل مع الدول الأخرى باعتبارها أوراق قابلة للنقل والتبادل، وهذا افتراض يصعب الدفاع عنه واقعيًا لعدة اعتبارات:

 أولًا: وهم السيطرة الكاملة والفاعل المنفرد، فالحديث عن مقايضة دول أو أزمات كبرى يفترض ضمنيًا امتلاك الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين سلطة مطلقة على الأطراف المعنية، وهو افتراض يتجاهل استقلالية وحيوية الفاعلين المحليين والإقليميين.

أوكرانيا ليست مجرد ورقة روسية أو أمريكية، وإيران ليست أصل تفاوضي تملكه واشنطن أو موسكو، كما أن تايوان ليست مجرد قطعة يمكن نقلها من طرف إلى آخر بقرار من قوة عظمى، فلكل من هذه الأطراف مصالح وحسابات وقدرات وأدوات تأثير تتيح لها التأثير في مصيرها". 

المقايضة في القضايا الكبرى ليست قرار جراحي يصدر عن زعيمين، وإنما مسار سياسي وأمني طويل ومعقد، يتطلب موافقة أو استيعاب عدد كبير من الفاعلين، ويترتب عليه ثمن سياسي واستراتيجي لا يمكن تجاهله.

شخصنة التحالفات بين بوتين وترامب
شخصنة التحالفات بين بوتين وترامب


ثانيًا: المغالطة الاستراتيجية في تشبيه التحالفات، حيث تخلط بعض هذه المقاربات بين المقايضة باعتبارها غاية، وبين إعادة تشكيل موازين القوى باعتبارها أداة، فتايوان وأوكرانيا، على سبيل المثال، لا تمثلان مجرد أراضي متنازع عليها، وإنما تدخلان ضمن منظومات أمنية ودفاعية أوسع ترتبط بمصالح قوى دولية وإقليمية عديدة، من الولايات المتحدة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا وغيرها.

أي محاولة لإعادة ترتيب وضعهما لا تتعلق فقط بإرادة واشنطن أو موسكو أو بكين، وإنما بإعادة صياغة شبكة كاملة من المصالح والتحالفات والالتزامات الأمنية، وهنا تحديدًا تكمن مشكلة ما يمكن وصفه بـ"سردية المقايضة، فهي تختزل توازنات استراتيجية متعددة الأطراف في علاقة ثنائية بين زعيمين، وتتجاهل أن موازين القوى لا تعاد صياغتها بمجرد عقد صفقة، بل من خلال عملية طويلة تتفاعل فيها إرادات وقدرات ومصالح أطراف متعددة.

ثالثًا: الشخصنة السياسية واختزال البنية في إرادة الزعيم، فالتركيز المفرط على شخصيات ترمب وبوتين وشي قد يؤدي إلى الوقوع في فخ الشخصنة السياسية، وتصوير النظام الدولي باعتباره نتيجة مباشرة لإرادة عدد محدود من القادة.

صحيح أن شخصية القائد وأسلوبه التفاوضي وقدرته على المخاطرة عوامل مهمة، لكن القائد لا يعمل في فراغ. فهو مقيد بمؤسسات دولته، وبالداخل السياسي، وبالمؤسسة العسكرية والأمنية، والنخب الاقتصادية، وبالرأي العام، والحلفاء، والقدرة الفعلية على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

إن بعض ما يفسر باعتباره صفقات كبرى قد يكون في الواقع مجرد مناورات في أطار مفاوضات جارية، أو محاولة لإستعادة وضع أقوى، أو اختبار لردود أفعال الخصوم والحلفاء، وليس بالضرورة اتفاق نهائي لتبادل ملفات استراتيجية.

مناورات روسيا وأمريكا للتفاوض
مناورات روسيا وأمريكا للتفاوض


رابعًا: المشكلة الحقيقية تكمن في إمكانية تنفيذ المقايضات من هذا النوع،  فحتى إذا افترضنا وجود إرادة سياسية لدى زعيمين كبار لعقد صفقة كبرى، ستظهر الفجوة الكبرى بين الإرادة السياسية والقدرة الاستراتيجية؛ فأي تفاهم يتعلق بأوكرانيا أو إيران أو تايوان سيصطدم بمصالح أطراف محلية وإقليمية ودولية، وبمؤسسات داخلية، وبالتزامات وتحالفات قائمة، وباحتمالات رد فعل من الخصوم والحلفاء على السواء.

قابلية التنفيذ تمثل معيار أكثر أهمية من مجرد إمكانية التفاوض. فقد يكون الاتفاق ممكن على الورق، بينما يكون تطبيقه على الأرض مستحيل أو مكلف إلى درجة تجعل الصفقة غير قابلة للاستمرار".

خامسًا: الحاجة إلى استراتيجية مركبة، فخلافًا لما هو شائع، فإن التحدي أمام أي إدارة أمريكية تتبنى عقلية معاملاتية، لا يتمثل فقط في قدرتها على عقد صفقات خارجية، وإنما في قدرتها على تسويق هذه الصفقات داخليًا وتحويلها إلى سياسات قابلة للاستمرار، وهذا مهم بصورة خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الأمريكي، وتعدد مراكز القوة والنفوذ، وحساسية ملفات الأمن القومي، فضلًا عن أن أي تنازل استراتيجي كبير في ملف مثل أوكرانيا أو تايوان أو إيران يمكن أن ينعكس مباشرة على صورة الولايات المتحدة والتزاماتها تجاه حلفائها.

هل تنجح صفقة المقايضة الكبرى
هل تنجح صفقة المقايضة الكبرى


لذلك أصر على فكرة أن سرديات أوكرانيا مقابل إيران أو تايوان مقابل إيران، تبدو جذابة لأنها تقدم تفسير بسيط لعالم شديد التعقيد، لكنها في كثير من الحالات تقوم على افتراضات مبالغ فيها حول قدرة القوى العظمى على التحكم في مصائر الدول الأخرى.

وأختتم الدكتور سيد غنيم حديثه عن المقايضة الكبرى بين بوتين وترامب فقال: "ومن هنا، فإن القراءة الأكثر واقعية، قبل طرح سردية مثل هذه، لابد أن تبدأ بأسئلة محددة وصارمة مثل، من يملك القدرة على عقد الصفقة؟ ومن يملك القدرة على تنفيذها؟ وما تكلفة تنفيذها؟ ومن يستطيع تعطيلها؟ وكيف ستتفاعل معها بقية القوى؟ غير ذلك فهو سردية تنم عن عجز أصحابها" 

الجريدة الرسمية