تقرير أمريكي: الضربات الإيرانية ضد الأردن تضع واشنطن أمام اختبار صعب وتهدد تحالفاتها بالمنطقة
تحت عنوان "هل الأردن هي الحلقة الأضعف في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط؟"، نشر موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتحصص في الشؤون السياسة تقريرا ذكر فيه أن "تكرار الضربات الإيرانية التي تستهدف القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في الأردن تكشف عن ثغرة سياسية وأمنية أكثر عمقا داخل المنظومة الأمريكية في الشرق الأوسط. فالأردن، الذي طالما اعتبرته واشنطن أحد أكثر حلفاء واشنطن العرب موثوقية واستقرارا، يجد نفسه في قلب معادلة شديدة الحساسية، في ظل اعتماده الأمني والعسكري على الولايات المتحدة".
وبحسب التقرير الذي أعده أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ولاية ميشيجان وصاحب كتاب"الوجوه المتعددة للإسلام السياسي" محمد أيوب، فإن تكرار الهجمات الإيرانية على المنشآت العسكرية الأمريكية في الأردن خلال يوليو الماضي ومرة أخرى في 30 أغسطس، يعكس إدراك طهران لمواطن ضعف داخل الاستراتيجية الأمريكية لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به دول الخليج أو إسرائيل"، مشيرا إلى أن الخطر الأكبر على الوجود الأمريكي في الأردن قد لا يأتي بالضرورة من الصواريخ الإيرانية، وإنما من الضغوط السياسية والاجتماعية المتزايدة التي قد تجعل استمرار هذا التحالف أكثر كلفة على عمان.
يمثل الأردن نقطة حساسة في الاستراتيجية الأمريكية
لطالما شكل الأردن أحد أهم ركائز الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط؛ حيث احتفظت المملكة بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، واستضافت قوات أمريكية لعقود، كما تعاونت بصورة واسعة مع الولايات المتحدة في ملفات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، وحصلت على مساعدات عسكرية واقتصادية أمريكية كبيرة.
وتعززت هذه الشراكة بعد توقيع الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994، لتصبح المملكة جزءا أساسيا من شبكة التحالفات التي تعتمد عليها واشنطن في إدارة أمن المنطقة.

لكن هذه الشراكة، بحسب التقرير، تحمل في داخلها مفارقة متزايدة؛ إذ إن اعتماد الأردن على الدعم الأمريكي اقتصادًا وأمنيا يحد من قدرته على الابتعاد عن السياسات الإقليمية لواشنطن، في وقت يتزايد فيه الغضب الشعبي من تلك السياسات، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل والحرب على غزة والتطورات في الضفة الغربية المحتلة؛ حيث يمثل الملف الفلسطيني عاملا حاسما في تشكيل المزاج السياسي داخل الأردن، نظرا إلى الروابط التاريخية الوثيقة بين المجتمع الأردني والفلسطينيين.
وفي هذا السياق، ينظر جزء من الرأي العام الأردني إلى السياسة الأمريكية باعتبارها مرتبطة بصورة وثيقة بالسياسات الإسرائيلية، في ظل الدعم العسكري والدبلوماسي الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، واستخدامها المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن لحمايتها من بعض القرارات الدولية.
لذا؛ فإن المواجهة الأمريكية الإيرانية لا تقرأ داخل الأردن باعتبارها مواجهة منفصلة عن الصراع الفلسطيني، وإنما باعتبارها امتدادا للصراع الأوسع حول مستقبل المنطقة وموقع إسرائيل فيها، وفق أيوب.
لماذا لا يعني التعاطف مع إيران تأييد سياساتها؟
لا يعني تنامي التعاطف مع الموقف الإيراني لدى بعض قطاعات المجتمع الأردني وجود تأييد شامل لطهران أو لمشروعها الإقليمي بحسب أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ولاية ميشيجان؛ حيث تظل إيران طرفا مثيرا للجدل في المنطقة، كما أن سياساتها الإقليمية لا تحظى بقبول موحد داخل الأردن، بحسب أيوب.
ويضيف: لكن دعم طهران المعلن للقضية الفلسطينية ومواقفها المعادية لإسرائيل أكسبها قدرا من التعاطف لدى شرائح من الرأي العام، وهو ما يزيد من تعقيد موقف الحكومة الأردنية التي تجد نفسها بين تحالف استراتيجي وثيق مع واشنطن ومجتمع يرى أن هذا التحالف يضع المملكة في مرمى التصعيد الإقليمي.
هل تتحاوز الضربات الإيرانية الأهداف العسكرية؟
تكمن أهمية الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الأردن، وفق الكاتب، في أنها لا تستهدف فقط إلحاق أضرار عسكرية بالوجود الأمريكي، وإنما يمكن أن تخلق معادلة سياسية أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الحكومة الأردنية؛ إذ إن كل هجوم على منشأة أمريكية داخل المملكة يضع عمان أام اختبار صعب حول مدى قدرتها على الحفاظ على شراكتها الأمنية مع واشنطن دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة مباشرة للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبذلك، يمكن لإيران، بحسب التحليل، أن تضغط على الموقع الأمريكي في الأردن دون الحاجة إلى استهداف بنية النظام السياسي نفسه؛ إذ يكفي زيادة الكلفة الأمنية والسياسية للتحالف مع واشنطن لإرباك الخطط العسكرية الأمريكية وتضييق هامش الحركة الدبلوماسية أمام عمان.
واشنطن أمام معضلة صنعتها بنفسها
يرى الكاتب أن الولايات المتحدة تحتاج إلى الأردن باعتباره موقعا استراتيجيا مهما وقاعدة متقدمة لدعم عملياتها في المنطقة، بينما تحتاج المملكة إلى المظلة الأمنية والدعم الاقتصادي الأمريكي. لكن استمرار التصعيد قد يجعل هذه العلاقة أكثر صعوبة سياسيا، خصوصًا إذا ارتبط الوجود العسكري الأمريكي بتداعيات أمنية مباشرة على الأراضي الأردنية".
ويضيف: في ظل ذلك المشهد، فإن معركة واشنطن وطهران لا تجري فقط بالصواريخ والطائرات المسيرة والقواعد العسكرية، وإنما أيضا عبر صراع على الرواية والتأييد الشعبي. وكلما طال أمد المواجهة، كلما ارتفعت احتمالات تحول الأردن من مجرد منصة لوجستية وعسكرية للولايات المتحدة إلى إحدى نقاط الضغط الرئيسية في الصراع الإقليمي.
هشاشة الموقع الأمريكي في الأردن
بحسب رؤية "ذا ناشيونال إنترست"، فإن هشاشة الموقع الأمريكي في الأردن لا ترتبط فقط بقدرة إيران على استهداف القواعد العسكرية، وإنما بقدرتها على استغلال التناقض بين المصالح الاستراتيجية للقيادة الأردنية والمزاج الشعبي تجاه الصراع الإقليمي.
وفي حال استمرار التصعيد، قد يصبح الأردن اختبارا حقيقيا لقدرة واشنطن على الحفاظ على شبكتها العسكرية في الشرق الأوسط دون أن تؤدي الضغوط الأمنية والسياسية المتراكمة إلى إضعاف ركائز هذه الشبكة. فالمعادلة لم تعد تتعلق فقط بمن يملك الصواريخ الأكثر دقة، وإنما بمن يستطيع تحمل الكلفة السياسية والاجتماعية لاستمرار المواجهة، وفق التقرير.




