رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

حرب بلا سقف، كيف تنقل المسيرات والصواريخ المواجهة الروسية من أوكرانيا إلى أوروبا والمحيط الهادئ؟

جانب من الحرب الروسية
جانب من الحرب الروسية الأوكرانية
18 حجم الخط

لم تعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تقتصر على خطوط التماس العسكرية داخل الأراضي الأوكرانية الروسية، حيث تكشف التطورات المتسارعة عن اتساع دائرة الصراع جغرافيا وسياسيا، مع تصاعد حرب المسيرات، وتبادل التهديدات باستهداف العمق، وامتداد التوتر إلى ألمانيا واليابان، في مشهد يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة أمنية متعددة الجبهات.

ففي الوقت الذي تتبادل فيه القوات الروسية وأوكرانيا ضرب أهداف حيوية داخل البلدين، تتصاعد التحذيرات الأوكرانية بشأن نقل المعركة إلى المجال الجوي الروسي، بالتزامن مع لهجة روسية أكثر حدة تجاه برلين بسبب حادثة مطار لايبزيج، وطوكيو بسبب التعاون العسكري المتنامي مع الولايات المتحدة ونشر منظومات صاروخية أمريكية في الأراضي اليابانية.

كيف تتصاعد حرب المسيرات بين روسيا وأوكرانيا؟

وفي السياق، أكدت وزارة الدفاع الروسية، اليوم الأربعاء، أن قواتها شنت غارات جوية استهدفت مراكز لوجستية وموانئ ومنشآت للطاقة في كييف وأوديسا، في إطار استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية التي تعتمد عليها أوكرانيا في إدارة عملياتها العسكرية والاقتصادية.

وفي المقابل، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية إسقاط 141 طائرة مسيرة روسية فوق مناطق مختلفة من البلاد خلال ليلة واحدة، في مؤشر جديد على حجم التصعيد الذي تشهده حرب المسيرات بين الطرفين؛ حيث يحاول الجانب الأوكراني تعزيز معادلة الردع من خلال التهديد بتوسيع نطاق هجماته داخل الأراضي الروسية، في محاولة لنقل جزء من تكلفة المواجهة إلى العمق الروسي.

هل ينتقل الصراع إلى المجال الجوي الروسي؟

في هذا السياق، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شركات الطيران وشركات التأمين والمؤسسات التي تقدم خدمات للمطارات الروسية من مخاطر استخدام المجال الجوي الروسي.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

وأكد زيلينسكي أن المسيرات الأوكرانية ستبقى حاضرة في الأجواء الروسية طالما استمرت المواجهة، مشددا في الوقت نفسه على أن الطيران المدني ليس هدفا مباشرا للقوات الأوكرانية.

لماذا تحولت حادثة لايبزيج إلى أزمة جديدة بين موسكو وبرلين؟

وعلى الجانب الأوروبي، تصاعدت الأزمة بين روسيا وألمانيا على خلفية حادثة العثور على طائرة مسيرة محملة بمواد متفجرة في مطار لايبزيج/هاله.

وكانت السلطات الألمانية قد حملت موسكو مسؤولية الحادث، بينما نفت روسيا الاتهامات بشكل قاطع ووصفتها بأنها استفزاز سياسي.

وأعلنت الحكومة الألمانية، في الأول من سبتمبر، أنها خلصت إلى مسؤولية روسيا عن محاولة الهجوم باستخدام طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات، استنادا إلى تحقيقات الشرطة وأجهزة الأمن ومعلومات استخباراتية، في حين رفضت موسكو الاتهامات واعتبرتها بلا أساس. كما أعلنت برلين إجراءات دبلوماسية ضد مؤسسات روسية، ما يعكس مستوى جديدا من التوتر بين البلدين.

ومن جهته، استخدم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف لهجة شديدة تجاه ألمانيا، معتبرا أن برلين تستحق، بحسب تصريحاته، ردا يطال المنشآت المرتبطة بالمساعدات العسكرية المقدمة إلى كييف.

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف
نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف

وكتب مدفيديف في قناته على "تلجرام": "وجهت برلين إلى روسيا اتهامات بهجوم غير مثبت على مطار لايبزيج. وفي ضوء المسار النازي الجديد، والمعادي بشدة لروسيا، الذي تتبناه القيادة الألمانية الحالية، فإن التخريب المختلق ليس إلا أضعف صورة من صور العقاب على خطاياهم"، وفق موقغ "روسيا اليوم".

هل تقود الاتهامات المتبادلة إلى مواجهة روسية أوروبية أوسع؟

تمثل حادثة لايبزيج تطورا حساسا في العلاقة بين روسيا وأوروبا، لأنها تعيد إلى الواجهة مفهوم "الحرب الهجينة"، الذي أصبح جزءا أساسيا من الخطاب الأمني الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.

وتتهم دول أوروبية موسكو بالوقوف خلف عمليات تخريب وهجمات إلكترونية وأنشطة استخباراتية تستهدف البنية التحتية والمنشآت الحيوية، بينما تنفي روسيا هذه الاتهامات وتعتبرها جزءا من حملة سياسية لتبرير استمرار العقوبات والتصعيد ضدها.

وتشير التقارير إلى أن السلطات الألمانية ربطت الحادث بما وصفته بنمط عمليات روسية سابقة، في حين تصر موسكو على أن الاتهامات سياسية ولا تستند إلى أدلة مقبولة من جانبها.

لماذا تحذر موسكو طوكيو وواشنطن من صواريخ تايفون؟

وفي الاتجاه الشرقي، فتحت موسكو جبهة سياسية جديدة مع اليابان والولايات المتحدة، بعد تحذير وزارة الخارجية الروسية من نشر منظومات صاروخية أمريكية في الأراضي اليابانية.

وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أمس الثلاثاء، أن موسكو ستتخذ إجراءات مضادة إذا تحول الوجود العسكري الأمريكي في اليابان إلى تهديد مباشر للأمن الروسي، مشيرة إلى أن منظومة صواريخ "تايفون" الأمريكية، حتى إذا استخدمت في تدريبات عسكرية، تعد تطورا غير مقبول بالنسبة إلى موسكو.

وكانت روسيا قد وجهت احتجاجا رسميا إلى طوكيو بسبب نشر منظومة "تايفون" للمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة بين اليابان والولايات المتحدة وأستراليا، معتبرة أن هذه المنظومة تمثل تهديدا مباشرا لأمنها. وتستطيع منظومة "تايفون" إطلاق صواريخ "توماهوك" وصواريخ "إس إم-6"، ما يمنحها أهمية خاصة في حسابات الردع الإقليمي.

من أوروبا إلى المحيط الهادئ.. هل تتسع دوائر المواجهة؟

وفي المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع الروسي الأوكراني لم يعد محصورا داخل حدوده الجغرافية المباشرة، حتى وإن بقيت أوكرانيا مسرحه العسكري الرئيسي.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو أوروبا وشرق آسيا أمام مرحلة أمنية جديدة، تتداخل فيها الحرب التقليدية مع الهجمات غير المباشرة، وحرب المسيرات مع الصواريخ بعيدة المدى، فيما يظل السؤال الأبرز هو: هل تستطيع القوى الكبرى احتواء هذا التصعيد، أم أن اتساع دوائر الردع سيقود تدريجيا إلى فتح جبهات جديدة تتجاوز حدود الصراع الروسي الأوكراني؟

الجريدة الرسمية