رئيس التحرير
عصام كامل

96 % من مساحة مصر غير مأهولة بالسكان، نائب يسأل الحكومة عن جدوى المدن الجديدة

مجلس النواب
مجلس النواب
18 حجم الخط

تقدم الدكتور ياسر الهضيبي، عضو مجلس النواب، بسؤال إلى كل من وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، ووزير العمل، بشأن جدوى الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في المدن الجديدة على مدار نحو خمسة عقود، والفجوة بين المستهدفات السكانية لهذه المدن وأعداد المقيمين فيها فعليًا، ومدى قدرة هذه التجربة على تحقيق هدف إعادة توزيع السكان خارج الوادي والدلتا.

سياسات متتالية للتوسع العمراني خارج الوادي والدلتا

وأشار الهضيبي إلى أن الدولة تبنت على مدار العقود الماضية سياسات متتالية للتوسع العمراني خارج الوادي والدلتا، استهدفت مضاعفة المساحة المأهولة بالسكان، وتخفيف الضغط عن القاهرة والمحافظات القديمة، وإقامة مراكز عمرانية واقتصادية جديدة، بالتوازي مع ضخ استثمارات ضخمة في الإسكان والمرافق والطرق والخدمات.

وأوضح أن دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية تكشف استمرار التركز السكاني بصورة لافتة، حيث يتركز نحو 95% من السكان في وادي النيل والدلتا، رغم أن هذه المنطقة لا تمثل أكثر من 4% من إجمالي مساحة مصر البالغة نحو مليون كيلومتر مربع، بما يعكس فجوة بين التوسع العمراني الذي شهدته الدولة وبين إعادة توزيع السكان على الأرض.

معدلات الإقامة الفعلية في عدد من هذه المدن

ولفت عضو مجلس النواب إلى أن خطة الدولة أسفرت عن إنشاء 49 مدينة جديدة على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان، بطاقة استيعابية مخططة تتجاوز 27 مليون نسمة، إلا أن معدلات الإقامة الفعلية في عدد من هذه المدن لا تزال أقل بصورة كبيرة من المستهدفات السكانية الموضوعة عند إنشائها.

وبحسب البيانات التي استند إليها الهضيبي، فإن عددًا من مدن الجيل الرابع، ومن بينها العاصمة الإدارية الجديدة وأكتوبر الجديدة والعبور الجديدة والعلمين الجديدة وسوهاج الجديدة وأسوان الجديدة، حقق أقل من 1% من مستهدفاته السكانية المخططة، بينما لا تزال معدلات الإشغال في عدد من المدن الأقدم، ومنها السادات والقاهرة الجديدة والعبور والشروق و15 مايو، تتراوح بين 5% و20% من أعداد السكان المستهدفة، رغم مرور سنوات وعقود على إنشائها.

أداء أفضل من عدد من المدن الحديثة

وأشار إلى أن بعض مدن الجيل الأوسط، ومنها دمياط الجديدة وبني سويف الجديدة، حققت أداءً أفضل من عدد من المدن الحديثة، إلا أنها لا تزال بعيدة عن الوصول إلى مستهدفاتها السكانية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول العوامل التي تحول دون انتقال المواطنين إلى المدن الجديدة والإقامة بها بصورة دائمة.

وأكد الهضيبي أن تقييم تجربة المدن الجديدة لا يمكن فصله عن خريطة توزيع فرص العمل، خاصة أن الوظائف المعلنة تتركز بدرجة كبيرة في القاهرة وعدد محدود من المراكز الحضرية الكبرى، بينما تتراجع بصورة حادة في عدد من المحافظات التي تضم مدنًا جديدة.

وأوضح أن البيانات الواردة في الدراسة تشير إلى تسجيل نحو 15 ألف وظيفة شاغرة معلن عنها في محافظة القاهرة خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل نحو 240 وظيفة فقط في ست محافظات هي المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف، بفارق يتجاوز 60 ضعفًا، وهو ما يعكس، بحسب عضو مجلس النواب، تحديًا أمام سياسات إعادة توزيع السكان، في ظل ارتباط قرار الانتقال والإقامة الدائمة بتوافر فرص عمل مستقرة.

إنشاء الوحدات السكنية

وشدد على أن إنشاء الوحدات السكنية ومد شبكات المرافق والطرق لا يضمن وحده نجاح المدن الجديدة في جذب السكان، إذا لم يتزامن ذلك مع خلق قاعدة اقتصادية وإنتاجية قادرة على توفير فرص العمل، إلى جانب توافر المدارس والخدمات الصحية والتجارية ووسائل النقل العام والإسكان الملائم وتكاليف معيشة تتناسب مع دخول الأسر.

وتوقف الهضيبي أمام تجربة العاصمة الإدارية الجديدة، مشيرًا إلى أن انتقال مؤسسات حكومية وعدد من الشركات إليها أدى إلى زيادة حركة التنقل اليومية، إلا أن انتقال العاملين وأسرهم للإقامة الدائمة لم يواكب بالقدر نفسه انتقال مقار العمل، بما يكشف أن نقل المؤسسات والوظائف لا يمثل وحده ضمانة لإعادة توزيع السكان.

الاستثمارات الحكومية

وطالب عضو مجلس النواب الحكومة بتقديم صورة كاملة عن حجم الاستثمارات الحكومية التي جرى ضخها في المدن الجديدة منذ بدء المشروع، مع بيان نصيب كل مدينة من الاستثمارات ومقارنة ذلك بالنتائج السكانية المحققة، إلى جانب كشف رسمي محدث بأعداد السكان المقيمين إقامة دائمة في كل مدينة، وعدد الوحدات المنفذة والمشغولة فعليًا، والطاقة الاستيعابية ونسب الإشغال.

كما طالب ببيان حجم الفجوة بين الوحدات السكنية التي جرى تنفيذها والوحدات المأهولة فعليًا، وعدد الوحدات المغلقة أو غير المستخدمة، والقيمة التقديرية للاستثمارات المرتبطة بالوحدات والأراضي والمرافق التي لم تصل إلى معدلات الاستغلال المستهدفة.

وشدد الهضيبي على أهمية وضع مؤشرات واضحة لتقييم نجاح المدن الجديدة، لا تقتصر على عدد الوحدات المنفذة أو مساحة الأراضي المطورة أو حجم الإنفاق، وإنما تشمل عدد السكان المقيمين فعليًا، ومعدلات الإشغال، وفرص العمل، والنشاط الاقتصادي، وكفاءة استخدام المرافق، وتكلفة النقل، والعائد الاقتصادي والاجتماعي لكل مدينة.

وطالب كذلك بتقييم شامل لأداء المدن الجديدة الـ49، يتضمن حجم الاستثمارات، وعدد السكان المستهدفين والمقيمين فعليًا، ومعدلات الإشغال، والوحدات المنفذة والمشغولة، وفرص العمل، والخدمات، ومعدلات استخدام المرافق ووسائل النقل، ومقارنة هذه النتائج بالمستهدفات الأصلية عند إنشاء كل مدينة.

وأكد أن نتائج التجربة الممتدة لنحو خمسة عقود تستدعي إعادة النظر في فلسفة التخطيط العمراني، بحيث لا يكون معيار نجاح المدن الجديدة هو حجم المساحة التي تم تطويرها أو عدد الوحدات والمرافق التي جرى تنفيذها، وإنما قدرتها على تحقيق استقرار سكاني دائم، وخلق فرص عمل مستدامة، وتوفير خدمات متكاملة، واستقطاب النشاط الاقتصادي، وتحقيق عائد حقيقي من الاستثمارات العامة.

الجريدة الرسمية
عاجل