سعيد سالمان: الهندسة أصابتني بالاكتئاب والفن والمسرح أعادني للحياة
فرض الفنان سعيد سالمان حضورًا لافتًا لدى الجمهور من خلال مشاركته في عدد من الأعمال الدرامية البارزة، حيث سطعت موهبته التمثيلية على الشاشة الصغيرة، لا سيما عبر أدواره المتنوعة في مسلسلات "لام شمسية"، و"عين سحرية"، و"أهل الخطايا".
وعلى صعيد المسرح، يحظى سالمان بتقدير واسع داخل الوسط الفني بفضل تعدد مواهبه بين التمثيل والكتابة والإخراج، وتجلت هذه القدرات الشاملة بوضوح خلال مشاركته الاستثنائية بـ3 عروض ضمن فعاليات الدورة الـ 19 للمهرجان القومي للمسرح، فقد أثبت سالمان حضوره المتكامل في عرض "يا ناسينى"، الذي خاض فيه تجربة الإخراج وإعداد الدراماتورج، فضلًا عن قيامه بدور البطولة، كما أظهر مرونة تمثيلية في عرض "منظمة آل يونسكو" بتجسيده لعدد من الأدوار المختلفة، بينما تولى مهمة إعداد الدراماتورج لعرض "ميرامار" المأخوذ عن الرواية الشهيرة لأديب نوبل نجيب محفوظ، وحصد سالمان خلال هذه الدورة من المهرجان جائزة أفضل ممثل دور أول.. "فيتو" اجرت معه هذا الحوار.
كيف يختلف تتويجك هذا العام عن فوزك بجائزتين سابقتين من المهرجان القومي للمسرح، وما الذي جعل هذه الجائزة تحديدًا تحمل طابعًا خاصًا؟
الجائزة هذا العام مختلفة واستثنائية تمامًا، ففي المرتين السابقتين حصلت على جائزة أفضل ممثل صاعد، بينما تُوجت هذه المرة بجائزة أفضل ممثل دور أول، وهو ما يعكس تطورًا ملموسًا في مسيرتي ويثبت أنني تخطيت مرحلة كبيرة، وما يجعل لهذه الجائزة قيمة مميزة جدًا لدي، هو أنني حصلت عليها عن عرض "يا ناسينى" الذي توليت كتابته وإخراجه بنفسي، ليكون هذا التكريم برهانًا حقيقيًا على أن الرسالة التي أردت التعبير عنها وصلت بصدق إلى الجمهور، وهو ما لمسته من تفاعلهم وإشادتهم بالعرض، كما أن تقييم لجنة التحكيم بالمهرجان والجائزة كانا بمثابة تأكيد على استشعارهم لما قدمته، وشهادة تقدير صريحة.
شهدت الدورة الـ19 من المهرجان حضورًا استثنائيًا لك، حيث شاركت كممثل ومخرج ودراماتورج في "يا ناسينى"، وممثل في "منظمة آل يونسكو"، فضلًا عن إعداد "ميرامار".. كيف تصف شعورك تجاه هذه المشاركة التي لا تُنسى؟
الوصف الأصدق لهذه المرحلة من حياتي هو أنها كانت "مزدحمة للغاية"، فكل عرض من هذه الأعمال كان يُعرض ضمن مهرجان مختلف، حيث شارك عرضا "يا ناسينى" و"ميرامار" في مهرجان نقابة المهن التمثيلية، بينما عرض "منظمة آل يونسكو" في مهرجان المسرح العالمي، وعندما انطلق المهرجان القومي للمسرح، اختارت اللجنة جميع العروض المميزة، فوجدتُ نفسي أمام انطلاق جميع الأعمال في التوقيت نفسه، وتصادف ذلك مع انشغالي بتصوير أحد المسلسلات، بالتزامن مع التزامي بالسفر إلى الأردن للمشاركة في مسرحية “أم كلثوم.. دايبين في صوت الست”.
وعندما علمتُ بمشاركة العروض الثلاثة في المهرجان القومي للمسرح، أصابني شعور بالذعر في البداية، إذ لم أكن أعلم كيف سأتمكن من إحداث التوازن بين كل هذه الارتباطات، لكن المشاركة بثلاثة عروض في دورة واحدة شرف كبير، ما مكنني من التوفيق بين العروض الثلاثة هو وجودي وسط أشخاص داعمين.

جسدت شخصية المحامي "كمال" في مسرحية "يا ناسينى"، وهي شخصية مركبة للغاية تحمل أبعادًا وجوانب نفسية معقدة.. كيف خضت هذا التحدي الصعب حتى تخرج الشخصية بهذا الأداء وتصل بواطنها للجمهور؟
النصيب الأكبر في مساعدتي يعود إلى كوني كاتب هذا النص، كتبته منذ نحو ست سنوات، وأفهم كل كلمة فيه ومتشبع بها تمامًا، تجربة الشخصية لم تكن غريبة عني، فخلال فترة دراستي الجامعية عملت في مجال خدمة العملاء، وكنت أشعر حينها بشعور من الخوف الشديد من أن أقضي بقية حياتي في مهنة بعيدة عن شغفي وما أدرسه.
لهذا السبب كانت مشاعر العرض صادقة بالنسبة لي، فالمسرحية تتناول قصة امرأة تعيش حياة روتينية شديدة الرتابة، وتخشى أن تمضي عمرها في هذا القالب، متمنية الانطلاق في حياة تملؤها المغامرة والموسيقى والرقص، كل تلك المشاعر كنت جزءًا مني أثناء الكتابة، لذا لم يستغرق الدور وقتًا طويلًا في المذاكرة عند تجسيده، فأنا من كتبه وفهم خبايا الشخصية وأبعادها.
عرض "يا ناسينى" يحمل أبعادًا فلسفية، يرى البعض أن الرهان على تفكير وذائقة الجمهور العادي لاستيعاب عرض نفسي وذهني يعد مغامرة محفوفة بالمخاطر.. هل شعرت بالقلق من هذه التجربة؟
على الإطلاق، الحقيقة أننا في كثير من الأحيان نضع الجمهور في مكانة أقل مما يستحق، بينما الجمهور ذكي للغاية، وجمهور المسرح على وجه الخصوص يتميز بالذكاء والاطلاع والحماس، ويشعر بكل تفصيلة ويفكر في كل ما يقدم له، نحن نتحدث عن جمهور يخرج من بيته في أشد أوقات الحرارة، ليتحمل الزحام وينتظر ساعة في منطقة العتبة لمشاهدة مسرحية، ثم ينتقل بعدها إلى المعهد العالي للفنون المسرحية للحاق بعرض آخر، فهؤلاء أشخاص يعشقون المسرح بكل جوارحهم، لذا لم أكن قلقًا من قدراتهم على الاستيعاب، بل كان كل ما أتمناه فقط هو أن يرتقي العرض لمستواهم، ويكون لائقًا بذائقتهم ويحوز على إعجابهم.

لا يمكن إغفال الحديث عن دورك كدراماتورج في عرض "ميرامار" عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ، اخترت زاوية مختلفة لتقديم العمل.. حدثنا عن تفاصيل هذه التجربة؟
في الواقع، تسببت هذه الرواية سابقًا في نشوب خلاف مع إحدى لجان المشاهدة، ولم يُقبل العرض حينها بسبب اعتراض اللجنة على الزاوية التي تناولنا بها العمل، حيث رفضوا فكرة سرد الأحداث من وجهات نظر الشخصيات المختلفة، وكان ردي عليهم: "يا جماعة، نجيب محفوظ نفسه هو من كتب الرواية مستندًا إلى وجهات نظر الشخصيات المتعددة، فهل سنعدل نحن على الأديب الكبير؟"، الرواية في جوهرها تدور حول شخصية "زهرة"، التي ترمز إلى "مصر"، وما قمنا به هو استعراض كيف يرى كل عنصر أو فئة في المجتمع "مصر" من منظورها الخاص ووجهة نظرها المستقلة.
لماذا قررت ترك مجال الهندسة والاتجاه إلى التمثيل؟
ببساطة لأنني لست بمهندس، أنا ممثل في الأساس، لقد حاولت مرارًا العمل في مجال الهندسة، ورغم أنني كنت ماهرًا ومتميزًا فيها، إلا أنني لم أكن سعيدًا على الإطلاق، كانت حياتي ملؤها الاكتئاب، وكان يتملكني شعور دائم بأنني لا أحقق أي شيء ذي قيمة.
