من قصر على النيل إلى بيت للفن، كيف تغيّر دور قصر عائشة فهمي؟
بُني ليكون قصرًا خاصًا لعائلة على ضفة النيل، ثم صار مقرًا لوزارة الثقافة، ثم مخزنًا، وكاد أن يتحول إلى مقر لنائب رئيس الجمهورية، قبل أن يصبح أحد أهم مراكز الفنون في مصر، هذه ليست حكاية مبنى تغيّر استخدامه فقط، بل حكاية بلد تغيّرت معه وظيفة المكان.
هناك مبانٍ يختصر تاريخها في تاريخ أصحابها. وهناك مبانٍ يصبح تاريخها أكبر من أصحابها. قصر عائشة فهمي ينتمي إلى النوع الثاني.
منذ أن بدأ تشييده في الزمالك عام 1907، لم يكن أحد يتخيل أن المبنى الذي أنشئ لعائلة خاصة سيعيش كل هذه التحولات، وأن الغرف التي صممت لحياة عائلية ستتحول يومًا إلى مساحات تستقبل الفنانين والجمهور والأعمال الفنية.
القصر اليوم معروف باسم مجمع الفنون، لكن هذا الاسم ليس سوى فصل من فصول طويلة.



الفصل الأول: قصر خاص
بدأ القصر كبيت لعائلة علي باشا فهمي، كبير ياوران الملك فؤاد الأول.
اختير له موقع مميز في الزمالك على النيل، وصممه المهندس الإيطالي أنطونيو لاشاك، وفق ما تذكره وزارة الثقافة.
كان المبنى يحمل كل ملامح القصور الخاصة في تلك الفترة: مساحات واسعة، تفاصيل زخرفية، غرف ذات طابع مختلف، وأعمال فنية وديكورات تعكس ذوق الطبقة الثرية في مصر آنذاك. لكن ملكية المكان لم تبقَ ثابتة طويلًا.
عام 1958، انتقلت ملكية القصر إلى وزارة الثقافة.
وهنا تغير السؤال الأساسي: لم يعد السؤال «من يعيش هنا؟».
أصبح: «ماذا ستفعل الدولة بهذا المكان؟»
الفصل الثاني: حين دخلت الدولة القصر
كان أول استخدام رسمي كبير للقصر بعد انتقاله إلى وزارة الثقافة أن أصبح مقرًا للوزارة في عهد الدكتور ثروت عكاشة، أول وزير للثقافة في مصر.
وهذه النقلة تحمل معنى أكبر من مجرد تغيير إداري فثروت عكاشة كان أحد أبرز الأسماء المرتبطة بمشروع الدولة الثقافي في مصر خلال الستينيات. وهكذا، دخل القصر مرحلة جديدة؛ من بيت خاص إلى مساحة مرتبطة بالمشروع الثقافي للدولة. لكن القصة لم تسر في خط مستقيم.
في عام 1971 تحول القصر إلى مخزن لوزارة الإعلام، وفق بيانات قطاع الفنون التشكيلية. وتشير البيانات نفسها إلى أنه طُرح في عهد الرئيس أنور السادات اقتراح لتحويله إلى مقر لنائب رئيس الجمهورية آنذاك محمد حسني مبارك.
كان يمكن للقصر أن ينتهي إلى وظيفة حكومية أخرى لكن حدث شيء مختلف.




الفصل الثالث: الفن ينقذ القصر
في عام 1975، حصل الفنان عبد الحميد حمدي على موافقة وزير الثقافة يوسف السباعي لضم القصر إلى هيئة الفنون والآداب ثم أطلق عليه اسم «مجمع الفنون».
وبدأ منذ عام 1976 في أداء دوره الجديد. هنا تحديدًا تغيرت هوية المكان. لم يعد القصر مجرد مبنى تستخدمه جهة حكومية. أصبح مؤسسة ثقافية.
ووفق قطاع الفنون التشكيلية، شهد مجمع الفنون منذ ذلك الوقت مئات المعارض والندوات والحفلات الموسيقية والعروض السينمائية، واستضاف أعمال فنانين عالميين مثل سلفادور دالي وهنري مور وبابلو بيكاسو ودي كيريكو وديفيد هوكني.
تخيل المفارقة:
غرف صُممت في بداية القرن العشرين لتكون جزءًا من حياة عائلة واحدة، أصبحت بعد عقود تستقبل فنًا من العالم كله.




القصر كجزء من تاريخ الفن المصري
لم يكن دوره مقتصرًا على استضافة المعارض.
فقد انتقل المعرض القومي للفنون التشكيلية إلى مجمع الفنون خلال الفترة من 1976 حتى 1988، كما استضاف القصر فعاليات مرتبطة ببينالي القاهرة الدولي وبينالي الخزف الدولي وترينالي الحفر الدولي وصالون الشباب.
وبمرور الوقت، أصبح اسم القصر مرتبطًا بأجيال من الفنانين والحركة التشكيلية المصرية.
وهنا يصبح القصر نفسه جزءًا من تاريخ الفن، وليس مجرد مكان تُقام فيه المعارض.
فالمكان الذي يستقبل تجربة فنية بعد أخرى يتحول مع الوقت إلى ذاكرة لهذه التجارب.
الجدران لا تعرض الأعمال فقط؛ بل تصبح شاهدة على تغير الذوق الفني، وعلى ظهور أجيال جديدة، وعلى النقاشات التي صاحبت الحركة التشكيلية المصرية.
ثم أغلق القصر
في عام 2005 توقف نشاط مجمع الفنون، وبدأت أعمال ترميم وتطوير طويلة.
لم يكن الأمر مجرد إعادة دهان أو إصلاحات سطحية.
كانت هناك رغبة في إعادة تقديم المبنى باعتباره أثرًا معماريًا ومركزًا فنيًا في الوقت نفسه.
وتولت أعمال الترميم جهات تابعة لوزارة الثقافة، بينما بلغت تكلفة الترميم نحو 26 مليون جنيه، وفق صندوق التنمية الثقافية.
وخلال التطوير، جرى تحويل البدروم إلى قاعة عرض للفنون التشكيلية بمساحة تقارب ألف متر مربع، مع الحفاظ على الكثير من التفاصيل الداخلية للقصر.



17 مايو 2017
بعد أكثر من عقد على بدء مرحلة الترميم، عاد القصر إلى الحياة.
في 17 مايو 2017 افتتح مجمع الفنون من جديد، ليعود إلى دوره الثقافي بعد سنوات طويلة من التوقف.
لم تكن العودة مجرد افتتاح مبنى. كانت عودة لذاكرة فنية.
المعرض المصاحب للافتتاح حمل اسم «كنوز متاحفنا الفنية»، وضم مختارات من أعمال فنية مرتبطة بعدد من المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية.
كأن القصر، بعد سنوات من الصمت، فتح أبوابه مرة أخرى على الفن.
مبنى واحد.. وظائف كثيرة
لو رسمنا تاريخ القصر على خط زمني، سنجد شيئًا لافتًا:
1907: قصر خاص.
1958: ملكية وزارة الثقافة.
1971: مخزن لوزارة الإعلام.
1975: ضمه إلى هيئة الفنون والآداب.
1976: بداية دوره كمجمع للفنون.
2005: توقف النشاط وبدء الترميم.
2017: إعادة الافتتاح.
كل تاريخ من هذه التواريخ لا يمثل مجرد تغيير في الوظيفة.
إنه يعكس تحولًا في المجتمع نفسه.
من مصر الأرستقراطية إلى دولة المؤسسات، ومن مشروع الدولة الثقافي إلى صعود المؤسسات الفنية، ثم إلى محاولة الحفاظ على المباني التاريخية وإعادة استخدامها.
القصر الذي رفض أن تكون له حياة واحدة
لهذا ربما تكون أفضل طريقة لفهم قصر عائشة فهمي هي ألا ننظر إليه باعتباره «قصرًا قديمًا».
إنه مبنى أعيد تعريفه أكثر من مرة. في البداية كان مكانًا للسكن. ثم أصبح مكانًا للإدارة. ثم كاد أن يصبح مقرًا سياسيًا. ثم أصبح مخزنًا. ثم تحول إلى مركز للفن. والآن يقف بوصفه واحدًا من المعالم الثقافية في الزمالك. القصر لم يحتفظ بوظيفته الأصلية، لكنه احتفظ بشيء أهم:
قدرته على استقبال زمن جديد.
وهذا هو سر بقائه. فالمباني التي تتجمد في وظيفة واحدة قد تتحول إلى أطلال.
أما قصر عائشة فهمي، فقد عاش لأنه استطاع في كل مرحلة أن يجد لنفسه دورًا جديدًا.
من بيت عائلة إلى بيت الدولة، ومن بيت الدولة إلى بيت الفن.
ثلاث حيوات لمبنى واحد.. والنيل ما زال يشاهدها من النافذة نفسها.
