قصر عائشة فهمي.. شيده علي باشا فهمي.. يوسف السباعي وافق على ضمه لوزارة الثقافة.. وهذا سر علاقته بـ يوسف وهبي
في الزمالك، يقف قصر عائشة فهمي كأنه لم ينسَ شيئًا.. بيتٌ بدأ حكاية عائلة نافذة، وعاش داخله أصحابه سنوات من الثراء والرفاهية، ثم حملت جدرانه قصصًا عن الحب والزواج والموت، قبل أن تخرج العائلة من المشهد ويبدأ للقصر عمر آخر.
على ضفة النيل في الزمالك، لا يبدو قصر عائشة فهمي من الخارج مختلفًا فقط لأنه مبنى قديم جميل وإنما لأنه واحد من تلك الأماكن التي تمنحك إحساسًا بأن الجدران تعرف أكثر مما تقوله.
وراء النوافذ والأبواب، عاش أفراد عائلة تنتمي إلى طبقة اجتماعية شديدة النفوذ في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين.
كان القصر جزءًا من عالم مختلف؛ عالم كانت فيه العمارة نفسها وسيلة لإعلان المكانة، وكانت تفاصيل البيت تكشف عن ذوق أصحابه ومستوى رفاهيتهم.
بدأ تشييد القصر عام 1907 على يد علي باشا فهمي، كبير ياوران الملك فؤاد الأول، ليكون قصرًا لعائلته وابنته عائشة فهمي. وتذكر وزارة الثقافة أن تصميمه وضعه المهندس الإيطالي أنطونيو لاشاك.
لكن اسم القصر الذي نعرفه اليوم ارتبط أكثر بعائشة.

بيت عائشة
لم تكن عائشة مجرد اسم أُطلق على القصر بعد انتقاله إليها؛ فقد أصبحت هي الشخصية التي ارتبط بها المكان لسنوات طويلة.
بعد وفاة شقيقها علي فهمي، اشترت عائشة نصيب الأسرة في القصر، واستقرت فيه حتى عام 1958، وهو العام الذي انتقلت فيه ملكيته إلى وزارة الثقافة.
وهنا تصبح زيارة القصر اليوم أشبه بمحاولة قراءة حياة امرأة من خلال بيتها.

فالغرف ليست مساحات متشابهة، وإنما لكل منها طابعها وتفاصيلها. وتضم الطوابق غرفًا ذات زخارف أوروبية، كما توجد غرفة يابانية صممت لعائشة وتحمل على جدرانها عناصر وزخارف ذات طابع ياباني، إلى جانب غرفة الملابس وغرفة الحمامات التي تكشف تجهيزاتها عن مستوى الرفاهية الذي كانت تعيش فيه.
حتى التفاصيل التي قد تمر أمام الزائر في ثوانٍ كانت في وقتها جزءًا من أسلوب حياة كامل.
السخان الذي يعمل بالغاز، تصميم الحمام، غرفة الملابس، الزخارف، الأقمشة، المرايا والأبواب؛ كلها لم تكن مجرد ديكور، وإنما علامات على عالم اجتماعي كان يرى في البيت انعكاسًا لمكانة صاحبه.

قصة أخرى خرجت من العائلة
لكن العائلة لم تعرف الهدوء دائمًا.
ارتبط اسم شقيق عائشة، علي فهمي، بقضية شهيرة وقعت في لندن عام 1921، بعد مقتله هناك، في واقعة أصبحت من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الأسرة.
وتذكر مواد رسمية أن علي فهمي أقام لفترة وجيزة في القصر مع زوجته الفرنسية قبل مقتله.
تحولت القضية إلى محاكمة شهيرة في لندن، وأصبحت حياة الأسرة مادة للصحافة والحكايات.
لكن القصر نفسه ظل صامتًا.
وهنا تحديدًا تكمن جاذبية المكان؛ فبينما حفظت الصحف تفاصيل القضية، حفظت الجدران شيئًا آخر: الحياة اليومية التي كانت تجري بعيدًا عن عناوين الأخبار.

ثم دخل يوسف وهبي الحكاية
ارتبط اسم عائشة فهمي كذلك بالفنان الكبير يوسف وهبي، الذي تزوجها.
وهنا يلتقي عالمان مختلفان داخل القصر: عالم الأرستقراطية والثراء من ناحية، وعالم المسرح والفن الذي كان يوسف وهبي أحد أبرز وجوهه من ناحية أخرى.
لم يكن هذا الزواج مجرد واقعة في السيرة الشخصية لعائشة؛ بل أضاف إلى القصر طبقة جديدة من الحكايات، جعلت المكان يرتبط في الذاكرة المصرية ليس فقط بعائلة ثرية، وإنما أيضًا بأحد أبرز نجوم المسرح والسينما في مصر. وبعد سنوات، انتهت حياة القصر كبيت خاص. في عام 1958 اشترت وزارة الثقافة القصر، لتبدأ مرحلة جديدة تمامًا في تاريخه.
وهنا ينتهي تقريبًا زمن أصحاب البيت، ويبدأ زمن الدولة.

البيت الذي لم يعد بيتًا
منذ هذه اللحظة، لم يعد القصر ملكًا لعائلة تجلس في غرفه وتطل من نوافذه على النيل.
أصبح مبنى عامًا. استُخدم في البداية مقرًا لوزارة الثقافة في عهد الدكتور ثروت عكاشة، أول وزير للثقافة في مصر، ثم تحول عام 1971 إلى مخزن لوزارة الإعلام. بل تشير بيانات قطاع الفنون التشكيلية إلى وجود اقتراح في عهد الرئيس أنور السادات لتحويله إلى مقر لنائب رئيس الجمهورية آنذاك محمد حسني مبارك.
تغيرت وظيفة المكان أكثر من مرة، لكن المبنى ظل واقفًا. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريفه.

في عام 1975، حصل الفنان عبد الحميد حمدي على موافقة وزير الثقافة يوسف السباعي لضم القصر إلى هيئة الفنون والآداب، وأطلق عليه اسم «مجمع الفنون». ومنذ 1976 بدأ القصر مرحلة جديدة باعتباره واحدًا من أبرز مراكز الفنون في مصر.
وبذلك، لم تعد الغرف مخصصة لحياة عائلة واحدة.
دخل إليها الفنانون. ودخل الجمهور. ودخلت المعارض والندوات والحفلات والعروض السينمائية. القصر الذي كان يومًا عنوانًا للخصوصية أصبح مكانًا مفتوحًا للذاكرة الثقافية العامة.

ماذا بقي من عائشة؟
ربما هذا هو السؤال الأجمل الذي تتركه الزيارة.
عندما يقف الزائر داخل القصر اليوم، هل يرى مجمع الفنون فقط؟
أم يستطيع أن يتخيل البيت القديم؟
الغرفة اليابانية، غرفة الملابس، التفاصيل الزخرفية، النوافذ، الممرات، السلم، الإطلالات على النيل؛ كل هذه الأشياء تجعل الماضي حاضرًا، حتى وإن تغيرت وظيفة المكان.
عائشة رحلت، والأسرة رحلت، وتغيرت الدولة، وتغير الفن نفسه.
لكن القصر بقي. ولهذا فإن قصر عائشة فهمي ليس مجرد مبنى تاريخي.

إنه أرشيف صامت لحياة كاملة.
كل غرفة فيه تحكي عن زمن.
وكل باب يفصل بين مرحلة وأخرى.
وكل نافذة تطل على النيل، كأنها شاهدة على أكثر من قرن مر من أمامها.
ربما لهذا السبب لا تبدو زيارة القصر كأنها زيارة لمكان قديم، بقدر ما تبدو محاولة للدخول إلى حياة لم تعد موجودة.
حياة بدأت في بيت خاص، ثم خرجت منه إلى التاريخ.
وبقي البيت وحده يحفظ آثار أصحابِه.

