رئيس التحرير
عصام كامل

نيفين علوبة: "فابريكا" عائلة قبل أن تكون فرقة.. والجمهور متعطش للمسرح الغنائي

عرض أوليفر بالعربي،
عرض أوليفر بالعربي، فيتو
18 حجم الخط

يعد المسرح الغنائي أحد أندر أشكال العروض الفنية المقدمة في مصر، ويرجع هذا الشح بالأساس إلى ارتفاع التكلفة الإنتاجية وحجم الجهد الشاق الذي تتطلبه البروفات وتقديم العروض الحية، وهو ما يدفع العديد من الفرق المسرحية إلى الابتعاد عنه واللجوء للأنماط التقليدية، فيتميز هذا الفن بكونه تجربة أدائية تمزج بين التمثيل والحوار والغناء والموسيقى، إضافة إلى الرقص الاستعراضي في بعض الأحيان، لإيصال مضامين درامية وعاطفية إلى الجمهور.

وحصد العرض الغنائى الاستعراضى “أوليفر بالعربى” لفرقة "فابريكا" للمسرح الموسيقي جائزة لجنة التحكيم الخاصة كأفضل عمل جماعى، كما توجت الممثلة الشابة صوفيا هلال بجائزة أفضل ممثلة صاعدة عن المسرحية التى قدمت على خشبة مسرح ميامي، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، حيث نجح العرض في أسر قلوب الحاضرين من خلال إعادة إحياء رائعة الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز "أوليفر تويست"، القائمة على ألحان وموسيقى الموسيقار ليونيل بارت.

​وحول كواليس العمل وواقع المسرح الغنائي في مصر، التقت "فيتو" بالسوبرانو الدكتورة نيفين علوبة، مدربة الموسيقى بالعرض ومؤسسة فرقة "فابريكا"، والمخرجة سمر جلال.

"فابريكا" عائلة قبل أن تكون فرقة والانضباط سر التعامل مع الأعداد الكبيرة

الدكتورة نيفين علوبة
الدكتورة نيفين علوبة

وأوضحت الدكتورة نيفين علوبة أن اختيار عرض "أوليفر" جاء بعد تقييم العناصر المتاحة في الفرقة، حيث تمتلك "فابريكا" مجموعة كبيرة من الأطفال الذين تدربوا لفترة كبيرة على الغناء والرقص والتمثيل، وتمنح قصة "أوليفر" هذه المجموعة فرصة الظهور على المسرح واكتساب الخبرة العملية، لا سيما مع توافر حقوق العرض لديها.

وعن وجود طاقم ممثلين مزدوج "دابل كاست" واختيار المشاركين بالمهرجان، أشارت علوبة إلى أن الاستعانة بكاست مزدوج يعد عرفا ثابتا في المسرح الغنائي والأوبرا لحماية العروض الحية عند تعرض أحد المغنين للإجهاد أو المرض، وأضافت أن اختيار الكاست الذي شارك في المهرجان القومي تم عبر اختبارات أدائية أتيحت لكافة أعضاء الفريق الراغبين في تقديم الدور.

وحول تحديات تطويع الكلمات المصرية مع الألحان الموسيقية، كشفت علوبة عن خبرتها الممتدة لأكثر من أربعين عامًا في هذا المجال، حيث تستعين بمتخصص في الترجمة لديه خلفية بالإيقاع الموسيقي، لتجري بعدها مراجعة دقيقة ودؤوبة لكل أغنية سطرا بسطر، وأكدت أن ضبط النبرات اللفظية مع الإيقاع يضمن عدم تغيير الموسيقى من جهة، ووضوح الكلمات وفهم الجمهور لها من جهة أخرى.

وفيما يتعلق بالتعامل مع الأعداد الكبيرة من الأطفال المشاركين، نفت علوبة مواجهة أي صعوبات، نظرًا لكون جميع المشاركين قد تخرجوا من تدريبات الفرقة الممتدة لسنوات، واعتادوا الانضباط وقواعد المسرح، مؤكدة أن "فابريكا" تتجاوز مفهوم الفرقة لتكون عائلة تحتضن الأطفال حتى كبرهم وممارستهم الفن كمحترفين أو هواة.

المسرح الحي يمنح الجمهور طاقة لا توفرها السينما أو التلفزيون

وفي ردها على أسباب شح العروض الغنائية في مصر، بينت علوبة أن هذا الفن يتطلب سنوات طويلة من التدريب البدني والصوتي المستمر للقدرة على تقديم عروض حية متتالية بدون تسجيلات، وهو ما تفتقره المناهج المتاحة محليا، وشددت على أهمية التفات الدولة لهذا الفن، معتبرة أن الغناء الأوبرالي يختلف تماما عن غناء المسرح الموسيقي، وأن كليهما يحتاج لإعداد متخصص غير متوفر بالشكل الكافي.

وأكدت على التفاعل الحار من الجمهور مع العمل، مشيرة إلى أن الجمهور يلمس سريعًا حجم الحب والإخلاص والإتقان المبذول في العرض، وأوضحت أن المسرح الحي يمنح المشاهد طاقة إيجابية واندماجًا لا يمكن للسينما أو التلفزيون تحقيقها، لما يتمتع به المسرح من رونق خاص وإحساس مباشر.

الأغنية ليست فاصلًا بل هي أصل الدراما

وأوضحت المخرجة سمر جلال فلسفة توظيف الأغاني في العروض الموسيقية، مشيرة إلى أن الجمال الحقيقي لهذا الفن يكمن في كون الأغنية جزءا أصيلا يكمل الحكاية والدراما وليست مجرد فواصل استراحية داخل النص، مضيفة أن حذف أي أغنية يؤدي إلى خلل درامي مباشر؛ لأنها الوسيلة التي تعبر بها الشخصية عن مشاعرها في الموقف المعين، حيث يتم التعامل مع الشخصيات على أساس أن الغناء بالنسبة لها امتداد طبيعي للتعبير عن النفس دون أن تدرك أنها تغني، لتتحول الحياة على المسرح إلى موسيقى.

المخرجة سمر جلال، فيتو
المخرجة سمر جلال، فيتو

وحول تحديات التعامل مع ألحان ليونيل بارت الشهيرة، أكدت جلال أن المحاولة تركزت على جعل المتلقي يتقبل الشكل الجديد للميوزيكال المحبوب دون استنساخ النسخة الأصلية أو منافستها، وفي الوقت نفسه دون قصر التمصير على مجرد تغيير الكلمات، وأوضحت أن الهدف كان تقديم حالة فنية مختلفة تجعل الاختلاف جسرًا للتواصل مع الجمهور المصري لا حاجزًا بينه وبين العمل.

وعن التجهيزات اللوجستية وتصميم الحركة على مسرح ميامي، بينت المخرجة أن الفريق قام بزيارة ميدانية للمسرح قبل العرض لاستكشاف الكواليس وأبعاد الخشبة والتجهيزات، حيث كان المسرح مجهزا واستقبل الفريق بحفاوة، وتمثل التحدي الأكبر في إدارة كادر ضخم يضم 35 ممثلا ومغنيا، إلى جانب التعامل مع قطع ديكور كبيرة وتغييرها السريع دون الإخلال بإيقاع العرض، وتم التعامل مع هذا التحدي في اليوم التقني عبر بروفات مكثفة ركزت على حركة الانتقالات وتحديد أسبقية خروج الديكور أو الممثلين والأفراد المشاركين في التغيير، مما أسهم في خروج العمل بصورة سلسة ومشرفة دون إشعار الجمهور بالجهد اللوجستي المبذول خلف الكواليس.

وفيما يتعلق بالتعديلات المباشرة قبل المشاركة في المهرجان القومي للمسرح، كشفت جلال أن النسخة الأصلية للعمل تبلغ مدتها ساعتين مقسمتين على فصلين بينهما استراحة، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة المهرجان وزمن التقييم، وبناءً عليه، تم التركيز على الإيقاع والانتقالات المشدودة للتنقل بين الفصلين دون استراحة ودون الإخلال بالتوازن الدرامي، حيث أجريت بروفات خاصة لتنفيذ أكبر عملية تغيير ديكور بين الفصلين في أقل من دقيقة واحدة.

"نسخة متمصرة تحترم الأصل".. كيف أطلقت "فابريكا" روحًا جديدة لروائع تشارلز ديكنز؟

وتطرقت المخرجة إلى عملية تمصير النص، موضحة أنها كانت رحلة طويلة وممتعة، نجح خلالها سراج محمود وبسنت أيمن في نقل روح العمل بالكامل إلى بيئة وزمن ومجتمع مختلف، واستخدام مصطلحات وطبقات اجتماعية تناسب الواقع المصري بدلًا من مجرد الترجمة الحرفية، وشكل تركيب الكلمات المصرية على الإيقاع الغربي تحديا إضافيا أضفى جمالية خاصة على التجربة من خلال المزج المتجانس بين اللسان المصري والموسيقى الغربية، مما أثمر عن نسخة تتمتع بنكهة مصرية تحترم النص الأصلي وتحافظ على روحه.

وحول قرار إسناد دور البطولة لـ "بنت"، أوضحت جلال أن طاقم العرض يتكون من طلاب ومدرسي أكاديمية نيفين علوبة للفنون وأعضاء فرقة فابريكا، وأن الاختيارات تحكمها المواهب المتاحة، وأشارت إلى أن إقبال الذكور على المسرح الموسيقي يظل أقل مقارنة بالإناث، ربما لنظرة بعض الأهالي واهتمامهم بتعليم الموسيقى للبنات بدرجة أكبر، داعية إلى إعادة التفكير في ذلك لأهمية الموسيقى والتعبير عن الذات لكلا الجنسين، وأكدت أن إسناد الدور للممثلة "لمار محمد" جاء لكونها الخيار الأنسب، لما تمتلكه من موهبة كبيرة في الغناء والتمثيل وقدرة عالية على تجسيد روح ومعاناة طفل صغير بشكل منصف ومقنع.

ونفت المخرجة خوفها من الوقوع في فخ التكرار، مؤكدة أن نسخة "فابريكا" مميزة وتنقل المتفرج إلى عالم مختلف، حيث تتميز بروح مصرية خالصة تتجلى في اللغة، الشخصيات، السينوغرافيا، والحركة، مع الالتزام بأحداث القصة وتتابع الأغاني الأصلي، واعتبرت أن رؤية العمل بعين مصرية تعد مصدر القوة الرئيسي للنسخة التي حققت نجاح واختلاف ملموسين.

الجمهور المصري متعطش للمسرح الموسيقي.. والغناء الحي يمنحنا الطاقة

واختتمت سمر جلال بالحديث عن تلقي الجمهور المصري للمسرح الغنائي، مشيرة إلى أن الجمهور ليس غريبا عن هذا الفن في ظل تاريخه الممتد المليء بالغناء والاستعراضات والفولكلور ورصيد السينما والمسرح الذهبي، وأوضحت أن ما يفتقده المشهد حاليًا هو تقديم الميوزيكال القائم على الغناء الحي كجزء درامي أصيل، وهو ما تسعى "فابريكا" لتقديمه باحترافية عالية تجمع بين التمثيل والرقص والغناء الحي الذي يمنح المسرح طاقة وحضورًا فريدين، مؤكدة تعطش الجمهور المصري لهذا النوع من الفنون وشغفه به متى أتيحت له فرصة المشاهدة.

الجريدة الرسمية