رئيس التحرير
عصام كامل

بعد رعب زلزال الفجر، كيف تستعد للوقوف بين يدي الله في أي وقت؟

 كيف تستعد للوقوف
كيف تستعد للوقوف بين يدي الله في أي وقت، فيتو
18 حجم الخط

زلزال الفجر، شهدت محافظات مصر في الساعات الأولى من صباح اليوم الإثنين حدوث زلزال بقوة 5.2 درجة على مقياس ريختر، وسط حالة من الخوف والرعب من تداعياته.

ومع حالة الخوف التي تسبب فيها الزلزال يتذكر الناس رب العالمين، خاصة الوقوف بين يديه ليحاسب الناس على كل ما فعلوه في الدنيا.

وفي هذا السياق، كشفت وزارة الأوقاف المصرية أهمية محاسبة النفس في حياة المسلم، مشيرة إلى أنها نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

أهمية محاسبة النفس في حياة المسلم


وقالت وزارة الأوقاف إن محاسبة النفس مهمة؛ لأنها نوعٌ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالإنسان يبدأ بنفسه أولًا، وينظر فيما صدر عنها من خير أو شر.

زلزال
زلزال

وقد خلقنا الله سبحانه وتعالى، وكلَّفنا، وراقبنا، وسجَّل علينا كل شيء، قال تعالى: ﴿‌وَوُضِعَ ‌ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُشۡفِقِینَ مِمَّا فِیهِ وَیَقُولُونَ یَٰوَیۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا یُغَادِرُ صَغِیرَةࣰ وَلَا كَبِیرَةً إِلَّاۤ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرࣰاۗ وَلَا یَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدࣰا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال سبحانه: ﴿‌أَحۡصَىٰهُ ‌ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾ [المجادلة: ٦].

إذن، فهذه الآيات تؤكد أن هناك حسابًا، وأنه ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه قبل ذلك الحساب؛ حتى يجده يسيرًا سهلًا، له لا عليه.


كيف يصل الإنسان إلى المحاسبة؟


وأكدت الأوقاف أن الإنسان يصل إلى المحاسبة عن طريق المراقبة؛ أي أن يشعر دائمًا بأن الله يراه، وأنه مطلع عليه.

وقد بيَّن سيدنا رسول الله ﷺ معنى الإحسان فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)].

وقال الله تعالى: ﴿‌أَلَمۡ ‌یَعۡلَم ‌بِأَنَّ ٱللَّهَ یَرَىٰ﴾ [العلق: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿‌إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌كَانَ ‌عَلَیۡكُمۡ ‌رَقِیبࣰا﴾ [النساء: ١].

فإذا استقر في قلب الإنسان أن الله يراه، راقب أعماله، واستحيا من ربه، واستعان بهذه المراقبة على ترك المعصية.

وقد سأل رجلٌ الإمام الجنيد: بمَا أستعين على غض البصر؟ فقال: بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه.

أي إن الله سبحانه وتعالى يراك قبل أن تمدَّ بصرك إلى ما حرَّم عليك.

وما من إنسان منع نفسه من النظر إلى الحرام إلا أحدث الله له بذلك المنع لذةً في قلبه، وسكينةً في نفسه.

وكان أهل الله يقولون: إننا نجد لذةً لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف.

ومن الوسائل التي تعين على ترسيخ المراقبة في النفس التكرار؛ فقد كان سهل التستري رحمه الله يتعلم أن يقول: الله معي، الله شاهدي، الله مطلع عليَّ.

وكان يكررها قبل النوم حتى يترسخ المعنى في قلبه؛ فالتكرار يصنع في النفس مَلَكةً، ويجعل المحاسبة جزءًا من شخصية المسلم ونفسيته وعقليته.

وكان سيدنا رسول الله ﷺ يعيد الكلام ثلاث مرات حتى يُفهم عنه، وحتى يترسخ المعنى في نفوس السامعين.


ما حقيقة المحاسبة؟


وأشارت إلى أن أصل المحاسبة في قول الله تعالى: ﴿‌یَٰۤأَیُّهَا ‌ٱلَّذِینَ ‌ءَامَنُوا۟ ‌ٱتَّقُوا۟ ‌ٱللَّهَ ‌وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسࣱ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدࣲۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، أي: لينظر كل إنسان ماذا قدَّم ليوم القيامة.

وقد سأل النبي ﷺ من سأله عن الساعة: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» [أخرجه البخاري (٧١٥٣)، ومسلم (٢٦٣٩)].

فالأمر لا يكون بالتمني، وإنما بالعمل والاستعداد.

وكان أهل الله يقولون: مِلاك الأمر كله أن تُجهِّز حجتك عند الله.


مفاتيح محاسبة النفس


وأكدت أن للمحاسبة ثلاثة مفاتيح:

أولها: العلم والفقه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحاسب نفسه حتى يعرف الحلال والحرام، والصواب والخطأ.

وثانيها: سوء الظن بالنفس، فلا يزكي الإنسان نفسه، ولا يأمن مكرها، ولا يتكبر عن رؤية عيوبه.

وثالثها: تمييز النعمة من النقمة والفتنة؛ حتى يكون الإنسان واعيًا في حساب نفسه.

زلزال
زلزال

كيف يعتاد الإنسان المحاسبة؟

يعتادها بمحاسبة أعضائه السبعة:

العين: إلى ماذا نظرت؟
الأذن: إلى ماذا استمعت؟
اللسان: ماذا نطق؟
البطن: ماذا دخل إليه؟
الفرج: هل حُفظ عن الحرام؟
اليد: فيمَ استُعملت؟
الرجل: إلى أين مشت؟
فالعين مأمورة بغض البصر، والأذن مأمورة بألَّا تسمع الكذب والغيبة والنميمة، واللسان مأمور بالصدق والذكر وترك الأذى، والبطن مأمور بأكل الحلال، واليد والرجل مأمورتان بأن تُستعملا في طاعة الله لا في معصيته.

وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا".

وكان مالك بن دينار رحمه الله يقول: "رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم ألزمها كتاب الله، فكان لها قائدًا".

فالمحاسبة ليست يأسًا ولا تعذيبًا للنفس، وإنما هي طريق إلى إصلاحها، وحفظها، وتزكيتها، والاستعداد للقاء الله.

 

واختتمت بالتأكيد على أن محاسبة النفس ليست لونًا من التشديد أو اليأس، وإنما هي منهج إيماني يوقظ القلب، ويعين العبد على إصلاح عيوبه، واستدراك تقصيره، والاستعداد للقاء ربه؛ فمن راقب نفسه في الدنيا، خفَّ حسابه في الآخرة، وكان أقرب إلى التوبة والتزكية والنجاة.

الجريدة الرسمية