رئيس التحرير
عصام كامل

وداعًا ترام الرمل.. الحفارات تقتلع 100 عام من ذاكرة الإسكندرية

وداع ترام الرمل بالإسكندرية
وداع ترام الرمل بالإسكندرية
18 حجم الخط

لم يعد صوت جرس ترام الرمل هو الأعلى في محطة حسن راسم شرق الإسكندرية. حلّ محله هدير الحفارات وصوت المطرقة الهيدروليكية وهي تهوي على الخرسانة، بينما يتصاعد غبار كثيف يخفي قضبانًا حملت يومًا آلاف الحكايات.

 يقف المارة على الرصيف في صمت، بعضهم يلتقط صورًا بهاتفه، وآخرون يطيلون النظر إلى القضبان وهي تُرفع قطعةً بعد أخرى، كأنهم يودعون جزءًا من أعمارهم لا مجرد وسيلة مواصلات.

في المكان نفسه، تتناثر الفلنكات الخشبية القديمة، وتتحرك الشاحنات محمّلة بقضبان حديدية ظلت لعقود ترسم خطًا ثابتًا في ذاكرة المدينة. 

وبينما يواصل العمال أعمالهم، يكتفي كثير من أبناء الإسكندرية بالمشاهدة، وكأنهم يشهدون نهاية فصل طويل من حياتهم.

 

 

مشروع للمستقبل ووداع للماضي

تأتي أعمال إزالة قضبان ترام الرمل ضمن مشروع إنشاء مترو الإسكندرية، الذي يستهدف تطوير منظومة النقل الجماعي، وزيادة الطاقة الاستيعابية، وتقليل زمن الرحلات على واحد من أكثر المحاور ازدحامًا في المدينة.

وبالنسبة للمخططين، يمثل المشروع خطوة ضرورية لمواكبة النمو السكاني وتخفيف الاختناقات المرورية. لكن، في المقابل، يرى كثير من السكندريين أن المشهد لا يتعلق فقط باستبدال وسيلة نقل بأخرى أكثر حداثة، بل بوداع جزء من هوية المدينة التي ارتبطت بالترام لأكثر من قرن.

ففي الإسكندرية، لم تكن القضبان مجرد خطوط من الحديد، بل خيوطًا نسجت ذاكرة أجيال كاملة.

حسن راسم.. محطة صنعت ذاكرة الطلاب

ربما لا توجد محطة تختصر هذه الحكاية مثل محطة حسن راسم، المجاورة لكليات طب الأسنان والصيدلة، وعلى مقربة من مجمع الكليات النظرية بجامعة الإسكندرية.

هنا، لم يكن الطلاب ينتظرون الترام فقط، بل كانوا ينتظرون بداية يوم جامعي جديد. على الرصيف، بدأت صداقات، وانتهت خلافات، وتبادل طلاب مذكرات المحاضرات، بينما كان آخرون يقفون في انتظار زميل أو زميلة قبل أن ينطلق الترام بهم نحو محطاتهم.

كان الترام جزءًا من الحياة الجامعية؛ يعرف مواعيد المحاضرات كما يعرف مواسم الامتحانات. وفي ساعات الذروة، كانت عرباته تمتلئ بالحقائب والكتب والضحكات، حتى بدت عربة السيدات أحيانًا كأنها فصل دراسي متنقل، تتداخل فيه المراجعات مع المزاح والقصص اليومية.

واليوم، تبدو المحطة مختلفة. اختفت القضبان، وغابت العربات، وبقي المكان محتفظًا بصدى الأصوات أكثر من الأصوات نفسها.

 

حين كان الترام مساحة للونس

لكن ما ميّز ترام الرمل لم يكن فقط عمره الطويل أو مساره الممتد عبر المدينة، بل ما صنعه داخل عرباته.

قبل أن تصبح الهواتف المحمولة رفيقًا دائمًا للرحلات، كان الترام مساحة مفتوحة للحديث. يجلس غرباء إلى جوار بعضهم، ثم يبدأ حديث عابر عن الطقس أو مباراة كرة قدم أو أسعار السوق، لينتهي أحيانًا بنقاش طويل لا يعرف أحد كيف بدأ.

كان الركاب يختلفون، ويضحكون، ويتبادلون الحكايات، ثم ينزل كل منهم في محطته بعد سلام بسيط، دون أن يعرف اسم الآخر أو رقم هاتفه، لكنه يغادر وهو يشعر أنه لم يكن وحيدًا طوال الطريق.

ولكثير من كبار السن، لم يكن ركوب الترام مرتبطًا دائمًا بقضاء مصلحة، بل كان وسيلة لمقاومة الوحدة. رحلة قصيرة تكسر رتابة اليوم، وتمنحهم فرصة لرؤية المدينة والناس، وربما للدخول في حديث عابر يبدد شيئًا من الصمت.

بهذا المعنى، لم يكن الترام مجرد وسيلة نقل، بل مساحة اجتماعية نادرة، ورفيقًا يوميًا منح المدينة إيقاعًا خاصًا يصعب تعويضه.

أكثر من قرن على القضبان

يعد ترام الرمل واحدًا من أقدم وسائل النقل الكهربائي في المنطقة، إذ بدأ تشغيله في نهاية القرن التاسع عشر، وربط شرق الإسكندرية بوسطها، ليصبح مع مرور السنوات أحد أبرز رموز المدينة.

وخلال أكثر من مئة عام، لم ينقل ملايين الركاب فحسب، بل نقل معهم تفاصيل الحياة اليومية؛ طلابًا في طريقهم إلى الجامعة، وموظفين إلى أعمالهم، وعائلات في نزهات الصيف، وعشاقًا اختاروا مقاعده الخشبية لتكون شاهدًا على بدايات قصصهم.

لذلك، لم يكن غريبًا أن يتحول الترام إلى عنصر حاضر في الصور الفوتوغرافية، والأفلام، والروايات، وذاكرة كل من عاش في الإسكندرية.

 

بين الأمس والغد

لا أحد ينكر أن المدن تحتاج إلى التطوير، وأن مشروعات النقل الحديثة أصبحت ضرورة لمواكبة احتياجات ملايين الركاب. وربما ينجح مترو الإسكندرية في تقديم خدمة أسرع وأكثر كفاءة، ويكتب فصلًا جديدًا في تاريخ المدينة.

لكن، في المقابل، تطرح لحظة إزالة القضبان سؤالًا إنسانيًا لا يتعلق بالهندسة أو التخطيط، بل بالذاكرة: ماذا يحدث عندما ترحل الأماكن التي صنعت تفاصيل حياتنا؟

في نهاية اليوم، تمضي الحفارات في عملها، وتتحرك الشاحنات محملة بالقضبان القديمة، بينما يغادر المارة المكان واحدًا تلو الآخر. غير أن شيئًا واحدًا يبقى في الإسكندرية، لا تستطيع أي آلة أن ترفعه من مكانه تلك الذكريات التي صنعها ترام الرمل على مدى أكثر من قرن، والتي ستظل تسير في وجدان السكندريين، حتى وإن توقفت عرباته عن المرور فوق القضبان.

الجريدة الرسمية