حكاية أطول 3 أيام في العمر لقعيدة استيقظ عقلها وتجمدت أطرافها بجوار جثة شقيقها!
ما حدث في شقة "الرحاب" ليس مجرد حادثة في صفحة الحوادث نقرأها ونقلب الصفحة؛ نحن أمام مأساة حقيقية، بطلتها سيدة قعيدة من ذوي الاحتياجات الخاصة، شاهدت بعينيها سندها الوحيد وهو يحتضر، وظلت عاجزة، مشلولة الجسد، وصاحية العقل، تصارع جحيما صامتا لمدة 3 أيام كاملة وبجوارها جثة أخيها الشاب.
3 أيام من الرعب الصامت!
تلك السيدة عاشت الرعب في أشرس صوره، أخوها وسندها الوحيد سقط أمام عينها، النفس طلع ومبقاش بيتحرك، وهي في مكانها، لا تستطيع أن تسنده، ولا أن تفتح الباب، ولا تملك القدرة على أن تصرخ بأعلى صوتها لكي يسمعها الجيران.
72 ساعة كاملة، دقات الساعة تمر فوق رأسها مثل الطعنات. يا ترى كانت بتفكر في إيه؟ كانت بتبص لجثة أخوها وتستنى إيه؟ معجزة؟ خبطة باب؟!
وللا كانت بتتمنى الموت ييجي ياخدها هي، ويرحمها من العذاب ده؟! العجز هنا لم يكن عجز حركة فقط، بل كان تعذيبا نفسيا فوق طاقة أي بشر.
الخصوصية التي قتلت الإنسانية!
المأساة دي بتخبط في وشنا حقيقة اجتماعية مُرَّة فرضتها علينا عيشة الكومباوندات والمدن الجديدة. الأسوار العالية والأبواب المصفحة اللي بندفع فيها دم قلبنا عشان نشتري "الخصوصية"، اتحولت في لحظة لسجن معزول!!
زمان، في حاراتنا الشعبية، لو الجار غاب يوم واحد النور بيتقطع والكل بيخبط ويسأل؛ الأبواب كانت دايمًا مواربة بالود والشهامة واللقمة الهنية. إنما الآن؟ الجار بيمشي جنب باب جاره وميعرفش هو حي وللا ميت، ولا يتحرك ولا يشعر بالتاني إلا لما الريحة تطلع! ثمن غالي أوي بندفعه من إنسانيتنا تحت شعار "أنا في حالي".
"الأمان مش باب حديد، الأمان هو قلوب البشر من حواليك"
الشرطة لقت الجثمان في حالة تحلل، ونقلوا الأخت المسكينة للمستشفى عشان تعالج جسمها ونفسيتها اللي اتهدت. بس الوجع اللي في قلوبنا مش هيمشي بسهولة، والفاجعة دي بتدينا درس قاسي: “الأمان مش باب حديد، الأمان هو قلوب البشر اللي حواليك. لازم نرجع نسأل على بعض، تفقدوا جيرانكم، بصوا على الشقق اللي فيها مسن أو قعيد أو حد من ذوي الهمم عايش مع معيل واحد”.
مأساة الرحاب مش خبر للمطالعة، دي صرخة في وش كل واحد فينا: خلف الأبواب الصامتة في ناس بتموت في السكوت.. لا تتركوا العزلة تلتهم من نحبهم.


