إيطاليا تكشف عن أخطر شبكة تجسس داخلية، ما القصة؟
كشفت السلطات الإيطالية عن توقيف مسؤول استخبارات إيطالي متقاعد بتهمة تسريب معلومات سرية لمصلحة روسيا، في قضية أثارت مخاوف في روما وبروكسل ولندن بشأن اختراقات محتملة لشبكات استخبارات غربية، وسط اتهامات باستخدام موسكو أساليب تجسس تقليدية للحصول على معلومات من عملاء مستعدين لخيانة بلدانهم مقابل المال، وفقًا لـ"التايمز" البريطانية.
وبحسب السلطات الإيطالية، اشتكى جافينو بيراس، المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات الإيطالية، من قلة المقابل المالي الذي كان يحصل عليه من جهة روسية مقابل تسليم ملفات سرية، مشيرًا إلى أن المبالغ التي تلقّاها لم تكن كافية لأنه كان يدفع أيضًا لأشخاص داخل الجيش الإيطالي مقابل الحصول على المعلومات.
وخلال أحد اللقاءات مع جهة الاتصال الروسية، قال بيراس، وفقًا لما نقلته السلطات: “لا يتبقى لدي حتى مال للقهوة”، مضيفًا: “اعتدت أن تأخذني إلى الغداء. لقد سئمت، أنا مستعد لعقد صفقات، لكنكم لا تدفعون”.
وكان بيراس يجتمع مع ميخائيل أستاكوف، الذي تشتبه السلطات الإيطالية بأنه عضو في جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية؛ إذ قامت التحقيقات بتسجيل وتصوير عدد من اللقاءات التي سبقت اعتقال المسؤول الإيطالي المتقاعد.
أساليب تجسس تقليدية
أظهرت التحقيقات أن أساليب العمل الاستخباراتي المستخدمة لم تختلف كثيرًا عن الطرق التقليدية؛ إذ يُعتقد أن أستاكوف كان يسلِّم بيراس طلبات معلومات مكتوبة على قصاصات صغيرة من الورق خلال لقاءات سرية، من بينها اجتماع جرى على مقعد يطل على بحيرة براتشيانو قرب العاصمة روما.
كما أظهرت لقطات كاميرات مخفية نشرتها الشرطة أن بيراس وضع هاتف أستاكوف داخل فرن ميكروويف خلال اجتماع في منزله، في محاولة على ما يبدو لمنع تتبع موقع الجهاز، بينما كانت الملفات السرية تُخزن داخل تجويف في جدار، فيما يعرف بأسلوب “الإسقاط الميت” لتسليم المعلومات بعيدًا عن المراقبة المباشرة.
ورغم اعتماد هذه الأساليب القديمة، ترى السلطات الإيطالية أن حجم المعلومات التي يُعتقد أنها وصلت إلى الجانب الروسي كان كبيرًا، وقد أثار ذلك قلقًا في عدد من العواصم الغربية.
ملفات بريطانية وأسرار عسكرية
وفقًا لأمر الاعتقال الذي اطّلعت عليه صحيفة “التايمز”، تمكن بيراس من الوصول إلى ملف سرّي يحمل اسم “1 list MI6”، ويتضمن “تفاصيل عشرات الأشخاص الذين عملوا كعملاء لدى الاستخبارات البريطانية”.
من جهته، قال وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو، إن توقيف بيراس يمثل “رأس جبل جليدي ضخمًا”، واصفًا القضية بأنها جزء من “حرب هجينة تشنها أطراف خارجية وأشخاص خونة مستعدون لبيع وطنهم مقابل المال أو النفوذ أو المصالح الشخصية”.
كان بيراس، البالغ من العمر 59 عامًا، قد تقاعد من جهاز الاستخبارات الإيطالي عام 2012، وهو واحد من مسؤوليَن استخباراتيَين إيطاليَين سابقَين جرى توقيفهما، فيما يخضع 5 أشخاص يُشتبه بأنهم مصادر قام بتجنيدها داخل الجيش الإيطالي للتحقيق.
أما أستاكوف، الذي يُشتبه بأنه يعمل لمصلحة الاستخبارات العسكرية الروسية ويتمركز في السفارة الروسية بروما، فيتمتع بحصانة دبلوماسية تمنع توقيفه.
اهتمام بقدرات أوكرانيا العسكرية
وتكشف وثائق التحقيق عن نوعية المعلومات التي طلبتها موسكو؛ إذ تشير السلطات إلى أن بيراس طُلب منه الكشف عن أسماء عملاء إيطاليين يراقبون السفارة الروسية، إضافة إلى معلومات بشأن ما تعرفه إيطاليا عن نشاطات الاستخبارات الروسية داخل البلاد.
كما زُعم أن بيراس حذر الجانب الروسي في إحدى المناسبات من احتمال كشف هوية جاسوس روسي في مدينة ماتيرا جنوبي إيطاليا.
وتقول السلطات إنه تحدث أيضًا عن دراسة إيطاليا لدبابة “T90” الروسية، ونقل معلومات عن اهتمام المحللين الإيطاليين بآلية عمل المدفع الرشاش المثبت عليها.
كما تضمنت المعلومات التي ناقشها بيراس، بحسب التحقيقات، برامج إيطاليا المتعلقة بالزوارق المسيّرة، وعدد صواريخ “ستورم شادو” التي تخطط لشرائها، إضافة إلى ما تعرفه روما عن تأثير الضربات الصاروخية في المنشآت النووية الإيرانية.
وكان الجانب الروسي مهتمًا بشكل خاص بقدرة أوكرانيا على التصدي للهجمات الجوية والصاروخية، بما في ذلك منظومة الدفاع الجوي “سامب/تي” التي قدمتها إيطاليا لكييف.
وقال جانلوكا دي فيو، مراسل الشؤون الدفاعية في صحيفة “لا ريبوبليكا”، إن الروس كانوا مهتمين أيضًا بصاروخ الدفاع الجوي الأوروبي "CAMM-ER"، الذي تجري أوكرانيا محادثات بشأن تجميعه.
وأضاف أن بيراس "كان منشغلًا للغاية" بتوفير المعلومات المطلوبة.
شبكة تجنيد داخل المؤسسات العسكرية
ووفقًا للتقارير، كان بيراس ناشطًا في مؤسسات دفاعية داخل روما، كما شارك في دورات لتعليم أساليب العمل الاستخباراتي.
وقال دي فيو إن بيراس ربَّما تمكن من تجنيد مصادره عبر الحديث معهم عن فرص تقديم دورات بعد تقاعدهم، مشيرًا إلى أن بعض هؤلاء الأشخاص يمتلكون مسيرات مهنية مهمة، لكنهم قد يشعرون بالقلق بشأن أوضاعهم المالية بعد التقاعد.
وتأتي هذه القضية بعد طرد إيطاليا عام 2021 دبلوماسيَين روسيَين اثنين اتُهما بدفع أموال لمسؤول دفاع إيطالي يدعى والتر بيوت مقابل الحصول على وثائق تخص إيطاليا وحلف “الناتو”.
تحذيرات من توسع التجسس الروسي
وتشير التحقيقات إلى أن التعاطف مع روسيا ليس أمرًا نادرًا في إيطاليا، حيث يعارض بعض الناخبين تقديم مزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا، وهو موقف يتبنّاه أيضًا نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني وحزب حركة “خمس نجوم” المعارض.
كما استضافت برامج تلفزيونية إيطالية شخصيات مؤيدة لروسيا منذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022.
وخلال لقاءاته مع بيراس، طلب أستاكوف، وفقًا للسلطات، معرفة حجم المعلومات التي تمتلكها أجهزة الاستخبارات الإيطالية عن الاتصالات بين أشخاص داخل إيطاليا وأجهزة الاستخبارات الروسية.
وقال وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو، إنه “لم يتفاجأ” بعمليات التوقيف، محذرًا من أن بلاده “لا تمتلك المناعة الكافية” لمواجهة التجسس الروسي.
وأضاف: “الجواسيس موجودون في كل مكان”، وتابع: “والروس هم الأفضل”، على حد تعبيره.




