بين ترحيل الحكام وتخفيف العقوبات، من يدير كأس العالم 2026 "الفيفا" أم أمريكا؟
كأس العالم، بنسخة استثنائية تضم 48 منتخبًا وثلاث دول مستضيفة لأول مرة في التاريخ، كان من المفترض أن تكون بطولة كأس العالم 2026 احتفالًا عالميًا بالرياضة الأكثر شعبية في العالم، غير أن سلسلة من الوقائع المتراكمة منذ بداية البطولة، وصولًا إلى خروج الدول الثلاث المضيفة من المنافسة قبل أوانها، أعادت فتح ملف قديم متجدد، وهو مدى استقلالية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن الضغوط السياسية الأمريكية.
إجراءات أمنية وصفت بـ"المهينة"
منذ الأيام الأولى للبطولة، تحولت المطارات الأمريكية إلى مصدر جدل متكرر، بعثات رياضية بأكملها خضعت لتفتيش مطول شمل خلع الأحذية وتفتيش الأمتعة على المدرج أمام عدسات الكاميرات، في مشاهد اعتبرها مراقبون غير مسبوقة لبطولة بحجم كأس العالم.
لاعبون ومسؤولون من عدة منتخبات، من بينهم مهاجم منتخب العراق الذي احتجز واستجوب لساعات طويلة، ومصور بعثة اضطر للانتظار أكثر من عشر ساعات قبل أن يمنع من الدخول، وضعوا الاتحاد الدولي أمام سؤال مباشر، أين موقفه من معاملة مواطنيه المدعوين رسميًا لحضور البطولة؟ الاتحاد الدولي لم يصدر أي بيان رسمي بشأن هذه الوقائع.
أزمة التأشيرات وأسعار التذاكر
بالتوازي، اشتكت وفود ومنتخبات عدة من صعوبة استخراج تأشيرات الدخول لجماهيرها، ما حرم قطاعًا من المشجعين من مساندة منتخباتهم على أرض الواقع.
وفي الوقت ذاته، سجلت أسعار التذاكر في عدد كبير من المباريات ارتفاعات وصفها كثيرون بغير المسبوقة، دون أي تدخل معلن من فيفا لضبط السوق أو حماية الجماهير من المضاربة.
قضية الحكم الصومالي.. سابقة تاريخية
ومن أكثر الوقائع إثارة للجدل، كانت أزمة الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي كان مرشحًا ليصبح أول حكم صومالي في تاريخ كأس العالم بعد اختياره كأفضل حكم أفريقي لعام 2025.
ورغم حصوله على تأشيرة رسمية ووثائق اعتماد من فيفا نفسه، منع أرتان من دخول الأراضي الأمريكية عند وصوله، واحتجز لأكثر من 11 ساعة قبل ترحيله.
الاتحاد الدولي اكتفى بالقول إنه غير قادر على التدخل في قرارات الهجرة الخاصة بالدولة المضيفة، وهو ما اعتبر اعترافًا ضمنيا بعجز الجهة المنظمة عن حماية طواقمها التحكيمية المعتمدة.
تعليق عقوبة بالوجون... واتصال أثار الجدل
بلغت الأزمة ذروتها حين تعرض مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون لطرد مباشر بالبطاقة الحمراء خلال مباراة دور الـ32 أمام البوسنة والهرسك، وهي عقوبة تستوجب وفق لوائح البطولة إيقافه عن المباراة التالية.
غير أن فيفا فاجأ الأوساط الرياضية بقرار تعليق تنفيذ العقوبة، ليصبح اللاعب متاحًا لمواجهة بلجيكا في دور الـ16 التي خسرها أولاد العم سام.
تقارير صحفية ربطت القرار باتصال هاتفي مباشر من الرئيس الأمريكي مع رئيس فيفا جياني إنفانتينو.
الاتحاد البلجيكي أصدر بيانًا رسميًا وصف فيه القرار بأنه مخالفة صريحة للوائح البطولة، فيما هاجم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) القرار علنًا، واصفًا إياه بـ"التجاوز الصارخ للخطوط الحمراء" في نزاهة المنافسة.
خروج مبكر للدول الثلاث المضيفة
المفارقة الكبرى أن كل هذه الجهود المفترضة لم تبقِ صاحبة الأرض الأمريكية في المنافسة.
فقد سبقتها كندا إلى بوابة الخروج بعد خسارة قاسية 3-0 أمام المغرب في دور الـ16، ثم لحقت بها المكسيك بخسارة 3-2 أمام إنجلترا.
أما الولايات المتحدة، فرغم "الدعم" غير المسبوق الذي حظي به نجمها بالوجون، فقد ودعت البطولة بخسارة ثقيلة 4-1 أمام بلجيكا في ملعب لومن فيلد بسياتل.
من يحكم المونديال؟
بين تفتيش وُصف بالمهين، وتأشيرات مفقودة، وحكم دولي يُرحَّل رغم اعتماده رسميًا، وعقوبة تُعلَّق بعد اتصال سياسي مباشر، تبرز أسئلة جوهرية حول حياد الجهة المشرفة على أكبر حدث رياضي في العالم. والمفارقة أن كل هذا الجدل لم يمنع خروج الدول الثلاث المضيفة – كندا والمكسيك والولايات المتحدة – من البطولة قبل الوصول حتى إلى دور الثمانية.




