رئيس التحرير
عصام كامل

حكومة إيجيبت VS حكومة مصر.. كيف تحولت حياة المصريين من سيئ إلى أسوأ برعاية مدبولي؟ انهيار الطبقة الوسطى.. مواطنون يكابدون الحياة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أبنائهم.. وزيادات الأجور يلتهمها الغلاء

التضخم في مصر
التضخم في مصر
18 حجم الخط

منذ تولي  الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة الوزراء في يونيو 2018 وصولًا إلى عام 2026؛ مر المواطن المصري برحلة قاسية تحولت فيها آماله برفع العبء إلى واقع مرير وصفه البعض بأن حياة المواطن المصري في عهد حكومة مدبولي انتقلت من السيء إلى الأسوأ اقتصاديًا. 

رغم رفع الحد الأدنى للأجور عدة مرات خلال هذه الفترة، إلا أن هذه الزيادات «ابتلعتها» الارتفاعات في أسعار السلع والخدمات، وأصبح المواطن غير قادر على تلبية احتياجات معيشته، حيث سقطت الطبقة الوسطى إلى حدود الفقر والعوز. 

ولأن لغة الأسعار والأرقام على أرض الواقع تظل هي الفيصل الوحيد لقياس مدى نجاح أي حكومة في تخفيف العبء عن كاهل مواطنيها، فبين عامي 2018 و2026، عاش الشارع المصري تحولات اقتصادية حادة، تداخلت فيها قرارات تحريك الأجور مع قفزات متتالية في فواتير الخدمات وتكلفة الإنتاج، وسط تساؤلات مشروعة عن موعد جني ثمار سنوات الصبر.

وانتهجت حكومة مدبولي سياسة "التسعير التلقائي" للمنتجات البترولية لتخفيف العبء عن الموازنة العامة، مما أدى لتحولات كبيرة في تكلفة الطاقة، إذ ارتفع سعر بنزين 80 من 5.50 جنيه في 2018 إلى 20.75 جنيه في 2026، بنسبة ارتفاع بلغت 277%، بنزين 92  ارتفع من 6.75 جنيه  إلى 22.25 جنيه بنسبة ارتفاع بلغت 230%، بنزين 95 ارتفع من 7.75 جنيه إلى 24.00 جنيه بنسبة ارتفاع بلغ 210%.

أما السولار فارتفع من 5.50 جنيه في 2018 إلى 20.50 جنيه في 2026، بنسبة ارتفاع بلغت 273%، أسطوانة البوتاجاز المنزلي سعة 12.5 كجم ارتفعت من 50 جنيهًا إلى 275 جنيهًا بنسبة ارتفاع بلغت 450%، فيما ارتفع سعر غاز تموين السيارات من 2.75 جنيه للمتر المكعب إلى 13 جنيهًا بنسبة ارتفاع بلغت 373%.

وفيما يخص  قطاع الكهرباء والطاقة المنزلية، فشهد إلغاءً تدريجيًا لشرائح الدعم المنزلي، لتقليص الفجوة بين سعر البيع والتكلفة الفعلية للإنتاج، والتي شملت الشرائح الدنيا أو الأكثر احتياجًا، إذ ارتفع سعر الكيلوواط/ساعة في الشريحة الأولى من 22 قرشًا في 2018 ليتجاوز المتوسط الحالي الحسابي للشرائح الصغرى، مسجلًا نسبة ارتفاع إجمالية تفوق 350%.

أما الشرائح العليا أو ما يسمى بالاستهلاك الكثيف، فارتفعت بنسب تراوحت بين 180% إلى 240%، مع إقرار زيادات متتالية كان آخرها في النصف الأول من عام 2026.

كما رفعت الحكومة أسعار تذاكر مترو الأنفاق والقطارات، إذ تحولت السياسة السعرية لهيئة الأنفاق من السعر الموحد للتذكرة إلى نظام الشرائح، فارتفعت تذكرة الشريحة الأساسية حتى 9 محطات من 3 جنيهات في بداية تطبيق منظومة المراحل عام 2018 لتستقر عند 10 جنيهات في 2026، بنسبة ارتفاع بلغت 233%. 

أما تذكرة الشريحة القصوى، فارتفعت من 7 جنيهات إلى 20 جنيهًا بننسبة ارتفاع بلغت 185%.

وعن قطارات السكك الحديدية؛ فإن نسب الزيادة تفاوتت بحسب نوع الخدمة، فالقطارات العادية و"الروسي" نالت الزيادة الأكبر لتقليل عجز تشغيل الهيئة بنسب ارتفاع تراوحت بين 150% إلى 300%، بينما قفزت أسعار قطارات الدرجات الفاخرة (VIP والتالجو الجديد) بنسب تتراوح بين 100% إلى 180%مقارنة بأسعارعام 2018.

وبالانتقال إلى السلع الغذائية الأساسية؛ ارتفعت متوسط سعر كيلو اللحوم الحمراء البلدي من 130إلى 150 جنيهًا في عام 2018، إلى ما يتراوح بين 380 و430 جنيهًا في 2026، بنسبة ارتفاع  بلغت 185%. 

وارتفع متوسط سعر كيلو الدواجن البيضاء من 28 جنيهًا في 2018 ليتأرجح حول مستويات من 85-95 جنيهًا للمستهلك، بنسبة ارتفاع بلغت 220%، وارتفع متوسط سعر الأرز المعبأ من  9 إلى 11 جنيهًا في 2018 إلى مستويات تتراوح بين 30 و34 جنيهًا في 2026 بنسبة ارتفاع بلغت 210%.

وقفزت أسعار الزيوت النباتية من متوسط يتراوح بين 19 و22 جنيهًا للتر في 2018،  لتصل إلى مستويات تبدأ من 60 إلى 75 جنيهًا بحسب النوع في 2026، بنسبة ارتفاع تجاوزت 230%.

كما حركت الحكومة في منتصف 2024، أسعار الخبز المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشًا، بنسبة ارتفاع بلغت 300%. 

الحد الأدنى للأجور

«ياريته ما رفع الحد الأدنى للأجور وفضلت الأسعار مستقرة»، هكذا بدأ محمد سعد موظف إداري في التربية والتعليم كلامه عن الواقع الذي يعيشه منذ عام 2018 وحتى الآن، قائلًا: «الزيادات تلتهمها الأسواق قبل أن تصل إلى أيدينا، ولسنا سعداء بأي رفع للأجور لأن عواقبه السعرية أشد قسوة، إذ تلتهم الارتفاعات في أسعار السلع والخدمات أي زيادة نحصل عليها».

وأضاف نحن نعاني من غياب عدالة التوزيع في الأجور، فهناك فجوة كبيرة في المرتبات والأجور بين الإداريين والعمال والمدرسين داخل المدرسة الواحدة، فالمدرس تحسن وضعه نسبيًا عبر الكادر، لكن زميله الإداري الذي يشاركه أعباء العملية التعليمية بات يتقاضى مرتبًا محدودًا للغاية، ورغم وصول البعض رسميًا للحد الأدنى للأجور، إلا أنه يظل عاجزًا عن تلبية المتطلبات الأساسية نظرًا لحرمانهم من الحوافز والمكافآت الاستثنائية التي يحصل عليها المعلمون.

وأوضح أنه رغم تحريك الحد الأدنى للأجور عدة مرات منذ عام 2018 بهدف امتصاص الصدمات الاقتصادية، إلا أن تلك الزيادات لم تفلح في مواكبة الارتفاع القياسي لأسعار الخدمات الأساسية التي على رأسها الكهرباء، المياه، الغاز الطبيعي، والإنترنت، وبمجرد التلميح أو الإعلان عن علاوة أو حافز استثنائي، تسبق الأسواق الجميع بالاشتعال، وتلتهم الزيادات قبل إقرارها».

وتابع: أن تكلفة المواصلات للذهاب للعمل أصبحت عبئًا على الميزانية، فبعد أن كانت تعريفة الركوب بسيطة قفزت أضعافا مضعفة، من 7 جنيهات إلى 20 جنيهًا، وللأسف ليس مقرات العمل بالقرب من المنازل، فأنا مثلًا أدفع 60 جنيهًا يوميًا للوصول إلى عملي في حال تقيدت بركوب المواصلات العامة، أي أن ميزانية المواصلات لي فقط تصل لـ 1320 جنيهًا في المتوسط، إضافة إلى ميزانية ركوب المواصلات لأفراد أسرتي، لنجد في النهاية «ما يقارب ربع المرتب ضاع في المواصلات». 

 

وقال: إن بعد حساب ميزانية المواصلات للأسرة؛ فإن شعار بند الغذاء هو «التقشف والحرمان والاستغناء»، إذ مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية تغيرت تمامًا الخطط الأسبوعية لتدبير الطعام، إذ إجباريًا قمنا بإعادة هيكلة حصص البروتين الأسبوعية والشهرية، بتقليل شراء الدواجن واللحوم والألبان، بعد أن كنا نتناول دجاجتين على الأقل أسبوعيًا، أصبحنا نقسم الدجاجة الواحدة على يومين، وكيلو اللحوم على 3 مرات. 

وأشار إلى غياب بنود الترفيه مثل الفسح والمصايف أو تجديد أثاث المنزل، إضافة إلى محاولة صيانة الأعطال ذاتيًا في المنازل دون الحاجة إلى خدمات أصحاب الحرف،  وحتى الكسوة الموسمية التي اعتدنا على شرائها قبل الصيف والشتاء اختفت من قاموس الموظف، والاعتماد على الملابس القديمة، وفي أضيق الحدود نضطر إلى شراء ملابس مستعملة من أسواق البالة وذلك مع غلاء أسعار الملابس الجديدة.

وقال: إن بند الرعاية الصحية للأسرة أصبح من الكوارث، فمع ارتفاع أسعار الدواء وأجرة الأطباء يزيد الضغط والعبء على رب الأسرة، في توفير احتياجات الحالة المريضة، روشتة الدواء مرتفعة الثمن، ولا توجد مستشفيات عامة بها أطباء أكفاء ويعاني المرضى في المستشفيات العامة من سوء المعاملة وقوائم الإنتظار، وكان الملاذ لغير القادرين الذهاب إلى المستشفيات الخيرية، لكن حتى هذه ارتفعت أسعارها.

 

واختتم كلامه قائلًا: «رئيس الوزراء بقراراته حول المصريين إلى عجزة أمام أبنائهم، شيء محزن إننا نشتغل في شغلنتين وأربعة علشان نقدر يدوبك نوفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة والمعيشة، رغم إن الموظفين كانوا طبقة متوسطة ميسورة قبل حكومة مدبولي، إلا أنهم أصبحوا فقراء في عهده».

واستطرد قائلًا: «أكثر شيء محزن هو تسجيل حالات الغياب المتكرر للتلاميذ في المدارس، ومع استدعاء ولي الأمر يعلل ذلك بعجزه عن تدبير تكلفة المواصلات اليومية لأبنائه للذهاب إلى المدرسة، أو حتى توفير الطعام والملابس المناسبة لذلك، وهذا يعد خطرًا كبيرًا وتدميرًا للأمة، وللأسف سيكون لدينا أجيال عانت من الفقر المدقع صغارًا، وحرمت من التعليم والحياة الصحية. 

سوء طالع

ومن جانبه، قال محمود العسقلاني رئيس جمعة مواطنون  ضد الغلاء: إن الدكتور مصطفى مدبولي جاء في توقيت وتولى المسؤولية في حقبة يمكن أن نطلق عليها حقبة الأزمات المركبة، فحكومته واجهت حظًا عاثرًا لم تشهده حكومات كثيرة؛ بدأت بجائحة كورونا والهروب المفاجئ لرؤوس الأموال، ولم تكد تلتقط أنفاسها حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، وتلتها أزمات الملاحة في باب المندب بسبب الأوضاع في اليمن، ثم اشتعلت حرب غزة، ولم تهدأ حتى تفاقم الصراع الإيراني الإقليمي.

وأضاف أن وضع  مدبولي ينطبق عليه تمامًا بيت الشعر: «إِن حظي كدقيق فوق شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه» فالحكومة كأنها تواجه سوء طالع غير طبيعي، يعني بالبلدي «حكومة محسودة» وكأن كل أزمات العالم تجمعت في توقيت واحد، وكل مواجهة من هذه المواجهات كانت لها تكلفة باهظة عجزت الموازنة عن تحملها، فكانت النتيجة أن حملتها الحكومة للمواطن.

وأضاف أن هذا السيل من الأزمات تزامن مع برنامج الإصلاح الخاص بصندوق النقد الدولي؛ وللأسف، الصندوق كانت له مطالب محددة وصارمة، ونحن كنا نستمع لكل ما يطلبه وننفذه بدقة، ومع تنفيذ هذه الإملاءات وسط الأزمات العالمية ضاعف الضغط على الشارع المصري.

وتابع: شهدنا خطوة غير مسبوقة وهي رفع سعر رغيف الخبز المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشًا (بنسبة 300%)، وتاريخيًا، كان هذا القرار كفيلًا بإحداث قلاقل اجتماعية، لولا وعي المواطن المصري وإدراكه العميق لما جرى لبلدنا بعد أحداث يناير 2011 من تخريب، لكان من الممكن أن ننجرف لسيناريوهات مظلمة، فالناس ترى ما يحدث في دول الجوار الآن؛ ترى سوريا، والسودان، واليمن، وليبيا، فالخوف من هذه المصائر المحيطة بنا جعل الشارع يلتف حول موقف شعبي موحد يرفض الاحتجاج إيثارًا للأمن وخوفًُا على كيان الدولة.

واستطرد قائلًا: في تاريخ مصر، لم يقدم أحد على اللعب برغيف العيش إلا وكان يتحسس خطواته برعب، لكن حكومة مدبولي أقدمت على هذا القرار بسلاسة لأنها تسندت على "وعي وخوف" الناس على بلدهم. هذا الصبر هو خط الدفاع الأول عن أمن مصر حاليًا.

وقال إنه بكل صراحة، حكومة مدبولي كان لديها استعداد دائم لأخذ مواقف إيجابية وتقديم تسهيلات كبرى للطبقة الغنية فقط، ولذلك زاد الأثرياء غنى في فترته. أما الطبقة الوسطى فهي اليوم "بعافية"، مصابة بمرض عضال يحتاج إلى معجزة حقيقية للاستشفاء منه؛ فهذه الطبقة هبطت من السلم الاجتماعي واستقرت على السور المحيط بالطبقة الفقيرة.

 

أسطوانة الغاز بـ350 جنيها

وعن القفزات في أسعار الخدمات والسلع، قال «العسقلاني»: إن المواطن يواكب مرحلة من الغلاء المرعب من جميع الجهات، حتى أسطوانة البوتاجاز اليوم يصل سعرها 350 جنيهًا، وهناك أرقام وبيانات استعرضها نواب في البرلمان عن حجم الارتفاعات السعرية في الأسعار إذا صحت، فنحن أمام أزمة طاحنة تستدعي تدخلًا عاجلًا لتفكيك أزمات الناس.

وتابع: المواطن المصري اليوم يعيش ويسير بـ "ستر ربنا"، وهنا يجب أن نحيي المرأة المصرية؛ فهي صالحة تمامًا لتتولى منصب وزيرة اقتصاد في أكبر دولة بالعالم، لأنها تدير بيوتًا كاملة بميزانيات "تعبانة ومحدودة" للغاية في ظل تضخم يعصف بالأخضر واليابس.

وأشار إلى تراجع عدة مظاهرة على نمط حياة أبناء الطبقة الوسطى اليومي؛ منها غياب المصايف والخروجات والتطلعات الترفيهية، وحتى تجديد الأثاث أو شراء الملابس اختفى، والمواطن بات يعيش على الاحتياطي الاستراتيجي لديه، والأخطر أن انكماش الطبقة الوسطى ضرب قطاعات أخرى؛ فهذه الطبقة كانت تاريخيًا تشغل الحرفيين وتفتح بيوت السباكين والنقاشين والنجارين، اليوم عندما يتلف شيء في المنزل، إما أن يتركه صاحبه دون إصلاح، أو يصلحه بيده لغياب السيولة، مما أصاب الأسواق بالركود.

وأضاف: بل إن قطاعًا عريضًا من أصحاب السيارات الملاكي من الطبقة الوسطى اضطروا للعمل ضمن تطبيقات الاقتصاد التشاركي، لتوفير مصاريف بيوتهم، وبذلك زاحموا سائقي التاكسي التقليدي وأخذوا قوتهم، والأخطر قيام سائقي التاكسي بتحويل رخص سياراتهم من أجرة إلى خاصة، نظرًا لارتفاع رسوم تراخيص الأجرة والتعنت الإداري الذي بات مكلفًا. 

وتابع: التيسير يولد التزامًا وسيولة، لكن ما نراه اليوم هو عكس ذلك؛ على سبيل المثال، إجبار المواطنين في وحدات المرور على شراء "حقيبة إسعافات" كل سنة رغم وجودها لديهم، وتوجيه هذه الأموال لصالح شركات خاصة كشركة دون أن نعلم بوضوح أين تذهب هذه الأموال، هو أمر يثير الضيق والشكوك، في العموم الحكومة مهتمة بافتتاح مصانع كبار الأثرياء وتتجاهل حماية الشريحة الأكبر.

واستطرد قائلًا: أنا هنا لا أكايد الحكومة، ولا أكتفي بالقول إن رئيس الوزراء سييء، بل أقدم حلولًا عملية لإحداث التوازن. الطبقة الوسطى لم تعد تجد ما تأكله، ولإنقاذها أقترح محورين أولهما الاستثمار الزراعي بالمدخرات، فهذه الطبقة تملك فوائض أموال مدخرة في البنوك. لو ضمنت الحكومة لهؤلاء تملك أراضٍ زراعية ليزرعوها بفوائد أموالهم وتسهيل الإجراءات لهم بدلًا من إعجازهم بطلب مقدمات مالية ضخمة، لتحولت مصر إلى بلد زراعي منتج في ثوانٍ.

وأشار إلى ثاني هذه الحلول هو أن أي مستثمر أو مواطن يقدم على طلب أرض لإنشاء مصنع، يجب على الحكومة أن تمنحها له مَجانًا وبلا مقابل فوري، نتركه يعمل وينتج ويوظف العمالة الكثيفة التي تفتح بيوت البسطاء، وبعد أن تدور عجلة الإنتاج ويحقق أرباحًا، نأخذ منه الضرائب التي تستحقها الدولة. لا تأخذوا من المنتج أموالًا تعجيزية قبل أن يبدأ العمل. فهذا هو طوق النجاة.

معدلات التضخم

وفي نفس السياق، قال عبد العزيز السيد رئيس شعبة الثروة الداجنة بالغرفة التجارية بالقاهرة: إن الفيصل الحقيقي والوحيد لتقييم أداء الحكومة وكيف أثرت قراراتها على حياة المواطنين، هنا هو أسعار السلع والخدمات، فعندما نضع أسعار عام 2018 في مقارنة مع واقعنا اليوم في 2026، ونحسب نسب الزيادة ومعدلات التضخم وفروق سعر الصرف، سنجد أن الأعباء تتزايد على المواطن بشكل مستمر.

وأضاف أنه حتى عندما تقرر الحكومة رفع المرتبات، فإنها لا تتناسب مطلقًا مع ما يحدث في السوق. على سبيل المثال، بمجرد إقرار العلاوة الأخيرة بنسبة 15%، فوجئ المواطن في اليوم التالي مباشرة -وقبل أن يتقاضى راتبه الجديد- بتحريك أسعار الكهرباء، التي لن تقتصر على زيادة الكهرباء على الاستهلاك المنزلي التقليدي فقط، بل فرضت الحكومة زيادة بلغت نحو 2945 جنيهًا تكلفة إضافية على المنتجين وأصحاب المنشآت تحت ذريعة "الاستهلاك الكبير". هذا الإجراء يدفع المنتج قسرًا إلى تحميل هذه الزيادة على السعر النهائي لسلعته، ليعود العبء في النهاية فوق رأس المستهلك.

وأشار إلى أننا نتحدث اليوم في النصف الأول من عام 2026 بعد أن وضعت الحروب أوزارها، وانخفضت أسعار البترول عالميًا، فلماذا لا يزال المواطن المصري يتحمل هذه التكلفة المرتفعة؟ لقد كان الدولار في منتصف 2018 بـ 19.60 جنيهًا، واليوم يتحرك في مستويات 49 جنيهًا، وهذا الفارق الضخم يبتلع الدخول ويضاعف تكلفة إنتاج جميع السلع

وأوضح أن الحكومة تعاني من غياب الحلول التنموية، قائلًا: «كنا نتمنى من الحكومة تنفيذ حلولًا "خارج الصندوق"، ومفهومي لخارج الصندوق هو الابتعاد تمامًا عن جيب المواطن، فجيب الموظف يجب أن يخصص لاستهلاكه الشخصي فقط، لا أن يكون الأداة الأسهل لسد عجز الموازنة».

وقال: إن كل دول العالم تسعى لزيادة الإنتاج، وتعظيم الصادرات، وجلب تدفقات دولارية من الخارج لتغطية العجز، أما الاعتماد المفرط على جباية الرسوم والزيادات المتتالية من المواطنين فهو أمر غير منطقي ولم نشهده في أي تجربة اقتصادية ناجحة. فبعد ثماني سنوات من العمل (2018 - 2026)، من حق الشارع أن يتساءل: أين ثمار الصبر التنموية التي وُعد بها لتعزيز ثقته وتعاونه مع الحكومة؟

وأضاف: أن هذا التراجع في الجودة نلمسه بوضوح في قطاع الأدوية والمستلزمات البيطرية، حيث تقتضي المواصفات أن تكون نسبة المادة الفعالة في المصل أو اللقاح 30%، فيقوم المصنع بخفضها إلى 15% مثلًا، وهذا الإجراء لا يسبب ضررًا مباشرًا، ولكنه يفقد الدواء نتيجته المرجوة، فيضطر المربي لإعطاء جرعات كبيرة دون فائدة. 

واستطرد قائلًا: بالطبع، الأدوية البشرية مراقبة بدقة ولا تسمح الحكومة بأي خلل يضر بصحة المواطن، لكن خفض نسب المواد الفعالة في بعض الصناعات الأخرى بات شكوى عامة بسبب تآكل الأرباح.

تراجع العملة المحلية

ومن جهته، قال شلبي جابر عضو شعبة القصابين بالغرفة التجارية بالقاهرة: إن الواقع المعيشي اليومي للمواطن في تدبير متطلبات بيته معقد للغاية في ظل انخفاض القيمة الشرائية للعملة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

واستطرد قائلًا:  كنت سابقًا أخصص مصروفًا أسبوعيًا للمنزل بقيمة 400 جنيه لتدبير الخضراوات والفاكهة والسلع الغذائية الأساسية، بينما أتكفل أنا بشراء اللحوم، وكان هذا المبلغ يكفي تمامًا اليوم، الـ 400 جنيه لا تكاد تشتري «شروة بسيطة» من السوق نتيجة التراجع المستمر لقيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع. المواطن الذي يعيل أسرة من 4 أو 5 أفراد يعاني بشدة؛ فالعادات الاستهلاكية البسيطة تراجعت، وكنا نشتري علب الجبن والمصنعات الغذائية بالخمس علب لتخزينها في الثلاجة، أما اليوم نكتفي بعلبة واحدة تقنينًا للنفقات، وغابت تمامًا سلوكيات ومظاهر التسوق المفتوح في السوبر ماركت.

وأضاف أن الرعاية الصحية أصبحت همًا كبيرًا، فالمواطن البسيط لا يقوى ماليًا على دخول المستشفيات الاستثمارية أو العيادات الخاصة التي يبلغ سعر الكشف فيها نحو 500 جنيه، والبديل هو اللجوء للمستشفيات الحكومية، ولكن لكي تحصل على خدمة جيدة تضطر للبحث عن "واسطة"، وإلا ستنتظر يومًا كاملًا في الانتظار ولن تحصل على الخدمة المطلوبة، وللأسف الأمر يمتد لغياب المسؤولية الطبية أحيانًا؛ ففي مواقف حرجة كحاجة مريض لغرز جراحية طارئة قد لا تجد الطبيب.

وقال: نحن لا نطلب مستحيلات، بل نطالب فقط بتفعيل مواد الدستور المصري (التي تكفل للمواطن الحق الدستوري الأصيل في الصحة، والسكن الكريم، والخدمات الأساسية دون الحاجة لوساطة. حتى النفقات الشخصية البسيطة كالحلاقة، بات المواطن يؤجلها لمرة كل شهرين بدلًا من كل شهر لتوفير 100 أو 150 جنيهًا

وأضاف أن العبء الأكبر الذي يؤرق مضاجع الأسر المصرية، هو ارتفاع أسعار السلع المعمرة والأجهزة الكهربائية؛ وخاصة عند شراء جهاز العروسين، فجهاز العروسة قد يتطلب اليوم مليون جنيه، فالإمكانيات المادية وأرباح المحلات تراجعت ولم تعد كالسابق، ولذلك اضطررنا للتخلي عن فكرة شراء الأجهزة ذات الماركات الشهيرة والعالية، واستبدلناها بالأجهزة المتواضعة المتوفرة في السوق.

وتابع: يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الذهب، وعليه لم يعد يستطيع الشباب شراء الشبكة، فسعر الدبلة البسيطة اليوم وصل إلى 5000 جنيه، فضلًا عن التكلفة المرتفعة لحجز قاعات الأفراح.

واستطرد قائلًا: نحن مستعدون للتحمل لتأمين معيشة أولادنا، لكننا نتطلع لسياسات تعيد الانتعاش للسوق وتضمن المعاملة الكريمة للمواطن في وطنه، خاصة وأن الفترة من عام 2024 وحتى 2026؛ تعد من أسوء فترات حياة المواطن المصري، فهي الأصعب والأقسى على المواطن.

وفيما يخص قطاع اللحوم، قال: إذا قارنا الوضع بالسنوات الماضية، كعام 2017 مثلًا، إذ كان المواطن يدخل محل الجزارة ليشتري ما بين 4 إلى 5 كيلو من اللحوم كاستهلاك دوري، وفي موسم عيد الأضحى كان يشتري لبيته فقط ما بين 10 إلى 12 كيلو، بل كان هناك من يشتري خروفًا كاملًا قبل العيد.

وتابع: أما اليوم، تحول هذا النمط تمامًا؛ إذ انكمشت المشتريات إلى كيلو أونصف أو 2 كيلو كأقصى حد، وبات المواطن يدخل المحل حاملًا ورقة وقلم ليحسب بدقة تكلفة الشراء وكيف سيدير بقية مصروفه. فالواقع يؤكد أن ملامح الطبقة الوسطى تآكلت تمامًا، وبات الجميع يحسب حساب سعر الكيلو الذي أصبح يمثل فارقًا جوهريًا في الميزانية.

وأشار إلى أن التحول هنا يعكس قفزة مرعبة في الأسعار. فالمواطن الذي كان يشتري عجلًا كاملًا للأضحية بمفرده، بات اليوم يبحث عن شركاء ليحصل على "ربع أو ثمن أو خُمس" الأضحية. والسبب في ذلك هو القيمة الإجمالية؛ فالعجل الواحد اليوم وصل سعره إلى من 150 إلى 200 ألف جنيه شامل التقطيع والذبح، في حين كان العجل بأكمله سابقًا عندما يرتفع سعره لا يتجاوز 50 ألف جنيه، وهي أرقام تفوق القدرة الشرائية للشرائح الحيوية في المجتمع.

وقال: إنه بالرغم من أن الحكومة تطرح لحومًا مدعمة بمنافذ وزارة التموين والمجمعات الاستهلاكية لمحدودي الدخل، إلا أنها لا تساهم في امتصاص الأزمة، فعلى أرض الواقع، سعر اللحوم المدعمة بالمجمعات الاستهلاكية وصل إلى 350 جنيهًا للكيلو، وهو رقم مرتفع جدًا. لكي يشعر المواطن الذي يتقاضى راتبًا يتراوح بين 3 آلاف و6 آلاف جنيه بالدعم، يجب ألا يتجاوز سعر الكيلو اللحم المدعم 250 جنيهًا، ليتسنى له شراء 3 أو 4 كيلو بألف جنيه.

وألمح إلى أن بعض المنافذ التموينية تشهد ممارسات تؤثر على المستهلك؛ حيث يضطر بعض البسطاء لدفع مبالغ إضافية «إكرامية» للعاملين للحصول على قطعيات جيدة خالية من الدهون، وإلا أُضيف للمواطن وزن من الدهن يعوضه البائع، لتصل التكلفة الفعلية للكيلو في النهاية لنحو 400 جنيه، وهو ما يفقد الآلية الحمائية معناها.

وأشار إلى أن الارتفاعات الحالية في أسعار اللحوم حذرنا منها مرارًا وتكرارًا في عام 2021،  وكان سعر كيلو اللحمة حينها 280 جنيهًا، وحذرنا وقتها من أن الكيلو سيتجاوز حاجز الـ 300 والـ 350 جنيهًا في المناطق الشعبية، إذ لم تنتبه الحكومة لذلك، وأعددت مذكرة تفصيلية بالحلول للجنة الأمن الغذائي في مجلس النواب، وعقدنا اجتماعات ولكن للأسف لم نصل لحل جذري، وبقيت المشكلات قائمة دون معالجة فعلية لأننا نفتقد لآلية الاستماع لأهل الذكر والمتخصصين لتفكيك الأزمة وتفادي التداعيات المستقبلية الأكثر صعوبة.

ويرى «جابر» أن الحلول يجب أن تكون جذرية وخارج الأطر التقليدية لحل الأزمة الراهنة، والتي منها ضرورة فصل قطاع الثروة الحيوانية تمامًا عن وزارة الزراعة، وإنشاء وزارة مستقلة لها، بالتوازي مع تشكيل مجلس أعلى للثروة الحيوانية يضم ممثلين عن لجنة الأمن الغذائي، وشعبة الجزارين، ومنتجي الدواجن والأسماك، وأصحاب المزارع والمصانع.

وشدد على ضرورة فتح قنوات اتصال مباشرة بين رئيس الوزراء ومستوردي ومصنعي الأعلاف، وعند ارتفاع أسعار اللحوم نسأل المستورد والمزارع عن الأسبا، وإذا كانت الرسوم الجمركية يتم رفعها عنه شريطة خفض الأسعار، وإذا استمر التلاعب يمنع الاستيراد العشوائي.

وأضاف: يمكن اللجوء لقرار حاسم شبيه بما اتخذه الرئيس محمد أنور السادات سابقًا بوقف بيع اللحوم لفترة، أو إقرار نظام تشغيل للمجازر والمذابح بواقع 3 أيام عمل و4 أيام إجازة في الأسبوع، هذا القرار سيخفف الضغط على المصانع والأسواق، ويقلل استهلاك الطاقة والكهرباء والمياه، ويساهم في خفض الأسعار حتى تعود لمستوياتها الطبيعية، بالتوازي مع فرض رقابة مشددة على أسواق البدائل كالدواجن والأسماك.

 

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية