رئيس التحرير
عصام كامل

وزير الري الأسبق الدكتور محمد نصر علام لـ"فيتو": سد النهضة جزء من مخطط دولي لتحجيم مصر ولا بدائل لنهر النيل.. السد العالي أنقذ البلاد من مجاعة.. ومصر دخلت مرحلة الفقر المائي منذ التسعينيات

د. محمد نصر علام
د. محمد نصر علام
18 حجم الخط

◄ نصيب الفرد من المياه في مصر يبلغ نحو 500 متر مكعب سنويًا
◄ التوسع الزراعي وحده لا يكفي.. والصناعة ضرورة لتحقيق التنمية
◄ تبطين الترع يحتاج تقييمًا علميًا لقياس العائد الاقتصادي 

 

في ظل استمرار الجدل حول مستقبل الأمن المائي في مصر، وتطورات ملف سد النهضة الإثيوبي، يفتح الدكتور محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، في هذا الحوار ملف المياه بكل أبعاده السياسية والفنية، ويطرح فيه رؤيته لملف سد النهضة، وتصوره لأولويات الدولة في حماية الأمن المائي، مؤكدًا أن قضية المياه ستظل أحد المحددات الرئيسية لمستقبل التنمية والأمن القومي في مصر. “علام” فتح جميع الملفات ذات الصلة، وتكلم بصراحة، ووضع يده على مواطن الخطر. تحدث الوزير الأسبق عن حقيقة دخول مصر مرحلة الفقر المائي، وتراجع حصة الفرد السنوية من المياه، كما تطرق إلى الحديث عن أهمية السد العالي، وصولًا إلى مشروع تبطين الترع والعائد من ورائه.. وكثير من التفاصيل والمحاور المهمة.. فإلى نص الحوار..

- في البداية.. كيف تقيّم إدارة مصر لملف سد النهضة منذ الإعلان عن المشروع عام 2011؟

عند الحديث عن سد النهضة، يعتقد كثيرون أن إثيوبيا بنت السد، وأن مصر تستطيع هدمه في أي وقت، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فالقضية، من وجهة نظري، تتجاوز مجرد إنشاء سد، إذ إن ما تتعرض له مصر يدخل في إطار مخطط كبير لتحجيم دورها، وإذا لم ندرك أبعاد هذا المخطط فسيظل هناك خلط كبير في فهم مستقبل الأمن المائي المصري.

مصر دولة محورية في محيطها الإقليمي، ولها أدوار رئيسية في الحفاظ على استقرار المنطقة، ولولا الدور المصري، لكانت المنطقة بأكملها شهدت اضطرابات أكبر، كما رأينا في التطورات الأخيرة المتعلقة بالمواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج. ومن ثم، فإن أي طرف يسعى لإعادة تشكيل المنطقة أو فرض نفوذه فيها، يدرك أن مصر تمثل حجر العثرة الأساسي أمام هذه المخططات.

وهذا الأمر ليس وليد اليوم، بل يمتد عبر التاريخ منذ الحملات الصليبية مرورًا بالمغول والتتار، ولذلك كان قدر مصر دائمًا أن تتحمل مسؤولية الدفاع عن المنطقة، وأعتقد أن هذه الرسالة ستظل ملازمة لها.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديد للأمن المائي المصري أو لاستقرار الدولة هو، في تقديري، جزء من مخطط دولي يستهدف تحجيم مصر.

وعند الحديث عن المياه، لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، من خلال إنشاء السد العالي، إلى جانب اتفاقية عام 1959 التي زادت حصة مصر المائية، أسهم في حماية البلاد من أوضاع كانت ستكون شديدة الخطورة، فلو لم يُنشأ السد العالي، لواجهت مصر اليوم أزمة مائية وغذائية حقيقية، سواء بسبب التوسع الزراعي أو بسبب عدم وجود مخزون استراتيجي يؤمّن احتياجاتها.

والكثيرون يتحدثون اليوم عن القلق على حصة مصر المائية، لكنهم لا يتساءلون: ماذا كان سيحدث لو لم يكن لدينا السد العالي؟ بالتأكيد كانت التحديات ستكون أكبر بكثير.

وينطبق الأمر نفسه على قناة السويس، فلو لم تُؤمم وتصبح تحت السيادة المصرية، لما كانت اليوم أحد أهم مصادر الدخل القومي، فضلًا عن أهميتها الاستراتيجية والسياسية.

ولذلك أرى أن بعض من يتناولون هذه الملفات ينظرون إليها بمنظور محدود، يركز على مهاجمة الدولة، دون إدراك أن مصر تمثل ركيزة الاستقرار في المنطقة، وأن لديها مقومات رئيسية، مثل الجيش، والشعب المتجانس، وموقعها الاستراتيجي، وهي عوامل حافظت على استمرار الدولة المصرية لآلاف السنين.

أما فيما يتعلق بسد النهضة، فأرى أن الهدف الأساسي منه هو تحجيم حصة مصر المائية، والحد من فرص زيادتها مستقبلًا، حتى إذا افترضنا أن إثيوبيا التزمت بعدم الإضرار بمصر.

ومع ذلك، فإن الضرر يمكن أن يقع في أي وقت، وقد حدث بالفعل خلال العام الماضي، سواء كان ذلك نتيجة سوء الإدارة أو سوء تشغيل السد، وهو ما ألحق أضرارًا بالسودان ومصر.

- ما خطورة سنوات الفيضان المنخفض في ظل وجود سد النهضة؟

من حسن الحظ أن معدلات الفيضان، منذ وضع حجر أساس السد وحتى الآن، كانت متوسطة أو أعلى من المتوسط، لكن إذا تعرضنا لسنوات فيضان منخفضة، فستظهر الأزمة بشكل أكبر، فسنوات الفيضان المنخفض قد تؤدي إلى انخفاض الإيراد السنوي للنيل بما يتراوح بين 15 و20 مليار متر مكعب، وإذا استمرت لمدة 7 سنوات، فإن حجم العجز قد يتجاوز 100 مليار متر مكعب، أي أكثر من المخزون الاستراتيجي للسد العالي، الذي يبلغ نحو 90 مليار متر مكعب، والمخصص لتأمين احتياجات مصر خلال فترات الجفاف.

كما أن وجود سد النهضة يزيد من حجم المشكلة، لأنه يحجز المياه، ويتسبب في فاقد بالبخر يتراوح بين 5 و7 مليارات متر مكعب سنويًا، بخلاف فواقد التسرب إلى باطن الأرض.
وهذا يعني انخفاض كمية المياه التي تصل إلى مصر والسودان، حتى في حال عدم استخدام إثيوبيا أي كميات من المياه، لأن هذه الفواقد وحدها تؤثر في الإيراد السنوي للنهر، وسيكون أثرها أكثر وضوحًا خلال سنوات الجفاف والفيضان المنخفض.


- هل ترى أن مصر ارتكبت أخطاء خلال تعاملها مع أزمة سد النهضة منذ بدايتها؟

لا أعتقد ذلك، هناك من يتحدث كثيرًا عن وجود أخطاء أو تنازلات في إدارة الملف، لكنني لا أرى أن مصر ارتكبت أخطاء أو قدمت أي تنازل حتى الآن، ومن يرى غير ذلك، فعليه أن يحدد بوضوح ما هي هذه الأخطاء.

- هل كان من الممكن، من خلال بنود الاتفاقيات، منع بناء السد أو الحد من أضراره على مصر؟

علينا أولًا أن نتذكر توقيت بناء السد، فقد بدأ المشروع خلال أحداث عام 2011، وهي الفترة التي كانت مصر منشغلة فيها بالأوضاع الداخلية، فإن ما جرى في تلك المرحلة لم يكن مجرد ظروف عادية، بل جاء في إطار ما أسميه مخططًا أكبر، فحين ننظر إلى الصورة الكاملة، نجد أن وضع حجر أساس السد تزامن مع انشغال المصريين بأحداث ميدان التحرير، وهو ما جعل من الصعب على الدولة اتخاذ إجراءات تمنع تنفيذ المشروع.

ومنذ ذلك الوقت، وحتى اليوم، ما زلنا نتحمل التداعيات السياسية والاقتصادية لهذا الملف.

لذلك، وفي تقديري، لم يكن بإمكان مصر أن تفعل أكثر مما فعلته في تلك الظروف، لأن الأمر لم يكن متعلقًا بإثيوبيا وحدها، وإنما جاء في إطار مخطط دولي يستهدف تحجيم مصر والحد من قدراتها على النمو، باعتبار أن نمو الدولة المصرية يمثل، في نظر القائمين على هذا المخطط، تهديدًا لمشروعات السيطرة على المنطقة.


- كيف تقيّم اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015؟

في تقديري، لم يكن إعلان المبادئ نابعًا من رغبة مصرية خالصة، وإنما فُرض على مصر في ظل الظروف القائمة آنذاك.

وفيما يتعلق بمضمونه، فإن الإعلان لم يمنح إثيوبيا أكثر من الاعتراف بحقها في إنشاء سد على أراضيها، وهو حق تكفله القواعد الدولية، لكن بشرط أساسي يتمثل في عدم الإضرار بالحقوق أو الحصص المائية للدول الأخرى، وهذا المبدأ ما زالت مصر تتمسك به حتى الآن.

بل إن إعلان المبادئ أصبح أحد الأسس التي استندت إليها مصر في مطالبتها باتفاق قانوني مُلزم بشأن ملء وتشغيل السد، وهو أيضًا الأساس الذي استندت إليه الشكوى المصرية أمام مجلس الأمن، والتي طالبت فيها القاهرة بالالتزام بما ورد في الإعلان، وعلى رأسه ضرورة التوصل إلى اتفاق ينظم عمليتي الملء والتشغيل، مع الحفاظ على الحقوق المائية للدول الواقعة على نهر النيل.

ورغم أنني، وقت توقيع إعلان المبادئ، أشرت إلى أن صياغته لم تكن الأفضل، فإنني لا أرى أن الإعلان ترتبت عليه حتى الآن آثار سياسية أو قانونية أضرت بالموقف المصري.

وقد يختلف البعض معي، ويرى أنه لم يكن ينبغي الاعتراف بالسد من الأساس، لكنني أتساءل: إذا لم تعترف مصر بالسد، فما البديل؟ وهل كان عدم الاعتراف سيمنع إنشاءه؟ وهل كان الخيار المطروح هو الدخول في حرب؟

- هل كان من حق إثيوبيا، وفقًا للقانون الدولي، بناء سد على أراضيها؟

بالتأكيد، فمن حق أي دولة من دول حوض النيل إنشاء سدود على أراضيها، شريطة ألا يترتب على ذلك أي ضرر للدول الأخرى.

ومبدأ عدم الإضرار يُعد أحد البنود الأساسية الواردة في إعلان المبادئ، كما أنه من المبادئ المستقرة في القانون الدولي المنظم لاستخدام الأنهار المشتركة، ولا تستطيع أي دولة أن تتجاهله.

لكنني أكرر أن القضية، من وجهة نظري، لا تتعلق بإثيوبيا وحدها، وإنما بوجود أطراف تستخدمها للضغط على مصر، وتطرح مواقف لا تستند إلى قواعد قانونية أو سياسية، فضلًا عن أنها غير قابلة للتنفيذ.

- متى يمكن أن يتحول الخلاف حول المياه إلى تهديد للأمن القومي؟

إذا وصل الأمر إلى المساس بحصة مصر المائية، أو إلى احتجاز كميات كبيرة من المياه بما يهدد الأمن المائي المصري، فإن المنطقة كلها ستواجه مشكلات كبيرة، ومصر بطبيعتها تنتهج سياسة هادئة، ولا توجد دولة ترغب في خوض الحروب، لكن إذا تحول الأمر إلى تهديد مباشر للشعب المصري، بحيث لا تتوافر مياه الشرب أو مياه الزراعة، فإن الحرب لن تصبح خيارًا، وإنما ضرورة، وفي هذه الحالة لن يكون ذلك في مصلحة أي طرف.

- هل ترى أن إطالة أمد المفاوضات كانت في صالح إثيوبيا؟

بالطبع، فما حدث كان جزءًا من مخطط متكامل.
فأحداث 2011، ووضع حجر أساس السد، والتطورات اللاحقة، كلها جاءت في سياق واحد.

كما أن السعة التخزينية للسد شهدت أكثر من تعديل؛ إذ كانت قبل الثورة في حدود 15 مليار متر مكعب، ثم طُرحت سعة تبلغ 90 مليار متر مكعب، قبل أن تستقر عند نحو 70 مليار متر مكعب.

وهذه التعديلات، في تقديري، تعكس وجود بدائل وخطط مختلفة، إلى جانب احتمالات إنشاء سدود أخرى مستقبلًا.

وفي الوقت نفسه، نسمع تصريحات إثيوبية تتحدث عن تصدير القمح، وتحقيق مليارات من عائداته، وأن إثيوبيا أصبحت من أكبر الدول المصدرة للقمح في أفريقيا، ومن بين أكبر الدول المصدرة عالميًا.

وهنا يبرز سؤال منطقي: إذا كانت إثيوبيا تؤكد أنها تحتاج إلى المياه من أجل الزراعة، فكيف أصبحت في الوقت نفسه دولة مصدرة للقمح، بينما تستورد مصر نحو نصف احتياجاتها الغذائية؟

لذلك أرى أن القضية لا تتعلق بنقص المياه، لأن إثيوبيا تمتلك موارد مائية هائلة، فضلًا عن مخزون كبير من المياه الجوفية، إلى جانب الأنهار الأخرى المشتركة مع كينيا والصومال وغيرها.

ومن ثم، فإن المسألة، في تقديري، ليست أزمة مياه، وإنما جزء من هدف دولي لتحجيم مصر.

وهذا النهج ليس جديدًا، بل يعود إلى فترات الاحتلال البريطاني، وما قبلها، حيث كان التحكم في مصر يتم دائمًا عبر التحكم في مياه النيل، باعتبارها المحدد الرئيسي لنمو الدولة والشعب.

ولهذا أرى أن القضية ليست مرتبطة بإرادة إثيوبيا وحدها أو بالشعب الإثيوبي، وإنما ترتبط بمخطط دولي يستهدف الحد من قوة مصر، لأن الدور المصري في استقرار المنطقة لا يُراد له أن يتجاوز سقفًا معينًا.

- هل دخلت مصر بالفعل مرحلة الفقر المائي؟

نعم، مصر دخلت مرحلة الفقر المائي منذ القرن الماضي، ومعيار الفقر المائي هو أن يقل نصيب الفرد عن 1000 متر مكعب سنويًا، بينما يبلغ نصيب الفرد في مصر حاليًا نحو 500 متر مكعب فقط، أي أقل بكثير من الحد المعترف به دوليًا.

وقد وصلت مصر إلى هذا المستوى منذ تسعينيات القرن الماضي، نتيجة الزيادة السكانية الكبيرة، إلى جانب محدودية الموارد المائية والاقتصادية.

ولذلك، فإن الدولة بحاجة إلى تنويع مصادر الدخل القومي، حتى تستطيع تلبية احتياجات هذا العدد المتزايد من السكان.

ولا شك أن الزراعة والري يمثلان ضرورة لا غنى عنها لتحقيق الأمن الغذائي، لكنهما وحدهما لا يكفيان لإطعام الشعب المصري.

ومن هنا، يصبح التوسع في الصناعة ضرورة حتمية، إلى جانب الاستفادة من قطاع التعدين، لأن الصناعة هي القادرة على توفير التمويل اللازم لدعم الاقتصاد المصري وتحقيق التنمية.

- كيف ترى مستقبل حصة مصر من مياه النيل خلال السنوات المقبلة؟

مستقبل حصة مصر من مياه النيل يرتبط، في تقديري، بمدى قوة الدولة المصرية.

فكلما ازدادت قوة مصر، أصبحت أكثر قدرة على تأمين حقوقها المائية، بل ويمكنها أيضًا العمل على زيادة إيراد نهر النيل لصالح جميع شعوب دول الحوض، من خلال تنفيذ مشروعات استقطاب الفواقد.

لكن ما نراه حاليًا أن حتى جنوب السودان أصبح أقرب إلى الموقف الإثيوبي وإلى التوجه الغربي الرافض لإقامة مثل هذه المشروعات.

ومشروعات استقطاب الفواقد يمكن أن تضاعف إيراد النهر بما يعود بالنفع على جميع دول الحوض، لكنني أرى أن الهدف الأساسي من تعطيل هذه المشروعات هو منع مصر من الحصول على كميات إضافية من المياه.

بل إنني أقول دائمًا: إذا كانت هناك دولة لديها تحفظ على زيادة حصة مصر، فيمكن تنفيذ هذه المشروعات على نفقة مصر، على أن تحصل تلك الدولة على 80% من المياه الإضافية، وتحصل مصر على 20% فقط.

ومع ذلك، لن يلقى هذا الطرح قبولًا، وفي رأيي، فإن السبب لا يعود إلى موقف دول حوض النيل نفسها، وإنما إلى التوجه الغربي المسيطر على هذه الملفات، والذي لا يرغب في زيادة حصة مصر المائية، لأن ذلك يعني زيادة قوة الدولة المصرية وتعزيز مكانتها الإقليمية.

- هل تمتلك مصر بدائل حقيقية لمياه النيل؟

لا، لا تمتلك مصر بدائل حقيقية لمياه النيل، فنحن دولة تقع في نهاية مجرى النهر، ولا نعتمد على أمطار، كما أن المياه الجوفية المتاحة محدودة وغير متجددة، ولو كانت هناك بدائل حقيقية، لما أصبح من الممكن استخدام مياه النيل كورقة ضغط على مصر.

فمن يتحكم في مياه النيل، يتحكم عمليًا في حياة نحو 110 ملايين مواطن، ولذلك يمثل النيل نقطة الارتكاز الأساسية للأمن القومي المصري.

- ما أبرز التحديات التي تواجه وزارة الموارد المائية والري في الوقت الحالي؟

التحدي الأكبر يتمثل في أن مصر تعتمد على حصة مائية ثابتة، في الوقت الذي يشهد فيه عدد السكان زيادة مستمرة.
وهذا يفرض ضرورة ترشيد استخدام المياه، والعمل على تعظيم العائد من كل متر مكعب.

فعلى سبيل المثال، إذا كان الفدان ينتج 15 أردبًا، فيجب أن ترتفع إنتاجيته إلى 20 أردبًا، لأن كمية المياه لم تتغير، بينما يزداد عدد السكان عامًا بعد عام.

ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن توفير الغذاء لهذا العدد المتزايد من المواطنين في ظل محدودية الموارد؟ كما أن قدرة الدولة على الاستيراد ليست مفتوحة، خاصة مع الأعباء الاقتصادية الحالية، وما يرتبط بها من ديون والتزامات مالية.

ولذلك، فإن التعاون بين وزارتي الري والزراعة أصبح ضرورة لتحقيق أعلى إنتاجية ممكنة من وحدة المياه، باعتبارها المورد الأكثر ندرة في مصر.

- كيف يمكن تحقيق التوازن بين التوسع الزراعي ومحدودية الموارد المائية؟

هناك حديث متكرر عن أن المشروعات الزراعية الجديدة تعتمد على إعادة استخدام مياه الصرف، لكنني أرى أن الطموحات المطروحة في هذا الملف تتجاوز ما يمكن تحقيقه عمليًا، فحتى بعد معالجة مياه الصرف، لا بد من خلطها بكميات من المياه العذبة حتى تصبح صالحة للاستخدام على المدى الطويل، وإلا ستتعرض الأراضي الزراعية للتلوث وزيادة نسبة الملوحة، ولهذا السبب، فإن تحقيق توسع زراعي حقيقي لن يكون ممكنًا إلا من خلال زيادة حصة مصر من مياه النيل.

وبعد توفير المياه العذبة، يمكن تعظيم الاستفادة منها عبر إعادة استخدام المياه الناتجة عن الاستخدام الأول.

فإذا كانت لدينا، على سبيل المثال، 10 مليارات متر مكعب من المياه، وأنتج استخدامها 3 أو 4 مليارات متر مكعب من المياه القابلة لإعادة الاستخدام، يمكن حينها الاستفادة من الكمية الأصلية، إلى جانب المياه المعاد استخدامها، بما يحقق أقصى استفادة ممكنة، أما الاعتماد على مياه الصرف وحدها، فلن يحقق الاستخدام الأمثل، ولن يكون كافيًا لتحقيق الطموحات التي يُتحدث عنها حاليًا.

- ما تقييمك لمشروع تبطين الترع من الناحية الفنية؟

من الناحية الفنية، يرتبط قرار تبطين الترع بطبيعة التربة.
فعندما كنا ندرس هندسة الري بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، كان الأساس العلمي يقول إن التربة الطينية لا تحتاج إلى تبطين، بينما التربة الرملية تحتاج إليه لتقليل الفواقد.

كما أن هناك أكثر من نوع للتبطين؛ فهناك التبطين بالحجارة، وهو الأقل تكلفة، والحجارة متوافرة في مصر، وهناك التبطين الخرساني، بالإضافة إلى أنواع أخرى تختلف في تكلفتها.

واختيار نوع التبطين يعتمد على طبيعة التربة، كما حدث في مشروع توشكى، حيث استدعت طبيعة الأرض استخدام التبطين الخرساني.

أما في معظم الأراضي المصرية، فكنا نعتمد على الحجر الجيري في التبطين، ولذلك أرى أن التوسع في استخدام الخرسانة بالشكل الذي تم قد يكون مبالغًا فيه من حيث التكلفة.

ورغم ذلك، فإن أهمية التبطين لا تقتصر فقط على تقليل تسرب المياه، كما يعتقد البعض، وإنما تمتد إلى معالجة مشكلة أكثر أهمية، وهي تشوه قطاعات الترع نتيجة أعمال التطهير المتكررة.

فمع إزالة الحشائش والرواسب عامًا بعد عام، يتغير شكل قطاع الترعة، وقد يتحول من 10 أمتار مربعة إلى 20 مترًا مربعًا بعد خمس أو ست سنوات نتيجة زيادة العرض.

وهذا يؤدي إلى انخفاض منسوب المياه داخل الترعة، فبدلًا من أن يصل إلى متر ونصف أو مترين، قد ينخفض إلى نحو 50 سنتيمترًا.

ولأن إدارة المياه في مصر تعتمد على المناسيب وليس على الكميات، فإن أي خلل في المنسوب يؤثر مباشرة في تشغيل جميع المنشآت المائية، ويجعل من الصعب نقل المياه من ترعة إلى أخرى.

ولتعويض هذا الانخفاض، تضطر الدولة إلى ضخ كميات إضافية من المياه، ينتهي جزء كبير منها إلى المصارف، وهو ما يمثل هدرًا للمورد المائي، لذلك، فإن الفائدة الأساسية من التبطين ليست فقط الحد من التسرب، وإنما إعادة قطاع الترعة إلى أبعاده التصميمية الأصلية.

فإذا كانت الترعة تحتاج في وضعها الطبيعي إلى 4 وحدات مياه، لكنها أصبحت تحتاج إلى 10 وحدات بسبب تشوه القطاع، فإن التبطين يعيدها إلى احتياجاتها الأصلية، وهو ما يوفر نحو 6 وحدات مياه كانت تُهدر دون داعٍ.

ومن هنا، فإن الهدف الفني الرئيسي من تبطين الترع في الأراضي الطينية هو إعادة كفاءة القطاع المائي إلى حالته الأصلية.

س: وهل حقق مشروع تبطين الترع العائد الاقتصادي المرجو مقارنة بتكلفته؟

لا أستطيع إصدار حكم نهائي في هذا الشأن، لأن الأمر يحتاج إلى تقييم علمي دقيق، فلا بد من إجراء قياسات ومقارنات بين الوضع قبل التنفيذ وبعده، وللأسف، فإن ثقافة تقييم المشروعات لا تزال ضعيفة في معظم الدول النامية.

وفي رأيي، كان من الأفضل تنفيذ المشروع على مراحل، بحيث يتم تقييم نتائج كل مرحلة، والاستفادة منها في تطوير المراحل التالية، بما يحقق أفضل عائد اقتصادي ممكن.

ونظريًا، نحن نعلم أن للتبطين فوائد مهمة، مثل تقليل الفاقد من المياه وضمان وصولها إلى جميع المنتفعين، سواء في بداية الترعة أو نهايتها.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل تحققت هذه النتائج عمليًا؟ وبأي درجة من الكفاءة؟ والإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى دراسات ميدانية شاملة، ومسوح كاملة للترع ولمستخدمي المياه، حتى يمكن تقييم التجربة بصورة علمية.

أما من الناحية النظرية، فالفوائد واضحة، لكن من الناحية العملية لا يمكن إصدار حكم دقيق دون وجود نتائج تقييم موثقة.

- في رأيك، ما أهم القرارات التي يجب أن تتخذها الدولة لحماية مستقبل المياه في مصر؟

أرى أن الهدف الأول الذي يجب أن يعمل عليه كل مسؤول في الدولة، بدءًا من رئيس الجمهورية وحتى أصغر مسؤول في قطاع الري، هو تعظيم حصة مصر المائية.

وهذا هدف حتمي، سواء اليوم أو في المستقبل، ولن يتحقق إلا من خلال تعظيم التعاون مع دول حوض النيل.

وأرى أن تحركات القيادة السياسية في هذا الاتجاه مهمة، لكن المطلوب هو توسيع هذا التعاون بما يسمح بتنفيذ مشروعات لاستقطاب فواقد النهر، بما يحقق مصلحة جميع دول الحوض، وفي مقدمتها مصر.

ويجب أن ندرك أن وضع مصر المائي يختلف تمامًا عن بقية دول الحوض، فنصيب الفرد في مصر لا يتجاوز 500 متر مكعب سنويًا، بينما لا يقل نصيب الفرد في أقل دول حوض النيل عن 3 أو 4 آلاف متر مكعب سنويًا، أي عدة أضعاف ما يحصل عليه المواطن المصري.

ولهذا السبب، فإن دول الحوض لا تشعر بحجم الأزمة التي تواجهها مصر، خاصة أنها تتمتع أيضًا بالأمطار، في حين تعتمد مصر بصورة شبه كاملة على مياه نهر النيل القادمة من خارج حدودها.

كما أن مصر دولة تسعى إلى التنمية، وتمتلك قطاعات صناعية وتعدينية وأنشطة اقتصادية متنوعة، ولذلك فإن المياه تمثل المحدد الأساسي للنشاط الاقتصادي ولخطط التوسع والتنمية.
وللأسف، يتعامل كثيرون مع المياه باعتبارها أمرًا مسلمًا به، بينما هي في الحقيقة مورد استراتيجي بالغ الحساسية، وهناك أطراف تدرك جيدًا أهمية هذا المحدد وتسعى إلى إبقائه عامل ضغط على الدولة المصرية.

ولهذا، فإنني أرى أن المطلوب هو إدراك هذه الحقيقة على المستويات السياسية والأمنية والثقافية، لأن المياه تظل المحدد الرئيسي لحركة الدولة المصرية اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.

 

نقلا عن العدد الورقي 

الجريدة الرسمية