رئيس التحرير
عصام كامل

من مشروع عالمي إلى صفقة مثيرة للجدل.. الأسئلة المسكوت عنها في ملف “جبل الزيت”

مشروع جبل الزيت
مشروع جبل الزيت
18 حجم الخط

قبل أيام قليلة، وتحديدا في الثامن من يونيو، شهد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي توقيع اتفاقيتي استثمار وتشغيل وشراء الطاقة لمحطة رياح جبل الزيت بقدرة 580 ميجاوات مع شركة "ألكازار" الإماراتية، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 420 مليون دولار.

وبحسب البيانات الرسمية، التي تم الإعلان عنها، ستتولى الشركة تشغيل وإدارة وتطوير المحطة مع تنفيذ أعمال إحلال وتجديد ورفع كفاءة، بينما تلتزم الشركة المصرية لنقل الكهرباء بشراء كامل الطاقة المنتجة من المشروع.

لكن بعيدًا عن البيانات الحكومية التي قدمت الاتفاق باعتباره نموذجًا ناجحًا للشراكة مع القطاع الخاص، فتح الإعلان بابًا واسعًا من الجدل حول مصير واحد من أهم أصول الطاقة المتجددة في مصر، وأعاد طرح سؤال قديم يتكرر مع كل برنامج طروحات جديد: هل تعاني الحكومة من أزمة في تسويق الأصول أم من أزمة في إدارتها؟

مشروع جبل الزيت 
مشروع جبل الزيت 

أين يقع جبل الزيت؟

ولكي نعرف حجم الأزمة، لايد أن نعرف أولا:  لماذا يعد جبل الزيت مشروعًا استثنائيًا؟

يقع مشروع جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر، في واحدة من أفضل مناطق العالم لسرعات الرياح، وتبلغ قدرته الإنتاجية 580 ميجاوات عبر مئات التوربينات الممتدة على مساحة ضخمة، ما جعله لسنوات أحد أهم مشروعات الطاقة النظيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ولم يكن المشروع مجرد محطة كهرباء تقليدية، بل مثل نموذجًا لقدرة الدولة المصرية على تنفيذ مشروعات بنية تحتية ضخمة في قطاع الطاقة المتجددة، كما حظي المشروع بإشادات دولية خلال سنوات تشغيله، وأصبح أحد أهم مكونات استراتيجية التحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

لهذا السبب تحديدًا، لم يُنظر إلى الصفقة الأخيرة باعتبارها عملية استثمار عادية، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة في التعامل مع الأصول الاستراتيجية.

 

سبب الاعتراض على بيع محطة جبل الزيت

الاعتراض الرئيسي لا يتعلق بدخول القطاع الخاص أو الاستثمار الأجنبي في حد ذاته، بل يتعلق بالتوقيت وطريقة التنفيذ والتقييم المالي للأصل.

فالحكومة تقول إن الصفقة ستجلب استثمارات جديدة بقيمة 420 مليون دولار، وتسمح بتحديث المحطة ورفع كفاءتها التشغيلية، كما تؤكد أن الشراكة ستساعد على تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة.

أما المنتقدون فيرون أن جبل الزيت ليس مشروعًا متعثرًا يحتاج إلى إنقاذ، بل أصل قائم بالفعل ويعمل منذ سنوات، وبالتالي فإن السؤال الطبيعي يصبح: لماذا يتم نقل تشغيل وإدارة أصل ناجح بدلًا من الاستفادة من عوائده المستقبلية بشكل مباشر؟

 

أسئلة مشروعة حول صفقة بيع جبل الزيت

تكشف مراجعة ملف الطروحات الحكومية خلال السنوات الأخيرة عن أزمة متكررة في تسويق الأصول العامة، ففي معظم الحالات، تتحرك الحكومة تحت ضغط الحاجة إلى تدفقات دولارية سريعة، ما يضعها في موقف تفاوضي أضعف أمام المستثمرين، والنتيجة أن الدولة تبدو وكأنها تبيع أو تمنح امتيازات تشغيل لأصول قائمة بالفعل بدلًا من جذب استثمارات جديدة بالكامل تضيف طاقات إنتاجية إضافية للاقتصاد.

وفي حالة جبل الزيت تحديدًا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان من الممكن طرح نسبة من المشروع في البورصة المصرية؟ هل كان يمكن إنشاء صندوق استثماري للطاقة المتجددة يشارك فيه المصريون والمؤسسات المحلية؟ وهل جرى اختبار بدائل تمويل أخرى قبل الوصول إلى نموذج التشغيل الحالي؟

حتى الآن، لم تقدم الحكومة إجابات تفصيلية للرأي العام حول هذه البدائل.

 

التناقض الأكبر في صفقة جبل الزيت

المفارقة أن الدولة المصرية تعلن باستمرار أن الطاقة المتجددة تمثل أحد أهم قطاعات النمو المستقبلية، وأن مصر تستهدف التحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، لكن في الوقت نفسه، تتجه إلى منح تشغيل واحد من أهم أصولها في هذا القطاع لمستثمر أجنبي.

هذا التناقض يثير تساؤلات حول الاستراتيجية طويلة الأجل: إذا كانت طاقة الرياح والطاقة الشمسية هي مستقبل الاقتصاد المصري، فلماذا يجري تقليص الحصة التشغيلية للدولة في بعض أبرز الأصول القائمة بالفعل؟

ما الذي تقوله الحكومة في ملف “جبل الزيت”؟

وفق البيانات الرسمية، فإن الاتفاق لا يقتصر على التشغيل فقط، بل يشمل تحديث المحطة ورفع كفاءتها، مع الحفاظ على القدرة المركبة البالغة 580 ميجاوات كحد أدنى. كما تؤكد الحكومة أن المشروع يأتي في إطار توسيع مشاركة القطاع الخاص وتعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة.

ومن هذا المنظور، ترى الحكومة أن الصفقة ليست "بيعًا للأصل" بالمعنى التقليدي، بل شراكة استثمارية تستهدف زيادة الكفاءة وتحسين العائد الاقتصادي.

 

أسئلة بلا إجابات في صفقة جبل الزيت

ورغم الرواية الرسمية، تبقى عدة أسئلة دون إجابات كافية أهمها: ما القيمة الاقتصادية الفعلية للمحطة إذا استمرت الدولة في تشغيلها بنفسها؟، وكيف تم احتساب قيمة الصفقة البالغة 420 مليون دولار؟، وما العائد المتوقع للمستثمر مقارنة بالعائد الذي كانت الدولة ستحققه؟، وما هي الالتزامات المالية المستقبلية المترتبة على اتفاقية شراء الطاقة؟، ووهل تم نشر دراسة جدوى مقارنة بين سيناريو الاحتفاظ بالمحطة وسيناريو نقل تشغيلها؟

غياب هذه التفاصيل هو ما يغذي الجدل الحالي أكثر من الصفقة نفسها، ويفتح بابا لا يغلق من التساؤلات، والغمز واللمز، وفي بعض الأحوال الاتهامات، التي كان يمكن تجنبها لو تعاملت الحكومة بشفافية أكبر مع الملف.

قد تنجح الحكومة في الدفاع عن الصفقة بالأرقام خلال السنوات المقبلة، وقد تثبت التجربة أن المستثمر الجديد رفع كفاءة المشروع وزاد إنتاجيته، لكن المؤكد أن الطريقة التي أُدير بها الملف حتى الآن كشفت عن مشكلة مزمنة في التواصل والشفافية وتسويق الأصول الوطنية.

الجريدة الرسمية