رئيس التحرير
عصام كامل

قبل استطلاع هلاله، اعرف الحكمة من اعتبار أول شهر المحرم بداية العام الهجري

شهر محرم، فيتو
شهر محرم، فيتو
18 حجم الخط

تستطلع دار الإفتاء المصرية، مساء اليوم الإثنين، هلال شهر المحرم لعام 1448 هجريًا، من خلال اللجان الشرعية والعلمية المنتشرة بمختلف أنحاء الجمهورية، برئاسة الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، تمهيدًا للإعلان الرسمي عن بداية العام الهجري الجديد.

وفي هذا السياق ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه: "سمعت أحد الخطباء يقول: إن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت في شهر ربيع الأول؟ فهل هذا صحيح؟، وإن صح ذلك فلماذا تم اعتبار أول شهر المحرم بداية السنة الهجرية؟"، وجاء رد الدار على هذا السؤال كتالي: 

الحكمة من اعتبار أول شهر المحرم بداية العام الهجري

بداية العام الهجري في أول شهر المحرم ليس هو يوم هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قد يُظَنُّ؛ بل كانت هجرته صلى الله عليه وآله وسلم، في ربيع الأول، وإنما كان العزمُ على الهجرة والاستعداد لها في استهلال المحرم بعد الفراغ من موسم الحج الذي وقعت فيه بيعة الأنصار، ومن هنا كان اعتبار أول شهر المحرم بداية العام الهجري.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (7/ 268، ط. دار المعرفة): [وإنما أخَّرُوه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأنَّ ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة فكان أوّل هلال استهلَّ بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم] اهـ.

فضل شهر الله المحرم

من الشهور المفضلة التي اختصها الله سبحانه وتعالى وأَوْلَاها منزلة عظيمة: شهر الله المحرم، ومما فُضِّل به شهر المحرم أنه أحد الأشهر الحُرم التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]. والمقصود بالأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، فعن أبي بَكْرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» رواه البخاري ومسلم.

ومما يُميِّزُ شهر المحرم أيضًا أن فيه يوم عاشوراء وهو اليوم الذي نَجَّى اللهُ فيه سيدَنا موسى عليه السلام ومَن مَعَهُ مِن بطش عدُوِّهم؛ قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [طه: 80].

وقد ورد الأمر الشرعي بالتذكير بأيَّام الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، ومِن أيَّام الله تعالى: الوقائع العظيمة التي مَنَّ الله فيها على عباده بتفريجِ كُربةٍ أو تأييدٍ بنصرٍ أو نحوهما، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم عاشوراء ويأمر بصيامه؛ شكرًا لله تعالى وفرحًا واحتفاءً واحتفالًا بنجاة أخيه سيدنا موسى عليه السلام؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. متفق عليه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَان» رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم.

وصيام يوم عاشوراء فيه نفحةٌ ربانيةٌ، حيث يُكفِّر ذنوب سَنَةٍ قَبْلَه؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» أخرجه الإمام مسلم.

اختصاص تسمية شهر المحرم بشهر الله

قد خَصَّ النبي صلى الله عليه وسَلَّم شهر المحرَّم بلَقبٍ شريفٍ بأن سمَّاه "شهر الله"، وفيه يوم تاب الله فيه على قومٍ ويُتاب فيه على آخرين كما جاء عن النعمان بن سعد قال: أَتَى عَلِيًّا رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي بِشَهْرٍ أَصُومُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ، قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ رَجُلٍ سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنْ كُنْتَ صَائِمًا شَهْرًا بَعْدَ رَمَضَانَ فَصُمِ الْمُحَرَّمَ، فَإِنَّهُ شَهْرُ اللهِ، وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ اللهُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، وَيُتَابُ عَلَى آخَرِينَ» أخرجه الأئمة الترمذي، وأحمد والبيهقي في "شُعبِ الإيمان" -واللفظ له.

قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (4/ 1411، ط. دار الفكر): [ قال الطيبي: أراد بصيام شهر الله صيام يوم عاشوراء. اهـ. فيكون من باب ذكر الكل وإرادة البعض، ويمكن أن يقال: أفضليته لما فيه من يوم عاشوراء، لكن الظاهر أن المراد جميع شهر المحرم] اهـ.

 

الجريدة الرسمية