رئيس التحرير
عصام كامل

هل يشعل التصعيد حول تايوان أزمة تهدد التجارة العالمية والصراع بين القوى الكبرى؟

مضيق تايوان ساحة
مضيق تايوان ساحة اختبار كبرى لميزان القوى
18 حجم الخط

لا يقتصر التصعيد حول تايوان على كونه نزاعا سياديا بين بكين وتايبيه أو ساحة تنافس بين الصين والولايات المتحدة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية، فمع تزايد الحضور العسكري والتحركات البحرية في محيط الجزيرة، تتداخل الحسابات الأمنية مع المصالح التجارية في مضيق تايوان، والذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وعلى مدى الساعات الماضية، تصاعدت التوترات حول تايوان بعدما نفذت الصين عملية بحرية خاصة ردا على ما وصفته بـ"إعلان اليابان والفلبين بدء مفاوضات لترسيم الحدود البحرية في المنطقة"".

واعتبرت تايوان التحرك الصيني انتهاكا للقانون الدولي، بينما أكدت بكين أن المفاوضات اليابانية-الفلبينية تمس سيادتها وحقوقها البحرية.

ووفق وكالة شينخوا، شاركت عدة هيئات بحرية صينية في العملية التي هدفت إلى تعزيز الدوريات البحرية، ومراقبة حركة السفن، وضمان سلامة الملاحة، وحماية المصالح الوطنية الصينية في المياه المتنازع عليها.

ويجعل هذا التداخل أي تصعيد محتمل أكثر خطورة، إذ لا يهدد فقط الاستقرار الإقليمي، بل قد ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية وتدفقات الطاقة وحركة الشحن البحري التي تربط اقتصادات آسيا بالأسواق العالمية.

كيف يهدد الصراع حول تايوان حركة الشحن العالمية؟

ويؤثر التوتر العسكري في تايوان على حركة الشحن العالمية بصورة كبيرة، حيث يمثل مضيق تايوان، وهو ممر مائي استراتيجي يفصل بين البر الرئيسي للصين وجزيرة تايوان، ويبلغ طوله حوالي 180 كم ويتراوح عرضه بين 130 كم و160 كيلومترا في أضيق نقاطه، على حركة الملاحة العالمية.

ويعتبر مضيق تايوان ممرا بحريا حيويا تعبره نسبة كبيرة من سفن الشحن العالمية والحاويات التي تربط آسيا بالأسواق الغربية والخليج، ويمثل شريانا أساسيا لعبور ناقلات النفط والتجارة الدولية الحيوية، فيما تستثمر تايوان في بناء مشاريع ضخمة لمزارع رياح بحرية داخل مياه المضيق.

وعلى الرغم من أن مضيق تايوان لا يحظى بنفس أهمية مضيق هرمز، والذي يعد شريان الطاقة العالمي الأساسي الذي يعتمد عليه العالم في إمدادات النفط والغاز، إلا أن مضيق تايوان يمثل أهمية لا يستهان بها باعتباره هو الشريان المحوري للتجارة الدولية والصناعة التكنولوجية المتقدمة. ويمر عبره نحو نصف أسطول سفن الحاويات العالمي. كما يمثل ممرا أساسيا يربط الاقتصادات الصناعية الآسيوية (الصين، اليابان، كوريا الجنوبية) بباقي العالم.

كما يكتسب مضيق تايوان أهمية استثنائية لكونه ممر العبور الأهم لأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية التي تصنعها تايوان، والتي تعتمد عليها كافة الصناعات التكنولوجية حول العالم.

ما هي أهمية تايوان بالنسبة للولايات المتحدة؟

وتتمثل الأهمية الاستراتيجية لتايوان في اقتصادها التكنولوجي؛ حيث تعد مركزا عالميا لصناعة الرقائق الإلكترونية –أو ما يعرف بأشباه الموصلات- إضافة إلى موقعها الجيوسياسي الحاسم في سلاسل الإمداد العالمية والمحيط الهادئ، وكونها نقطة محورية في التنافس بين الصين والولايات المتحدة، حيث تمثل تحديا للصين بسبب النزعة القومية التايوانية؛ فضلا عن كونها درعا للغرب في احتواء النفوذ الصيني.

المدمرة الصاروخية الأمريكية الموجهة يو إس إس هالسي أثناء عبورها مضيق تايوان
المدمرة الصاروخية الأمريكية الموجهة يو إس إس هالسي أثناء عبورها مضيق تايوان

فعلى صعيد الرقائق الإلكترونية، يشير موقع "لوموند" الفرنسي في نسخته باللغة الإنجليزية إلى أن "اندلاع أي صراع مسلح يؤثر سلبا على تايوان والتي تمثل نحو 92% من الإنتاج العالمي لصناعة أشباه الموصلات بدقة أقل من 10 نانومترات، مما يجعلها المزود الرئيسي للغالبية العظمى من الرقائق التي تشغل أكثر الأجهزة تقدما في العالم، بدءا من هواتف "آيفون" وحتى الطائرات المقاتلة "إف-35".

ويضيف موقع "لوموند": تدخل الرقائق الإلكترونية في كل مناحي الصناعة الحديثة، باعتبارها المحرك الأساسي للعالم الرقمي؛ حيث تستخدم في صناعات الحوسبة والذكاء الصناعي، وأنظمة التحكم والأمان في السيارات، والهواتف الذكية وشبكات الاتصالات، والطيران والفضاء، والطاقة المتجددة، ما دفع الخبراء لوصفها بـ"عقول الأجهزة" التي تحوي وحدات تخزين البيانات.

وتذهب ثلث صادرات تايوان من الرقائق الإلكترونية إلى الولايات المتحدة، مقارنة بنسبة 15% فقط في عام 2021، ما يدفع واشنطن لأن تصبح طرفا في أي صراع مستقبلي بين الصين وتايوان.

إلى أين يقود التصعيد العسكري حول تايوان؟ 

تعد تايوان مسرحا لصراع صيني أمريكي تمثل فيه الدول الحليفة لواشنطن مثل اليابان والفلبين ثقلا لا يستهان به؛ ما جعل منه ساحة لتوتر جيوسياسي مستمر؛ حيث تتعامل الصين مع تايوان باعتبارها جزءا من أراضيها، فيما ترى الولايات المتحدة في تلك الجزيرة مسرحا للتواجد العسكري الأمريكي قبالة الساحل الجنوبي الشرقي للصين.

وفي يناير 2026، كشف تقرير نشره موقع "ميليتاري ووتش" الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية أن تايوان أنشأت مركزا عسكريا مشتركا بالتعاون مع الولايات المتحدة، وذلك في سياق صفقات تسليح واسعة النطاق بين الجانبين.

سفينة حربية صينية تُطلق النار أثناء تدريبات بالذخيرة الحية حول تايوان
سفينة حربية صينية تُطلق النار أثناء تدريبات بالذخيرة الحية حول تايوان

وأضاف التقرير أن المركز المعروف باسم "مركز تنسيق القوة النارية المشتركة" يقع في معسكر بواي بالعاصمة التايوانية تايبيه، ويستهدف تنسيق عمليات استخدام ونشر القوة النارية بين مختلف أفرع القوات المسلحة التايوانية، ويضم عناصر أجنبية، من بينهم أفراد من القوات المسلحة الأمريكية.

ويشير مصطلح القوة النارية إلى القدرة العسكرية الشاملة على توجيه كثافة نيرانية مدعومة برا وجوا وبحرا لتدمير العدو أو تحييد قدراته، وتعتبر من أهم مبادئ الحرب الحديثة، بفضل قوتها التدميرية بعيدة المدى.

هل تتحول تايوان إلى صدام صيني أمريكي؟

في ديسمبر 2025، أعلنت واشنطن وتايوان عن صفقة أسلحة بقيمة 11.1 مليار دولار في أحد أكبر صفقات بيع الأسلحة الأمريكية للجزيرة على الإطلاق.

وشملت الصفقة 420 صاروخًا باليستيا من منظومة الصواريخ التكتيكية "إيه تي إيه سي إم إس"، وتكوير صواريخ كروز بعيدة المدى من طراز "هسيونج فنج" و"هسيونج فالكون"، إلى جانب صاروخ "يون فنج" عالي الارتفاع والسرعة، وفق "ميليتاري ووتش".

وتشمل الصفقة –أيضا ثماني عمليات شراء منفصلة، تغطي أنظمة صواريخ "إت ىي إم إيه آر إس"، وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ مضادة للمدرعات، وطائرات مسيرة انتحارية، ومدافع هاوتزر، وبرامج عسكرية، وقطع غيار لمعدات أخرى.

يمتد تأثير مضيق تايوان إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية
يمتد تأثير مضيق تايوان إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية

تثير الخطوات الأمريكية المتصاعدة في تايوان موجة غضب صينية عبر عنها المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية جو جياكون، مؤكدا أن "محاولة الولايات المتحدة استخدام القوة لدعم استقلال تايوان ستأتي بنتائج عكسية، وإن محاولتها احتواء الصين باستخدام تايوان لن تنجح على الإطلاق".

وكثفت الصين بشكل ملحوظ تدريبات تطويق تايوان منذ عام 2022، عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، نانسي بيلوسي، إلى تايبيه، والتي شكلت استعراضا قويا لدعم تايوان وأثارت غضب القيادة الصينية.

كما نفذ الجيش الصيني في 29 ديسمبر 2025 مناورة عسكرية حملت اسم "مهمة العدالة 2025"، في 5 قطاعات بحرية حول الجزيرة، بما في ذلك مضيق تايوان، شمال تايوان، وجنوبها الغربي وجنوبها الشرقي وشرقها.

وحشد الجيش الصيني وحدات بحرية وقوات جوية وصواريخ حول تايوان، لاختبار ما وصفه بالجاهزية القتالية، ولتوجيه "تحذير جاد" ضد أي تحرك لاستقلال تايوان؛ وهو ما وصفته الحكومة التايوانية بـ"الترهيب العسكري".

الجريدة الرسمية