حكاية مقام “سيدي الذوق” المختبئ في قلب القاهرة الفاطمية.. شخصية عاشت في العصر المملوكي.. اشتهر بين الناس بسلوكه الهادئ وقدرته على حل النزاعات (فيديو وصور)
في الطرف الشمالي من شارع المعز، حيث تنتهي القاهرة الفاطمية عند أحد أقدم أبوابها الحجرية، يقف باب الفتوح شامخًا كحارس للمدينة منذ القرن الحادي عشر. وبين كتلة الحجر الضخمة وإيقاع الزائرين المتجهين داخل الشارع التاريخي، يختبئ عنصر صغير بالكاد يلاحظه المارة مقام سيدي الذوق.
لا يفرض نفسه على المشهد، ولا ينافس عظمة البوابة المجاورة، لكنه يظل حاضرًا كجزء من طبقة أخرى من ذاكرة المدينة ذاكرة شعبية أكثر منها أثرية.
عند باب الفتوح حيث يختبئ الضريح
يقع المقام ملاصقًا تقريبًا لـ باب الفتوح في الجهة الشمالية من القاهرة الفاطمية، داخل واحد من أكثر المواقع التاريخية ازدحامًا بالطبقات الزمنية: سور المدينة، البوابة العسكرية، وشارع المعز الذي يحمل في طياته ستة عصور من التاريخ الإسلامي.
من الخارج، يبدو المقام بسيطًا إلى حد التجرد:
- مبنى صغير الحجم لا يتجاوز غرفة واحدة
- قبة خضراء اللون تتوجها هلالية ذهبية
- باب خشبي متواضع يفتح على مساحة داخلية ضيقة
لكن هذا التواضع المعماري هو جزء من طبيعته، فهو لا ينتمي إلى منطق العمارة السلطانية، بل إلى منطق المقامات الشعبية التي انتشرت في القاهرة عبر قرون طويلة.
داخل المقام مساحة صغيرة لأسطورة أكبر
داخل الحيز الضيق للمقام، لا توجد عناصر زخرفية ضخمة أو فراغات معمارية معقدة. كل شيء بسيط ومباشر.
قبر رمزي مغطى بكسوة خضراء، وجدران بيضاء أو هادئة، وإضاءة طبيعية محدودة تتسلل من الفتحة الصغيرة.
ورغم هذا التقشف، يحمل المكان طابعًا روحانيًا واضحًا، يتشكل من علاقة الناس به أكثر مما يتشكل من حجارة البناء نفسها.



سيدي الذوق اسم بين التاريخ والحكاية
تدور حول “سيدي الذوق” روايات شعبية متعددة، أغلبها يرتبط بشخصية يُعتقد أنها عاشت في القاهرة في العصر المملوكي، واشتهرت بين الناس بسلوكها الهادئ وقدرتها على حل النزاعات وإطفاء الخصومات.
ومع الزمن، تحولت سيرته إلى حكاية تتناقلها الذاكرة الشعبية، حتى التصق اسمه بتعبير دارج في الثقافة المصرية:
“الذوق ما خرجش من مصر”
ورغم ذلك، فإن المصادر التاريخية الدقيقة حول شخصيته تظل محدودة، ما يجعل المقام أقرب إلى نقطة التقاء بين التاريخ الشفهي والاعتقاد الشعبي أكثر من كونه سيرة موثقة بالكامل.
باب الفتوح الإطار الحجري للمشهد
ما يمنح المقام خصوصيته الحقيقية هو موقعه عند باب الفتوح، أحد أهم أبواب القاهرة الفاطمية الثلاثة الباقية حتى اليوم.
البوابة الضخمة، التي شُيدت في القرن الحادي عشر الميلادي، كانت جزءًا من منظومة دفاعية تحيط بالمدينة، وتتميز ببرجين حجريين ضخام وعقد مدخل مزخرف بتفاصيل هندسية دقيقة.
داخل هذا الثقل المعماري، يبدو المقام الصغير وكأنه “نقطة بشرية” في قلب هندسة عسكرية صلبة.
وهنا تتشكل المفارقة:
بوابة صُممت للحماية والقوة، وضريح صغير يعكس الجانب الروحي والإنساني للمدينة.
عمارة متواضعة لكن دلالتها أكبر من حجمها
لا يعتمد المقام على الزخارف أو التفاصيل المعمارية المعقدة ليُلفت الانتباه، بل على حضوره الرمزي داخل المكان.
فهو:
- صغير الحجم إلى حد الاختفاء أحيانًا
- يستخدم اللون الأخضر كلون رمزي مألوف في المقامات
- يقع داخل فضاء أثري ضخم يضاعف من شعور التباين
هذا التباين بين الضخامة والبساطة هو ما يمنح المشهد قوته البصرية، ويجعل الزائر يتوقف أمامه حتى لو لم يكن يقصده.
بين التاريخ الرسمي والذاكرة الشعبية
في القاهرة التاريخية، لا يمكن فصل الآثار عن الحكايات الشعبية. فالمقامات الصغيرة المنتشرة داخل المدينة القديمة غالبًا ما تعكس هذا التداخل بين ما هو موثق وما هو متوارث شفهيًا.
ومقام سيدي الذوق واحد من هذه الحالات:
- لا ينتمي إلى السرد الرسمي الكبير للتاريخ
- لكنه حاضر بقوة في الذاكرة الشعبية
- ويعيش داخل سياق ديني/روحي مرتبط بثقافة المدينة القديمة
وبذلك يصبح جزءًا من شبكة واسعة من المقامات والزوايا التي تشكل طبقة موازية من تاريخ القاهرة، لا تُقرأ في الكتب فقط، بل تُلمس في المكان نفسه.
مكان صغير داخل مدينة كبيرة
قد يمر الزائر أمام باب الفتوح دون أن ينتبه لهذا الركن الصغير، أو يراه جزءًا عابرًا من المشهد العام.
لكن التوقف أمامه يكشف أن القاهرة لا تُبنى فقط من القصور والمساجد والأسوار، بل أيضًا من الأماكن الصغيرة التي تحمل حكايات الناس، وتعيش في المنطقة الرمادية بين التاريخ والأسطورة.
وفي النهاية، يظل مقام سيدي الذوق واحدًا من تلك النقاط الخفية في المدينة، التي لا تفرض نفسها، لكنها تبقى موجودة كجزء من ذاكرة لا تنتهي.
