رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

لماذا يستهدف الاحتلال الإسرائيلي الضاحية الجنوبية لبيروت في هذا التوقيت؟

ركام مبنى دمرته غارة
ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت
18 حجم الخط

أصدر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، أوامره إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت.

وقال نتنياهو في بيان مشترك، اليوم الإثنين، مع وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس: "في أعقاب الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار من قبل حزب الله، أصدرنا تعليماتنا إلى الجيش الإسرائيلي بمهاجمة أهداف تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية".

ونقلت "القناة 14" الإسرائيلية عن مصادر إسرائيلية مطلعة قولها: إن "أوامر نتنياهو جرت بالتنسيق مع الولايات المتحدة"، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى أن "إسرائيل هاجمت الضاحية الجنوبية لبيروت مرتين منذ مطلع أبريل الماضي". 

وبحسب التقارير الإعلامية، فإن التصعيد العسكري الإسرائيلي يأتي وسط مساعي أمريكية -مفترضة- من أجل هدنة جديدة في لبنان، بشرط أن يبدأ حزب الله أولا بوقف إطلاق النار والمسيرات والصواريخ نحو المستوطنات الإسرائيلية في الجليل ونحو القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني. 

وجاء التصعيد الإسرائيلي بعدما أمر كاتس ونتنياهو، أمس الأحد، بتوسيع التوغلات البرية في جنوب لبنان، إثر استيلاء جيش الاحتلال الإسرائيلي على قلعة الشقيف الاستراتيجية التي تطل على مناطق واسعة من ضمنها نهر الليطاني.

ما أهمية الضاحية الجنوبية سياسيا؟

تحتل الضاحية الجنوبية لبيروت مكانة بارزة باعتبارها المعقل الرئيسي والرمز السياسي والإداري لـ"حزب الله"، وتعد بمثابة القاعدة الشعبية والسياسية للحزب، وتتركز فيها المقرات الرئيسية، والمؤسسات السياسية، والقيادية، والاجتماعية، والإعلامية التابعة لحزب الله.

ومثل تواجد حزب الله في الضاحية ما يمكن وصفه بالــ"المحطة الفاصلة"، حيث تصدى تنظيم المقاومة الإسلامية المعروف اليوم بـ"بحزب الله" لتقدم الجيش الإسرائيلي في محلة الأوزاعي الليلكي في صيف عام 1982.

تحتل الضاحية الجنوبية لبيروت مكانة بارزة باعتبارها المعقل الرئيسي والرمز السياسي والإداري لـ
تحتل الضاحية الجنوبية لبيروت مكانة بارزة باعتبارها المعقل الرئيسي والرمز السياسي والإداري لـ"حزب الله"

وبعد استقرار حزب الله في الضاحية، بدأت تتبلور فصول العلاقة الإستراتيجية بين الحزب والضاحية الجنوبية لبيروت التي أصبحت معقلا أمنيا وسياسيا وثقافيا له، وتضم مساكن عدد من علماء الشيعة وقادة الحزب، مما جعلها هدفا مباشرا للاعتداءات الإسرائيلية ولا سيما خلال حرب يوليو 2006. حيث لحق دمار هائل في مبانيها وبنيتها التحتية وموست بحقها سياسة الأرض المحروقة آنذاك. لكن الحزب تمكن من إعادة إعمار الضاحية من خلال مؤسسة "وعد" ومساعدات خارجية لتعود إلى سابق نشاطها وحيويتها.

ماذا يعني القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية؟

يعني القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت استهدافا مباشرًا للمربع الأمني والمعقل الرئيسي لتواجد "حزب الله"، ويحمل أبعادا عسكرية وسياسية وإنسانية بالغة الخطورة على الساحة اللبنانية.

فعلى الصعيد الاستراتيجي والعسكري، يمثل القصف العسكري الإسرائيلي تصعيدا خطيرا يهدف إلى تدمير البنية التحتية والمستودعات العسكرية التابعة لحزب الله، وكسر قواعد الاشتباك، ومحاولة فرض ضغوط قوية لإلزام الحزب بشروط معينة. 

وعلى الأرض، يهدد القصف الإسرائيلي العسكري بإلحاق دمار واسع في المناطق السكنية المكتظة وإصابة المدنيين، مما ينتج عنه موجات نزوح جماعية ضخمة نحو مناطق أخرى أكثر أمنًا داخل لبنان.

ويتراوح عدد سكان الضاحية الجنوبية لبيروت بين 600 ألف ومليون نسمة، وذلك بحسب التقديرات غير الرسمية المتفاوتة، وغالبية سكان الضاحية هم من الطائفة الشيعية، مع تواجد تجمعات للاجئين الفلسطينيين (مثل مخيم برج البراجنة) وأقليات أخرى. 

ماذا عن الصعيد الداخلي للبنان؟

على المستوى الداخلي اللبناني، يضع القصف الدولة اللبنانية أمام تحد متزايد يتعلق بقدرتها على حماية سيادتها ومنع تحول الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة مفتوحة. كما أن استهداف منطقة مكتظة بالسكان مثل الضاحية الجنوبية يرفع من احتمالات النزوح الداخلي وتفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان أساسًا منذ سنوات. 

ويعتبر هذا التصعيد خرقا للسيادة اللبنانية ولقرارات مجلس الأمن، ويكتسب بعدا سياسيا يتجاوز الجغرافيا، حيث تحولت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى هدف مباشر ضمن المعادلة العسكرية التي يتبناها جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، ضمن مخططات إسرائيلية واضحة تستهدف إفراغ القرى الحدودية في الجنوب، والضغط على مناطق الاستيعاب، وفي مقدمتها الضاحية.

وبحسب تقارير إعلامية، تستهدف سلطات الاحتلال تحويل النزوح من نتيجة للحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السكاني، حيث يدفع المدنيون إلى مغادرة مناطقهم، ثم يعاد تعريضهم للضغط في مناطق لجوئهم. كما تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى نقل الردع من "الحدود" إلى "العمق الداخلي" وإظهار أن قواعد الاشتباك لم تعد محصورة بالجبهة الجنوبية فقط، خاصة أن المسافة بين الضاحية الجنوبية وبيروت تقدر بحوالي 10 كيلومترات فقط.

هل يريد نتنياهو تبييض وجهه داخليا؟

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على لبنان بالتزامن مع أزمات داخلية يواجهها نتنياهو، وفي القلب منها بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية الإسرائيلية، بعد موافقة الكنيست على تبكير موعدها المحدد سلفا بأكتوبر القادم؛ حيث يحاول نتنياهو تبييض وجهه في مواجهة الانتقادات التي يوجهها له خصومه بالفشل في التصدي لطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وفشله في تحقيق أي من الأهداف الإسرائيلية في الحرب الإيرانية الحالية.

جنود بجيش الاحتلال يحملون نعش جندي قتل جراء العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان
جنود بجيش الاحتلال يحملون نعش جندي قتل جراء العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان

كما كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، عن مقتل 26 ضابطا وجنديا إسرائيليا وإصابة 1180 آخرين منذ تجدد العدوان على جنوب لبنان مطلع مارس 2026، مشيرا إلى أن "69 ضابطا وجنديا توصف إصاباتهم بالخطيرة، و134 آخرين إصاباتهم متوسطة، وأن 14 ضابطا وجنديا إسرائيليا قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار، 10 منهم بمسيرات انقضاضية أطلقها حزب الله".

هل يخوض نتنياهو آخر مراوغاته الدموية؟

كما يواجه نتنياهو محاكمات بالفساد دفعت مستشاره الإعلامي السابق أفيف بوشينسكي للقول بأن تلك المحاكمات فد تشكل نقطة النهاية لمسيرته السياسية الممتدة منذ ثلاثة عقود.

وأكد تقرير سابق نشرته جريدة "هآرتس" الإسرائيلية، أن نتنياهو بات يعاني ضعفا واضحا فيما يتعلق بمستقبله السياسي، مضيفة: يراقب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج هذا الضعف بقوة، في ظل الملاحقات الدولية التي تطارد نتنياهو بتهم تتعلق بالحرب في غزة، ما قد يدفعه -وفق بعض التحليلات- إلى التفكير في تسوية قضائية لملفات الفساد التي يحاكم بسببها، والانسحاب تدريجي من الحياة السياسية.

وبينما تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والإنسانية في هذا التصعيد، يبقى مستقبل المواجهة مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء محدود للتوتر أو مواصلة نتنياهو اللعب بالنار بحثا عن مجد شخصي لتبييض سمعته، حتى لو كان هذا البياض مصبوغا بلون الدم. 

الجريدة الرسمية