رئيس التحرير
عصام كامل

انتفاضة ثقافية ضد "صيغة الوورد"، كتاب مصر يرفضون قرار دار الكتب والوثائق: وصاية مسبقة وانتهاك للملكية الفكرية

دار الكتب والوثائق
دار الكتب والوثائق القومية، فيتو
18 حجم الخط

تسيطر حالة من الغضب على الأوساط الأدبية والثقافية في مصر، إثر صدور القرار رقم 198 لسنة 2026 عن الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الذي يلزم الناشرين بتقديم نسخة كاملة من المؤلفات بصيغة "وورد" (Word) قابلة للتعديل والنسخ كشرط للحصول على رقم الإيداع، والذي قابله رفض قاطع من كبار الكتاب والروائيين، الذين اعتبروا الإجراء تهديدًا مباشرًا لسنوات من جهدهم الإبداعي، وبداية لفرض "وصاية ورقابة مسبقة" تتجاوز صلاحيات الدار القانونية والدستورية.

صرخة المبدعين: الثقافة تدار بالثقة لا باللوائح

أجمع عدد من أبرز المبدعين عبر صفحاتهم الرسمية على وسائل التواصل المختلفة، على خطورة هذا الإجراء، معتبرين أن الطمأنينة التي يطلبها المؤلف ليست رفاهية بل هي أصل حماية الإبداع.

فأكد الروائي الكبير أشرف العشماوي أن القرار - إن صح تطبيقه بهذه الصورة- يثير تساؤلات مقلقة تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى ما يشبه فرض رقابة مسبقة على الكتب، وهي مسألة مرفوضة دستوريًا.

وأوضح العشماوي أن دار الكتب ليست جهة فحص أو وصاية على النصوص قبل نشرها، بل هي جهة حفظ وتوثيق للإنتاج الفكري بعد النشر، مضيفًا: "هناك فارق كبير بين تسليم نسخة نهائية مغلقة من كتاب صدر بالفعل، وبين تسليم ملف Word قابل للتعديل قبل النشر. فالكاتب هنا لا يسلم أوراقًا إدارية، بل يسلم حرفيًّا سنوات من العزلة والتعب والجهد والتخييل. التحول الرقمي كان يمكن تحقيقه عبر منصات آمنة وملفات PDF مؤمنة بالتنسيق مع اتحاد الناشرين، فالثقافة لا تدار باللوائح فقط بل بالثقة".

ومن جانبها، ترجمت الكاتبة والروائية ضحى عاصي هذا الغضب إلى تحرك برلماني سريع، مؤكدة أن القرار يفتح الكثير من التساؤلات المقلقة لدى المؤلفين والناشرين، وبناء على ذلك، ووفقًا للمادة 134 من الدستور والمادة 212 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، تقدمت عاصي بطلب إحاطة رسمي موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الثقافة لاستيضاح أبعاد هذا القرار ومخاطره.

أما الكاتبة صفاء النجار، فقد كشفت عن تخبط إداري وغياب للشفافية، مشيرة إلى أن الموقع الرسمي لدار الكتب والوثائق القومية لا يحوي أي إشارة للقرار الجديد، بل يضم النصوص القديمة المستندة لقانون حماية الملكية الفكرية والقرارات الوزارية لعامي 2017 و2018، التي لا تشترط ملف "الوورد"، وتساءلت النجار: "الموظفون على الأرض يطلبون ملفات وورد، فهل هذه بالونة اختبار أم فرض للأمر الواقع؟ كيف يتم العمل بقرار لا يعلن عنه رسميًا ولا يناقش مع الخبراء؟".

كما شدد الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد على أهمية التحرك الجماعي لمواجهة هذه الأزمة، واصفًا بيان اتحاد الناشرين المصريين بأنه خطوة مهمة جدًا يعول عليها لتكون طريقًا لإنهاء هذه المشكلة المستحدثة التي تؤرق الوسط الثقافي.

بيان توضيحي من دار الكتب والوثائق القومية

وعقب اشتعال الجدل في الأوساط الثقافية لساعات طويلة، أصدرت دار الكتب والوثائق القومية بيانًا توضيحيًا بشأن القرار الصادر مؤخرًا، وهو القرار رقم 198 لسنة 2026، للرد على التساؤلات والمخاوف التي أثيرت خلال الأيام الماضية بين الناشرين والمؤلفين، جاء نص البيان كالتالي:

أولًا: تؤكد دار الكتب تقديرها للناشرين والمؤلفين، وتعمل بكل جهد على تحقيق طموحاتهم. وفي هذا الصدد، سعت الدار مؤخرًا إلى تنفيذ عدة إجراءات من شأنها التيسير على الناشرين، منها:

• تنفيذ وإتاحة الإيداع الإلكتروني لجميع الناشرين على مستوى جميع محافظات الجمهورية، باستثناء محافظة القاهرة بشكل تجريبي؛ وذلك تيسيرًا عليهم، وتماشيًا مع التحول الرقمي، وجارٍ العمل على تطبيق هذا التحول في محافظة القاهرة. وفي هذا الصدد، تؤكد الدار أن خدمة الإيداع الإلكتروني متاحة عبر موقع الهيئة، وتعمل على مدار الساعة، مع استمرار إجراءات الحصول على أرقام الإيداع بشكل تقليدي من خلال التوجه مباشرةً إلى إدارة الإيداع.

• كانت إحدى التحديات التي تواجه الناشرين صعوبةَ الحصول على أسطوانات مدمجة (CD) لتخزين النسخة الإلكترونية وتسليمها للدار، وقد اهتمت الدار بهذا الأمر، وحرصت عند تعديل المادة الثالثة من القرار رقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦ على النص على أن تسليم النسخة الإلكترونية يكون عبر إحدى الوسائل الإلكترونية التي تعلن عنها الهيئة، وسيكون ذلك عبر موقع الإيداع الإلكتروني أو البريد الإلكتروني، أيهما أيسر.

ثانيًا: أما بشأن تخوف البعض من التعديل الذي طرأ على المادة الثالثة من القرار رقم ٣٦٣ لسنة ٢٠١٧، فإننا نؤكد الآتي:

• دار الكتب المصرية هي المكتبة الوطنية للدولة، والحافظة لإنتاجها الفكري عبر عشرات السنين، وهي الجهة الأكثر حرصًا على حماية الملكية الفكرية وحقوق المؤلفين.

• إن إيداع نسخة رقمية من المصنف أمرٌ ليس بجديد، وهو معمول به منذ عام ٢٠١٧ وفقًا للقرار رقم ٣٦٣.

• التعديل الذي تم إجراؤه على المادة الثالثة جاء بهدف دعم إجراءات الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي بالدار، تماشيًا مع رؤية الدولة.

• تؤكد الدار أنها ملتزمة، كعادتها، وبشكل تام وقانوني، بحماية النسخ المودعة بها ضد أي عبث أو انتهاك.

وأخيرًا فالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية تتلقى أي استفسارات خاصة بهذا الأمر لشرحها والرد عليها.

اتحاد الناشرين يرد على بيان دار الكتب ويصفه بالبيروقراطية

وبرغم البيان التوضيحي الذي أصدرته الهيئة إلا أن اتحاد الناشرين المصريين رد ببيان آخر ينتقد من خلاله البيان التوضيحي الصادر عنها، مؤكدًا أن البيان أغفل تمامًا النقاط الجوهرية التي تمثل صلب الأزمة ومحور مخاوف وشكاوى الناشرين، ولم يلتفت إليها مطلقًا، وصفًا القرارات بالبيروقراطية ومشيرًا إلى اللجوء إلى وزارة الثقافة مباشرتًا للحفاظ على حقوق ملكية الناشرين والمؤلفين.

بيان اتحاد الناشرين

وجاء نص البيان كالآتي:

تلقى اتحاد الناشرين المصريين ببالغ الاهتمام البيان التوضيحي الصادر عن الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بشأن القرار رقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦، وإذ يثمن الاتحاد ما ورد في البيان من تأكيد على تقدير الناشرين والمؤلفين والسعي نحو التحول الرقمي والتيسير الإداري، وهو ما اتفق الاتحاد مع دار الكتب على التعاون الكامل فيه، إلا أن الاتحاد يعرب عن أسفه الشديد لكون البيان التوضيحي لم يتعرض لنقاط جوهرية هي أساس الأزمة ومحور مخاوف وشكاوى الناشرين، ولم يلتفت إليها مطلقًا، ويهمنا تأكيد الآتي:

يؤسفنا أن نعلن أن اتحاد الناشرين المصريين لم تتح له الفرصة للاطلاع على نص القرار رقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦ حتى الآن، ولم ينشر أو يعلن بالطرق الرسمية المتبعة قبل تفعيله. بل إن الاتحاد والناشرين قد فوجئوا به بعد ما تردد حول تطبيقه الفعلي، ولم يعلم الاتحاد به إلا بعد وصول سيل عارم من الشكاوى والاستغاثات من الناشرين المتضررين الذين صرحوا أن معاملتهم رفضت ما لم يمتثلوا للشروط المستحدثة.

يتساءل الاتحاد: لماذا لم يتم إشراك اتحاد الناشرين المصريين في بحث أو صياغة هذا القرار قبل صدوره؟ حيث أن الاتحاد هو الجهة التنظيمية والشرعية الوحيدة لصناعة النشر في مصر، وذلك بموجب قانون إنشائه رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٥، والمنوط به رعاية مصالح المهنة والدفاع عن حقوق أعضائه والتنسيق مع الجهات الحكومية في كل ما يخص حركة النشر.

وعليه فإنه يمكننا القول إن انفراد دار الكتب بإصدار قرارات تمس صلب هذه الصناعة دون التنسيق مع الاتحاد يمثل تهميشًا غير مفهوم أو مبرر لدور الاتحاد وكيانه المهني المستقر قانونًا.

لم يتطرق بيان دار الكتب إلى أسباب اشتراط إلزام الناشر بتسليم نسخة كاملة من العمل بصيغة ملف وورد (Word Document) قابلة للتعديل والنسخ، وإذا كان هذا الاشتراط صحيحًا ومطبقًا بالفعل كما جاء في شكاوى الناشرين، فإننا نتساءل: لماذا تشترط الدار هذه الصيغة المفتوحة بالذات؟ وما هي المسوغات القانونية والمهنية لذلك، رغم استقرار الأوضاع والعمل بشكل آمن ومنتظم منذ نحو ١٠ سنوات على تسليم الملفات بصيغة (PDF) غير القابلة للتعديل؟ (وفقا للقرار رقم ٣٦٣ لسنة ٢٠١٧ الذي أثار تحفظات كثيرة عند صدوره).

مكتسبات حماية الملكية الفكرية

إن هذا الإجراء يمثل تراجعًا غير مبرر عن مكتسبات حماية الملكية الفكرية، ويفتح الباب أمام مخاطر سيبرانية وقرصنة تهدد الحقوق الأدبية والمالية للمؤلفين والناشرين، وهو ما يتنافى مع دور دار الكتب كحامية للإنتاج الفكري المصري.

تجاهل البيان التوضيحي الإجابة عن سبب اشتراط دار الكتب استلام هذا الملف من الناشرين على مرحلتين؛ الأولى عند التقدم لطلب رقم الإيداع (أي قبل الصدور الفعلي والكتاب ما زال في طور الإعداد)، والثانية بعد الإصدار النهائي.

إن الوظيفة القانونية والأساسية لدار الكتب هي توثيق وحفظ المنتج الثقافي في صورته النهائية المطبوعة أو الرقمية المغلقة، وليس جمع وإيداع مسودات وملفات نصية أولية تسبق مرحلة النشر النهائي، مما يشكل قيدًا بيروقراطيًا مستحدثًا قد يمس حرية النشر والخصوصية الإبداعية التي كفلها الدستور المصري، فضلًا عن مخالفة أحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢.

"الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي"

بناء على ما تقدم، يؤكد اتحاد الناشرين المصريين أن الانتقال نحو "الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي" الذي نؤيده جميعًا ونسعى إليه، لا ينبغي أبدًا أن يكون ذريعة لفرض آليات تزيد من المخاطر وتحمل الناشر أعباء تهدد صناعته.

لذا، يؤكد اتحاد الناشرين المصريين على رفضه القاطع والكامل لهذا الإجراء المفاجئ، ويطالب دار الكتب والوثائق القومية بضرورة إلغاء هذه الاشتراطات المستحدثة فورًا، حتى تتم مراجعتها مع الاتحاد، تلافيًا لأي تصعيد قد يؤثر سلبًا على حركة النشر وصناعة الفكر الوطنية، مؤكدين أننا قد رفعنا الأمر بصفة عاجلة إلى الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، لاتخاذ ما يلزم لحماية الحقوق الإبداعية للمثقفين والناشرين المصريين.

الجريدة الرسمية