ڤينوس فؤاد تكتب: سيد قنديل وخبايا الروح
يقام حاليا في جاليري بيكاسو ايست بالتجمع الخامس، معرض الفنان الدكتور سيد قنديل والذي يحمل عنوانا شيقا يدفع المتلقي إلى التعايش مع لوحات الفنان ويتوحد معها ليجد فيها جزءا من أحلامه وذكرياته الشعورية.
فاللوحات مليئة بالرموز المجردة ومفعمة بالحركة والانفعال، ذات طبقات شعورية متراكبة تسبق إدراكنا للطبقات اللونية، لوحات تتدفق فيها الخطوط محددة لمساحات اللون التي انسابت في معظم اللوحات محملة بمشاعر قلقة متضاربة، وربما تكون مشاعر تبحث عن أمان داخل إطار اللوحة لتبوح بأسرارها.
اللوحات تتنوع فيها المشاعر والاتجاهات الفنية التي شكلت أدوات التعبير، وتبدو فيها الألوان والعناصر شفافة رقيقة، ثم ما تلبث أن تتراكم فوقها طبقات جديدة من الانفعالات النفسية والحسية فيلجأ قنديل إلى تحديدها وإبرازها لتكتمل دراما اللوحة.
فالوجوه صامدة صامتة في بعض اللوحات نراها وقد تحولت إلى كتل حجرية صلبة ربما بعد أن أثقلت بالمشكلات وربما نراها تارة أخرى صامدة شامخة ومقاومة لمتقلبات الحياة.

تظهر في لوحات قنديل دراسته المتعمقة للمدرسة التعبيرية وآليات التعبير عنها في فن الطبعة الجرافيكية والتي نال عنها درجة الماجستير، فغالبا الباحث يركز على اتجاه يعبر عنه في الأسلوب الذي يهواه ليتعمق في دراسته ليتقنه وهذا ما فعله قنديل، حيث تعتمد لوحاته على التعبير عن المشاعر وتضخيمها لابراز تأثير الحالة الشعورية علي جميع مفردات لوحاته، فنجد المرأة وهي العنصر المسيطر على أعماله تظهر أحيانا ذات ملامح لينة مفعمة بالأنوثة غنية بالتفاصيل وأحيانا كثيرة تتوارى التفاصيل وتتجرد للتركيز على الشعور الذي يهتم به قنديل في المقام الأول.
ويأتي عنصر الطائر في المقام الثاني في لوحات قنديل ليكون شريكا في جميع لوحاته وربما لعبت الطيور دور الكورس الذي ينشد لحن المرأة وهي البطل الأول، أحيانا يكون حزينا وأحيانا هادئا ولكن يظل الطائر في لوحات قنديل عنصر محايد بعيدا عن الصخب والضجيج.
المرأة ظهرت في لوحة غلاف كتالوج المعرض بأسلوب سريالي غني بالمشاعر والألم، فظهرت كالشمعة التي أفنت عمرها في خدمة وإرضاء من حولها على حساب نفسها وعالمها الخاص، فتحولت إلى كيان مهترئ ممزق.


بينما ظهرت باقي عناصر اللوحة في مستوي ثاني بصورة تجريدية وكأنها أيادي تتضرع إلى السماء لتستجيب لأمنيات حطام امرأة في مشهد سيريالي بديع، فكثافة اللون وطبقاته تتقابل مع شفافية الخلفية ونقاء ألوانها.
الرجل في أعمال قنديل لعب عدة أدوار، بعضها محوري، فظهر في منتصف اللوحات في تحد مسيطرا على عالمها، وظهر في لوحات أخرى صلبا صلفا ذو ملامح قوية حجرية مما أضاف إلى درامية المشهد وتكثيفه في لوحات قنديل.
درس قنديل الدكتوراه عن الوجوه الأفريقية وتأثيرها على التعبيرية الألمانية فتأثرت أعماله بدراسته المتعمقة وأصبحت الملامح الأفريقية سمة أساسية فيها.
استخدم قنديل الطائر كرمز محمل بمشاعر مختلفة أيضا، ففي بعض اللوحات يحيط باللوحة ليحتوي ما بها من مفردات ليحلق بها في عالم خيالي من الأحلام والأمنيات، وتارة أخرى يظهر الطائر في خضم الأحداث كرمز للسلام والطمانينة والوداعة ولكن يظل الطائر عنصرا مجردا وأداة تعبيرية قوية لدي قنديل.
لم ينس قنديل دراسته الأساسية وتخصصه كأستاذ للجرافيك بكلية الفنون الجميلة بجامعة العاصمة التي يرأسها منذ عدة سنوات، حيث أضاف إلى المعرض الحالي لوحاته الجرافيكية التي اعتمدت على تجريد الطائر بصور مختلفة داخل تكوينات مطبوعة بتقنيات عالية ولون موحد، فالمعالجات الجرافيكية لديه مكثفة وإن لم تكن في جميع اللوحات إلا أنها ظهرت من خلال قوة الخط ومهارة التحديد واتزان التكوين ولمعالجاته المختلفة لعنصر المراة والطائرالذي مزج فيه بين تقنيات الرسم الذي يعتمد على الخط والتصوير الذي يعتمد على المساحات اللونية.



التكوين لدي سيد قنديل في معظم اللوحات يعتمد علي التكوين الهرمي الذي يترك مساحة في أعلى اللوحة للهواء أو الضوء أو الطيَر ليظل رمزا للسماء ومساحة أساسية لعالم الأحلام المطوقة بملامح السيريالية.
أما اللون فقد ظهر ذو كثافة تعتمد علي طبقات اللون المتعددة، علي الرغم من ميل قنديل إلى التوازن بين الألوان الساخنة والباردة ويظل الأسود بارزا في الخطوط فقط وفي الطبعة الجرافيكية، ولكنه متواري داخل الطبقات اللونية المكثفة في باقي اللوحات.
وستظل المرأة هي الملهم الأساسي لفناني السيريالية والتعبيرية معا وسيظل سيد قنديل باحثا عن خبايا الروح وما وراء الملامح، معبرا عن ما يدور في الخيال وفي عالم النفس البشرية، وما يتناقض من مشاعر مستغرقا في بحور اللون مبهرا في التعبير.
