يسرا ويمنى من محكمة الأسرة للزنزانة، القصة الكاملة لفتاتين دفعتا ثمن خلافات والديهما
أزمة فتاتي أسيوط، اعتاد المجتمع المصري في معارك الطلاق المتكررة، أن يرى الأبناء ضحايا للعلاقات غير السوية فيشهدون صراخ الآباء أو إهمال الأمهات وأحيانًا حالات ضرب أحدهما وربما الطعن، وبالتالي يعانون من التشتت والضغط النفسي، أو يُحرمون من حنان أحد الطرفين بعد الانفصال لكن ما حدث في أسيوط سيناريو جديد ومأساوي كسر كل القواعد المألوفة وتجاوز حدود الخطوط الحمراء، لنجد أنفسنا أمام سابقة هي الأولى والأكثر إيلامًا من نوعها: حينما كان حبس الأبناء نتيجة مباشرة لا لقتل أو سرقة وإنما بسبب مشاكل النفقة.
فتاتان في مقتبل العمر متفوقتان دراسيًّا إحداهما من أوائل دفعتها بكلية التجارة والثانية في الثانوية العامة، "يسرا ويمنى"، فبدلًا من أن تقضيا هذه الأيام في الاستعداد للامتحانات أو الذهاب لشراء لبس العيد، كتب عليهما أن تقضيا الأيام خلف القضبان بين المجرمات والمتهمات في قضايا القتل والسرقة والدعارة دون اكتراث لمستقبلهما أو صغر سنهما.
تزوير في محررات رسمية وأختام حكومية لزيادة النفقة
فالفتاتان تدفعان ثمن عناد الكبار من أب وأم أحدهما كائد وآخر منتقم ليس مثل كل مرة دموعًا أو حزنًا وإنما سنوات من عمرهما في سجن النساء متهمتين في قضية تزوير محررات رسمية وأختام حكومية واستعمالها داخل دعاوى منظورة بالمحكمة.
فلم تعد القضية التي جرت حيثياتها بمحكمة أسيوط مجرد نزاع على أرقام النفقة، بل تحولت إلى مأساة إنسانية حقيقة تقشعر لها الأبدان، بعد أن وجدت الفتاتان أنفسهما فجأة في مواجهة حكم بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات بعد حرب قانونية طاحنة بين أم تخطط للبحث عن حقهما وأب يدافع عن نفسه ويطعن بالتزوير، لتكون النتيجة الصادمة بعدما سقط الكبار في العناد، لتساق البنتان إلى زنزانة سجن النسا، في انتظار طوق نجاة أو أي أمل قد يحمله الاستئناف القادم لينتشلهما من هذا الكابوس المرعب.
تعود أحداث الواقعة التي تحولت مؤخرًا إلى تريند على مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك إلى صدور حكم من الدائرة الحادية عشرة بمحكمة جنايات أسيوط التي قضت، بمعاقبة أم وابنتيها بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات، بعد إدانتهما في قضية تزوير محررات رسمية واستعمالها داخل دعاوى نفقة بمحكمة الأسرة، مع مصادرة المحررات المزورة المضبوطة وذلك برئاسة المستشار أحمد عبد التواب صالح، وعضوية المستشارين روميل شحاتة أمين وعلاء الدين سيد عبد الملك، وأمانة سر عادل أبو الريش وزكريا حافظ.
حرب النفقة.. كيف تحولت ورقة "مفردات المرتب" لطريق للزنزانة؟
بدأت الكارثة عندما قررت الزوجة السابقة "تغريد ح.ت" موظفة، ألَّا تقف مكتوفة الأيدي في معركتها القضائية ضد طليقها "أحمد.ح.م" الموظف الكبير بشركة الكهرباء، الذي انتهت علاقتها به بقضية خلع حكمت لصالحها وبدأت بالفعل بسيل جارف من القضايا شغل ساحات المحكمة لعدة سنوات — منها سبع دعاوى نفقة ومصاريف دفعة واحدة (من بينها قضايا تعود لأعوام 2024 و2025) من أجل محاصرة الأب ماليًّا وقانونيًّا حسب دخله، خاصة بعد رفضه إنهاء النزاع وديًّا في ظل تزايد أعباء مصاريف الفتيات اللاتي يتحمل جزءًا كبيرًا منها جد الفتيات من ناحية الأم.
لكن حدثت مفاجأة صادمة قبل جلسة النفقة الأخيرة، فجَّرت النزاع وحولته من "أحوال شخصية" إلى "جنايات" حيث كان مستند واحد: "مفردات مرتب" يحمل أرقامًا فلكية ودخلًا شهريًّا ضخمًا نُسب إلى الأب على خلاف الواقع كما أثبتته النيابة، استغل بهدف إجبار المحكمة على فرض أعلى قيمة نفقة ممكنة.
هنا شعر الأب، بأن هناك خطة محكمة للحصول على أمواله بغير حق، وذلك حسب تصريحاته، الأمر الذي يهدد بإفلاسه أو حبسه، فلم يتردد وتوجه مباشرة للنيابة ومباحث الأموال العامة، ليطعن في المستند المقدم لتكشف التحريات عن مفاجأة مدوية هو أن الطرف الآخر استعان بـ"شخص مجهول"، ونجح باستخدام تقنيات حديثة وذكاء اصطناعي في تزوير مستندات منسوبة إلى شركتي الكهرباء، بأختام وتوقيعات تبدو رسمية تمامًا وعقب ذلك تسلمتها الابنتان "يسرا ويمنى" وحملتاها بحسن نية—أو هكذا قال الدفاع—إلى محاميهما لتقديمها للمحكمة.
ورغم أن محامي الدفاع حاول في اللحظات الأخيرة إنقاذ الموقف بوصف التزوير بأنه "تزوير مفضوح" لا ينطلي على أحد وأن الأمر مجرد خلاف عائلي، فإن المحكمة ضربت بيد من حديد، وانقلبت الموازين وأصدرت حكمها التاريخي بمعاقبة الفتيات بالسجن المشدد 3 سنوات، بعد إدانتهن في قضية تزوير محررات رسمية واستعمالها داخل دعاوى نفقة بمحكمة الأسرة ليتحول النزاع والمكايدة إلى قضية رأي عام تهز القلوب وينتظر الجميع فصلها الأخير في محكمة الاستئناف.
رد (الأم) صرخة وانهيار.. "أنا في الغربة وبناتي ضحية قسوة أب وعناده"
في تصريحات لها ولقاءات صحفية بدت الأم في حالة انهيار نفسي رغم التماسك الذي تتحدث به، تتحدث عن الواقعة التي تعود لأكثر من 10 سنوات منذ لحظة الخلع وحتى اليوم حكت بعضًا من الجانب المظلم من الحكاية قائلة:
"ضيع بناتي بعنده بعد ما يأس وما قدرش يحبس أخويا وابن عمي.. قلبه ما حنش عليه وراح بلغ وطعن بالتزوير رغم إنه عارف أن الورق طالع من جهته الحكومية والبنات ما لهمش أي ذنب.. كل ذنبهم أنهم طالبوا يعيشوا زي غيرهم حياة كريمة".
وأضافت السيدة أن طليقها حاول مرارًا وتكرار إلحاق الضرر بها وبأسرتها منذ الانفصال عنها ورغم أن والدها يتحمل مصاريف الفتيات ويتمتعن في رعايته بحياة مرفهة آمنة إلا أن الفتاتين ازدادت متطلباتهما مع الكبر فلجأتا إلى رفع قضية لزيادة النفقة عن 3 آلاف وخاصة أن وضع والدهن ووظيفته تؤهلاه لذلك إلا أن قساوة قلبه استكثرت عليهن الحياة بعدما رفض الحل الودي.
وحينما طلبت المحكمة الحصول على مفردات مرتب خاصة بالوالد سافرت ابنتي يسرا لمحل عمله بأسوان واستخرجت الورقة وقدمتها للمحامي الذي قام بدوره بتقديمه للمحكمة متسائلة إن كانت ابنتاي زورتا الأوراق فلماذا سافرتا لاستخراجها من محل العمل ألم يكن الأسهل تزويرها وتقديمها دون سفر.
وأضافت أن والدهما قصد ذلك وأسرع إلى النيابة العامة وحوَّل الخلاف العائلي إلى قضية تزوير كيدية ليتخلص من التزاماته ولم يكن يعلم أنه بذلك يقضي عليهن.
وأكدت أنها لم تهرب أو تترك ابنتيها لمواجهة المصير بمفردهما ولكن عدم حضورها لجلسة المحاكمة لتستطيع أن تعيد حق ابنتيها وتحاول في جميع الجهات تخليصهما من ذلك الكابوس، كما أن جهة عملها بالقاهرة رفضت بشكل قاطع إعطاءها إجازة في ذلك اليوم، فتركت البنتين تواجهان مصيرهما مطالبة المحكمة أن ترأف بحالة البنات في الاستئناف ليعود الحق إلى أصحابه وينكشف زيف هذه المؤامرة التي تثق تمامًا أنها مدبرة خاصة مع لجوء الوالد للطعن بالتزوير حتى قبل جلسة النفقة من الأساس ومطالبة محاميه بالتعويض المادي 100 ألف جنيه منهن وتوقيع أقصى عقوبة على ابنتيه".
رد الوالد: "عشت 10 سنوات من المكايدات وطليقتي هي اللي ورطت بناتي"
على الجانب الآخر، تجسدت رواية الأب ودفاعه عن نفسه في مشاعر حزينة لقلب ممزق تُبين الصراع بين كرامته كرجل وبين خوفه على بناته قطعتان منه داخل الزنازين، حيث قال في تصريحات له:
"يعلم الله أنني لم أتهم بناتي ولا مرة، ولم أكن يومًا سببًا في حبسهما، فهما قطعتان من قلبي ولكن كيد طليقتي فهي من خططت، ونفذت، حتى ورطت هاتين الطفلتين في حرب لا ناقة لهما فيها ولا جمل، فمنذ انفصالنا قبل 10 سنوات وأنا أتعرض لحرب استنزاف؛ 9 دعاوى قضائية منهم 7 نفقة رُفعت ضدي دون أن أعلم عنها شيء وكانت طليقتي تتعمد كتابة عناوين خاطئة ليصدر ضدي أحكام غيابية بالحبس، حتى أعيش مطاردًا في الخفاء
ورغم أن طليقتي تركت البنتين لجدتهما العجوز في الصعيد وسافرت للقاهرة كنت ادفع النفقة التي تحكم بها المحكمة، وفي المرة الأخيرة اكتشفت وجود مستند رسمي وأوراق منسوبة لجهة عملي مدون فيها راتبي بما يزيد عن 45 ألف جنيه لذلك اسرعت للنيابة للطعن في التزوير، فكنت أدافع عن نفسي ضد السجن.
وحينما تم توجيه تهمة التزوير لبناتي كنت أحاول طوال التحقيقات تبرئتهن وإثبات أنهما مجرد أدوات تم استخدامها في الواقعة.
وأضاف صُعقت وحزنت حزنًا يهد الجبال عندما علمت بصدور حكم الحبس ضدهما وأنا خارج المحافظة فطليقتي المتسببة في الواقعة حسب تصريحاته الآن حرة طليقة خارج أسيوط، وبناتي تدفعان ثمن عنادها وطمعها داخل السجن.
ونحن في كل الأحوال أمام أقوال متضاربة ليس فيها سوى المكائد والعناد والتهرب من المسئولية والمحكمة لا تحكم إلا من خلال أوراق ومستندات لا تعلم من السبب في وجودها سوى الفتيات اللاتي قدماها مسبقا بسبب شخص مجهول لتصل القضية من مجرد نزاع علي نفقة في محكمة الأسرة لحكم مشدد من محكمة الجنايات.
