رئيس التحرير
عصام كامل

بداية شهر الاستعداد للحج.. المسلمون يستقبلون غرة ذي القعدة “أول الأشهر الحرم”.. الأوقاف تقدم دليلا عمليا لتعظيم الحرمات ومضاعفة الأجور.. و5 أعمال أساسية للفوز ببركات الشهر الكريم

هلال شهر ذي القعدة
هلال شهر ذي القعدة
18 حجم الخط

أكدت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن دخول  شهر ذي القعدة والذي يبدأ اليوم الأحد، ليس مجرد انتقال زمني في تقويمنا المعتاد، بل هو انتقال إيماني عميق، من موسم إلى موسم، ومن طاعة إلى طاعة، ومن قرب إلى قرب، والمسلم الكيِّس الفطن هو الذي يعلم أن أيام عمره هي رأس ماله الحقيقي، وأن مواسم الطاعات هي أرباح مضاعفة يجب ألا تفوته.

ما مكانة شهر ذي القعدة في الإسلام؟

ذي القعدة هو أول الأشهر الحرم المتوالية التي اصطفاها الله عز وجل وفضّلها على غيرها، وهذا الاصطفاء الإلهي يستوجب من المسلم حذرًا شديدًا ومزيدًا من التقوى والعمل الصالح، ففيه تُضاعف الحسنات وتُعظّم السيئات.

وقد ورد هذا الفضل في القرآن والسنة، فمن القرآن الكريم: يقول الله تعالى مبيّنًا منزلة هذه الأشهر: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرࣰا فِی كِتَٰبِ ٱللَّهِ یَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَاۤ أَرۡبَعَةٌ حُرُمࣱۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُوا۟ فِیهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ [التوبة: ٣٦].

ومن السنة النبوية: بيّن النبي ﷺ هذه الأشهر في خطبة حجة الوداع، ليؤكد على حرمتها في أذهان الأمة دائمًا، قائلًا: «‌إِنَّ ‌الزَّمَانَ ‌قَدِ ‌اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [متفق عليه].

وقد سمي هذا الشهر "ذا القَعدة"؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تقعد فيه عن القتال والغزوات والترحال، تعظيمًا لحرمته، وتهيئةً للطرق والمقاصد لزوار بيت الله الحرام، فلما جاء الإسلام أقرّ هذه الحرمة وزادها تشريفًا وتأكيدًا.

كيف يمثل شهر ذو القعدة مرحلة الاستعداد للحج؟

هو مقدمة عملية وبوابة واسعة لمناسك الحج، فالحج لا يبدأ في يوم عرفة، بل يبدأ إيمانيًّا من دخول أشهر الحج، وفي هذا الشهر، تبدأ قوافل الحجاج في الاستعداد للسفر، وتتهيأ القلوب للوقوف بين يدي الله في أعظم مشهد تعبدي يجتمع فيه المسلمون من كل فج عميق.

يقول الله عز وجل: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧].

وأشهر الحج كما ورد عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة هي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة [موطأ مالك رواية أبي مصعب: (١١٠٩)].

وهذا يخبرنا أن الاستعداد للحج يحتاج إلى مساحة زمنية واسعة؛ لتتطهر القلوب من أدران الدنيا، وتتخفف النفوس من المظالم، وتُعقد النية الصادقة على التوبة، وحتى لمن لم يُكتب له الحج بجسده، فإن ذا القعدة فرصةٌ ليحج بقلبه، فيعيش معاني التلبية والتجرد لله رب العالمين.

لماذا يُعد ذو القعدة شهر المراجعة وتزكية النفس؟

كما كانت العرب تقعد فيه عن صخب المعارك، حريٌّ بالمسلم اليوم أن يقعد فيه عن صخب الدنيا وضجيج الملهيات، فهو رمز للسكون الروحي، وفرصة لالتقاط الأنفاس، ومراجعة النفس، وتصحيح المسار قبل دخول أعظم المواسم.

إن مرور الأيام وتراكم الانشغالات يورث القلب قسوةً وغفلةً، فيأتي ذو القعدة ليكون محطةً للهدوء والتفكر، ماذا قدمنا؟ وماذا أخرنا؟ كيف هي صلتنا بالله؟ وكيف هو حالنا مع القرآن والقيام؟ إنها فرصة سانحة لترميم ما تهدم من بناء الإيمان، وتجديد العهد مع الله تعالى، لندخل على عشر ذي الحجة بقلوب رقيقة وأرواح مستعدة.

كيف يتحقق في ذو القعدة تعظيم الحرمات ومضاعفة الأجور؟

في هذا الشهر، ينبغي على المسلم أن يزداد حرصًا على ترك المعاصي والآثام، وتعظيم أوامر الله ونواهيه، فانتهاك الحرمات فيه أشد إثمًا، والطاعة فيه أعظم أجرًا وقبولًا.

وقد جاء النهي الإلهي الصريح والتحذير الشديد في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظۡلِمُوا۟ فِیهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ [التوبة: ٣٦].

وقد أفاض المفسرون في شرح هذه الآية، فقال الإمام قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله: "الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئةً ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء" [تفسير الطبري ١١/ ٤٤٤].

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "لَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي كُلِّهِنَّ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ وَجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْأَجْرَ أَعْظَمَ" [فضائل الأوقات للبيهقي ١/‏ ٨٠].

وتعظيم الحرمات دليل قاطع على حياة القلب ونبضه بالإيمان، كما يقول سبحانه: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].

كيف يُمهّد شهر ذو القعدة لذي الحجة؟

لا يمكن بناء صرح عظيم دون أساس متين، وكذلك هي العبادات، وذو القعدة هو الأساس والمقدمة العظيمة لشهر ذي الحجة وللأيام العشر التي هي خير أيام الدنيا، ولا يُعقل أن يدخل المسلم على عشر ذي الحجة وهو مثقل بالغفلة ومكبل بالكسل، ثم يرجو أن يكون من السابقين فيها.

لذلك، ينبغي أن يكون ذو القعدة إعدادًا نفسيًّا وإيمانيًّا لذلك الموسم المبارك، من درّب نفسه في ذي القعدة على قيام الليل، وصيام النوافل، وقراءة القرآن، وتصدق ولو بالقليل، وجد حلاوة الطاعة ويسرها في ذي الحجة، وانطلق فيها انطلاقًا قويًّا لا يُعيقه تعب البدايات.

كيف نغتنم البركة في شهر ذى القعدة؟

لكي يكون استقبالنا لهذا الشهر استقبالًا عمليًّا مثمرًا، يجب أن نترجم هذه المعاني إلى خطوات تطبيقية في حياتنا اليومية:

تجديد التوبة: وهي أوجب ما يكون في الأشهر الحرم، لتنقية الصحيفة من الذنوب التي تحول بين العبد وبين التوفيق للطاعات.

حفظ الجوارح: تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، يجب صيانة اللسان عن الغيبة والنميمة، وغض البصر، وحفظ السمع عما يغضب الله.

صيام ما تيسر: يُستحب الإكثار من الصيام في الأشهر الحرم، كصيام الاثنين والخميس، والأيام البيض، تعويدًا للنفس وتهذيبًا لها.

رد المظالم: التحلل من حقوق العباد، سواء كانت ماديةً أو معنويةً، فالله يغفر ما كان في حقه بالتوبة، أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بعفوهم، أو ردها إليهم.

الإكثار من ذكر الله: ترطيب اللسان بالاستغفار، والتسبيح، والتهليل؛ لتكون القلوب موصولةً بخالقها على الدوام.

الجريدة الرسمية