رئيس التحرير
عصام كامل

بيض بلا ألوان، شم النسيم يفقد أحد طقوسه في زمن الغلاء

اسعار البيض فى شك
اسعار البيض فى شك النسيم
18 حجم الخط

 في حضارة آمنت بأن الكون بدأ من بيضة، لم يكن غريبًا أن يتحول البيض إلى رمز للحياة لدى المصري القديم. فقد ربط الفراعنة بين البيضة وبداية الخلق، واعتبروها تعبيرًا عن ميلاد النور وانبعاث الحياة.

من “بيضة الخلق” إلى مائدة العيد

ومع احتفالات عيد “شمو”، كان البيض حاضرًا كرمز أساسي للتجدد. لم يكن مجرد طعام، بل طقس كامل؛ يُلوَّن، تُكتب عليه الأمنيات، ويُعلَّق في المنازل كإشارة لبداية جديدة. هذا المعنى ظل ممتدًا حتى يومنا هذا، ولو بشكل أبسط.

 

حين كانت الألوان تُصنع في المحلات

 لم يكن تلوين البيض مسؤولية البيوت فقط، بل كان للمحلات دور واضح في هذه الطقوس. في المناطق الشعبية، كانت محلات بيع البيض تستعد لشم النسيم بشكل مختلف حيث يشتري أصحابها الألوان من العطار، ويقومون بتلوين البيض داخل المحل.

 

كان المشهد لافتًا بيض بألوان زاهية مرصوص في واجهات العرض، يجذب الأطفال والكبار، ويعطي إحساسًا حقيقيًا بقدوم العيد. لم يكن الزبون يشتري مجرد بيض، بل يشتري “شكل العيد” جاهزًا.

 

هذا الدور اختفى تدريجيًا، ومعه اختفى جزء من روح الموسم في الشارع.
 

“مبقيناش نلون زي زمان”

اليوم، لم تعد هذه الطقوس حاضرة كما كانت. لا في البيوت ولا في المحلات. اختفت فكرة البيض الملوّن الجاهز، واختفى معها مشهد كان جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة.

 

“مبقيناش نلون بيض زي زمان”.. عبارة تختصر التحول. لم تعد الألوان أولوية، ولم يعد العيد كما كان في تفاصيله الصغيرة.

 

التغيير هنا لا يتعلق فقط بالعادات، بل بإيقاع الحياة نفسه، الذي أصبح أكثر سرعة وأقل احتفالًا بالتفاصيل.

120 جنيهًا للكرتونة الحسابات تسبق البهجة

في السوق، يفرض الواقع نفسه بوضوح. كرتونة البيض الأبيض تسجل نحو 120 جنيهًا، وهو رقم كفيل بتغيير طريقة التفكير في الشراء.

 

في موسم يرتبط بعدة التزامات، من الفسيخ إلى الخضروات، يصبح البيض بندًا يُعاد النظر فيه. ومع ضغط الأسعار، يتراجع استخدامه في التلوين، ويقتصر على الضروري فقط.

 

هنا، تتحول طقوس العيد من مساحة للبهجة إلى قائمة حسابات دقيقة، يُحذف منها كل ما يمكن الاستغناء عنه.
 

محلات بلا ألوان والسوق بلا موسم

المحلات التي كانت تلوّن البيض وتعرضه لم تعد تقوم بهذا الدور. لا ألوان في الواجهات، ولا استعدادات خاصة بالموسم.

 

المشهد أصبح أقرب إلى الأيام العادية، دون ملامح واضحة لاقتراب شم النسيم. ورغم توافر البيض، فإن الإقبال لا يعكس أجواء عيد، بل حركة محدودة يغلب عليها الحذر.

 

كأن السوق فقد أحد أهم مظاهره، أو كأن العيد نفسه أصبح أكثر هدوءًا مما كان.

 

طقوس تتراجع وذاكرة تقاوم

 ما يحدث اليوم ليس مجرد تغير في سلعة، بل تراجع لطقس كامل كان يحمل معنى خاصًا. تلوين البيض لم يكن رفاهية، بل تعبيرًا بسيطًا عن الفرح والمشاركة.

 

ورغم اختفاء هذا المشهد من كثير من الأماكن، تظل صورته حاضرة في الذاكرة: محلات ملوّنة، أطفال يختارون، وألوان تسبق العيد.

شم النسيم يتغير ولا يختفي

قد تتغير التفاصيل، وقد تختفي بعض الطقوس، لكن شم النسيم يظل قائمًا. ليس بما نشتريه، بل بما نحمله من معانٍ.

 

حتى لو اختفت ألوان البيض من الواجهات، يبقى العيد حاضرًا، يبحث عن شكل جديد يناسب زمنًا مختلفًا

الجريدة الرسمية