أبو الخير نجيب، الصحفي الجريء الذي مهد لثورة يوليو ومات أمام نقابة الصحفيين "ممسكا بفرخة مجمدة"!
أبو الخير نجيب.. وُصف بالصحفي الجرئ، مواقفه الصحفية متناقضة، خاض معارك صحفية كبرى قبل وبعد ثورة 23 يوليو، عاب في الذات الملكية وسجنه الملك فاروق. رحل في مثل هذا اليوم 7 أبريل عام 1983 في حادث أتوبيس أمام نقابة الصحفيين.
ولد الصحفي أبو الخير نجيب عام 1905، عشق الصحافة وبدأ ممارسة العمل الصحفي في جريدة الأخبار كناقد فني عام 1928، تولى بعدها تحرير المحليات في جريدة “الجهاد” الوفدية، لصاحبها توفيق دياب، ثم اختاره أنطون الجميل للعمل بالأهرام عام 1935 مقابل 14 جنيهًا، وفي نفس الوقت تعاون مع دار أخبار اليوم ليكتب في أخبار اليوم وآخر ساعة، ثم تولى رئاسة تحرير "مسامرات الجيب" عام 1945.
رسالة إلى الملك في التيجان الهاوية
تولى أبو الخير نجيب عام 1946 رئاسة تحرير جريدة "النداء" الوفدية، فارتفع توزيعها، وهي الجريدة التي كتب فيها أشهر مقالاته: "التيجان الهاوية.. الدولة المصرية في طور الانحلال"، كتب فيها يوجه رسالة مباشرة إلى الملك فاروق قال فيها: “ما قصة الملك ميشيل ــ ملك إسبانيا ــ إلا قصة كل ملك مغامر لا يعرف لنفسه حدودًا، ولا يقنع بالقداسة تحوط شعبه، فيأبى إلا أن يخوض معارك السياسة المحلية ويقحم نفسه فيما ليس من اختصاصه، وبذلك يهوي بنفسه عن مستوى المسؤولية، ومتى هبط ملك بنفسه إلى هذا المستوى فإنه يفقد الحصانة ويصبح رجلًا عاديًا يجري عليه ما يجري على رجل السياسة ورجل الشارع سواء بسواء”.
اتهام بالتطرف والحكم بالغرامة
وكانت نتيجة مقال التيجان الهاوية أن استدعى الملك فاروق الصحفى أبو الخير نجيب وحقق معه وأحاله إلى نيابة الصحافة، التي حبسته أربعة أيام، ثم أفرج عنه، وقبض عليه البوليس السياسي مرة ثانية بتدخل من القصر الملكي، واتهم بالتطرف وغرامة 100 جنيه.
وزير العدل يهدد بالاستقالة
طالب محامو الدفاع وزير العدل بالتدخل للإفراج عن أبو الخير نجيب، وهدد وزير العدل بالاستقالة ما لم يُحترم حكم القضاء بالإفراج عن أبو الخير نجيب، واضطر النقراشي رئيس الوزراء إلى التدخل لدى إبراهيم عبد الهادي، رئيس الديوان الملكي، مهددًا بالاستقالة أيضًا، وتدخل أيضًا فكري أباظة، وكان نقيبا للصحفيين، حتى أفرج عن أبو الخير نجيب بلا ضمان، وكانت النتيجة فصله من الأهرام، فأصدر جريدة “الجمهور المصري” في يناير عام 1951.

اتخذ أبو الخير نجيب سياسة تحريرية وطنية فى جريدته " لجمهور المصرى" منذ العدد الأول، فهاجم الاحتلال والإقطاع، ووصل به الأمر إلى نشر فتوى من أحد الشيوخ فى الأزهر باستباحة دماء وأموال أي إنجليزى محتل فى مصر، بل ورصدت الجريدة مكافأة لمن يقتل الجنرال أرسكين!
ولم تسكت الحكومة عليه، بل طالبت بوقف إصدار "الجمهور" ومحاكمة رئيس تحريرها أبو الخير نجيب.
فى عام 1943، أثناء عمل أبو الخير نجيب بجريدة الأهرام، أقر ولأول مرة، لائحة صندوق الادخار للعاملين بالأهرام، وعند تأسيس نقابة الصحفيين انضم إليها عضوًا الصحفى أبو الخير نجيب، وحصل على بطاقة العضوية رقم 16.

علم الصحفي أبو الخير بالاستعداد لثورة 23 يوليو 1952 قبل قيامها، بحكم عمله الصحفي، حتى إنه كتب مقالًا في جريدة "الجمهور المصري" ليلة الثورة يقول فيه: “بارك الله في الزعماء الذين لم يظهروا بعد على المسرح، وطالما تطلعت إليهم البلاد”.
وكتب يهاجم ديمقراطية ما قبل الثورة، ووصفها بأنها ديمقراطية اللصوص والسفهاء والإقطاعيين والقتلة، وأنها كفلت الحرية المطلقة للفساد، وأن دستور 1923 ولد في حجر الملكية والاحتلال والطغيان، وأنه بعد قيام ثورة لا بد من دستور جديد، وشارك برأيه في الدستور الجديد وطالب بأنه يجب أن يحتوي على ضمانات، منها أن يتضمن ما يسد على الدولة باب السطو على حقوق الشعب وباب إهدار الحريات الأساسية والعدوان على القضاء والصحافة الشعبية، كما طالب أن يضم الدستور ما يجعل رئيس الدولة خاضعًا للمساءلة والعقاب إذا ارتكب الخيانة العظمى.
تعطيل الجمهور المصري
بعد ذلك اتهم الصحفي أبو الخير نجيب بالخيانة وبتقاضي مصاريف سرية ضمن 23 صحفيًا و15 جريدة، وتم تعطيل "الجمهور المصري"، ودافع عنه عبد الرحيم نافع المحامي، وحُكم على نجيب عام 1954 بالأشغال الشاقة 15عامًا، وأفرج عنه بعد 12 سنة سجن، بأمر من السادات بالإفراج الصحي، وامتنعت الصحف عن نشر مقالاته، حتى وضع كتابًا بعد ثورة التصحيح باسم "الحكومات البوليسية". وبعد وفاة السادات سلمته السيدة جيهان درع الإعلام؛ بسبب جهوده في خدمة الصحافة الوطنية ودفاعه عن حرية الرأي.
نهاية مؤسفة على باب نقابة الصحفيين
لكن انتهت حياة الصحفي أبو الخير نجيب في حادث مأساوي أمام مبنى نقابة الصحفيين، حيث صدمه أتوبيس نقل عام رقم 310 أمام مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت وهو ممسك دجاجة مجمدة كان قد اشتراها من مجمع السلع بالنقابة، كما ذكر صديقه الرسام طوغان في رثائه لصديقه أبو الخير نجيب.
