د. نادر نور الدين لـ"فيتو": الزراعة تحولت إلى مهنة خاسرة.. ارتفاع إيجار الأراضي والأسمدة والمبيدات يضاعف خسائر المزارعين.. وغياب التخطيط وراء جنون سعر الطماطم وكساد الفراولة
في ظل موجة من التقلبات التي يشهدها القطاع الزراعي في مصر، ما بين ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض عوائد المزارعين، واتساع الفجوة بين أسعار الحقل والأسواق، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الزراعة ودور الدولة في إدارتها، ويتحمل المزارعون خسائر فادحة، وتثقلهم الديون، فيما تقف وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على الشاطئ الآخر من النهر بلا حول منها ولا قوة ولا تخطيط.
وفي هذا السياق، أجرت فيتو هذا الحوار مع الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية والأراضي بجامعة القاهرة، كاشفًا عن أوجه الخلل في منظومة الإنتاج والتسويق الزراعي، ومُسلطًا الضوء على تأثير غياب التخطيط، وسيطرة الوسطاء، وتضخم التكاليف على الفلاح المصري.. فإلى نص الحوار:
- في البداية، كيف تقيم حجم الخسائر الحالية في محاصيل الفراولة والبطاطس والبصل والموالح، وهل نحن أمام أزمة حقيقية أم مجرد تذبذب طبيعي في السوق؟
يشهد المزارعون حاليا خسائر كبيرة، رغم أن القطاع الزراعي يُخدم على 55% من سكان مصر أي 60 مليون مصري يقيمون في الريف والحضر ويفتح بيوت غالبية المصريين ويؤثر في كل بيت من بيوت 110 ملايين نسمة في الريف والمدن.
- ما العوامل الأساسية التي أدت لهذه الخسائر هذا الموسم تحديدا؟
كما تحدد وزارة الري مساحات زراعات الأرز ومساحات قصب السكر بما لا يرهق الموارد المائية القليلة في مصر، فكان من واجب وزارة الزراعة أن تحدد المساحات المناسبة والنموذجية للحاصلات المهمة في مصر وتصدر بها نشرات استرشادية للمزارعين لتحقيق أعلى عائد، ومنها مساحات زراعات الطماطم والبصل والثوم والبطاطس طبقا لاحتياجات السوق المحلي والتصديري والعروات المتتابعة لزراعة بعضها مثل الطماطم والبطاطس واللتين تزرعان على مدار العام حتى لا يحدث فارق بين العروات يتسبب في ارتفاعات كبيرة في الأسعار كما حدث حاليا.
ففقدان التخطيط الزراعي المبني على رؤية ودراسة تسبب في وصول الطماطم إلى 60 جنيها أو في انخفاض أسعار البطاطس والبصل والثوم إلى أربعة جنيهات للكيلوجرام في الحقول بما تسبب في خسائر جسيمة للمزارعين.
- كيف يمكن تحقيق التوازن بين مصلحة المزارع والمستهلك؟
من أهم وظائف وزير الزارعة في العالم كله هو الإلمام والمعرفة التامة باحتياجات السوق المحلي وأسواق التصدير من كل منتج زراعي وكل نوع من أنواع الغذاء وبالتالي يحدد خريطة للإنتاج الزراعي بالمساحات المطلوب زراعتها من كل محصول وخضار وفاكهة بما يحقق مكسب للمزارعين ولا يسبب إرهاقا سعريا للمستهلك.
- إلى أي مدى لعبت التغيرات المناخية دورا في تراجع الإنتاج والجودة؟
هناك فرق بين التغيرات المناخية وبين التقلبات المناخية وهو مثل الفرق بما تتوقعه وما تحصل عليه فعلا، فتغير المناخ يكون للأزمنة الطويلة عبر 30 سنة حتى نحكم على أن المناخ تغير فعلا وأن الحرارة ارتفعت فعلا بمعدل درجة أو درجة ونصف أو درجتين، ولذلك حددت المنظمات الدولية درجة ونصف فقط مسموح بها لارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض وهي الحرارة التي تسمح لنا بالتغلب على تداعيات أو أضرار أو الآثار السلبية لاتفاع درجات حرارة العالم، وأكثر من درجة ونصف ارتفاعا في درجات الحرارة سيكون من الصعب التغلب على أضرارها والتعايش معها، وهو ما نطلق عليه التأقلم أي تقليل الآثار السلبية لهذه التغيرات.
وحتى الآن لم تظهر التغيرات المناخية أي تأثيرات سلبية على إنتاج الغذاء في العالم، فعلي سبيل المثل إنتاج الحاصلات الثلاث الرئيسية في العالم هذا العام وهي القمح والذرة وفول الصويا أعلى من متطلبات كل سكان العالم ومن حجم تجارة الغذاء في العالم.
- وما تأثير التقلبات المناخية التي حدثت مؤخرا على الإنتاج؟
كل التقلبات المناخية التي شهدتها مصر في مارس وبدايات إبريل هي تقلبات معتادة وتحدث دوريا وسماها القدماء بموسم الخماسين بما تحمله من رياح وأتربة وغبار وسخونة وبرودة، ووزارة الزراعة تصدر بها نشرات استرشادية للمزارعين عن كيفية التعامل مع كل حالة سواء الرياح الساخنة أو الباردة أو الأمطار الكثيفة أو الغبار والأتربة وغيرها، وبالتالي فتأثيراتها محدودة جدا على الإنتاج الزراعي ولا ينبغي التضخيم في هذا التأثير.
وما حجم تأثير الحرب الحالية على أسعار الغذاء عالميا؟
لا توجد أزمة غذاء عالمي بسبب حرب إيران ولكن أزمة طاقة وبترول وغاز طبيعي تعكس بعض تأثيراتها على أسعار الغذاء حيث ترتفع أسعار الشحن على واردات الغذاء وكذلك ترتفع أسعار الأسمدة والمبيدات ومنظمات النمو والتي تعتمد على الوقود في إنتاجها وكذلك أنظمة التبريد والتسخين والتجفيف في الزراعة وكلها تعتمد على الوقود، كما أن الطاقة تمثل نحو 30% من تكاليف إنتاج الغذاء، والأسمدة تزيد المحصول بنسبة 30% أيضا، وبالتالي تكون المحصلة هى ارتفاع أسعار الغذاء بما لا يزيد عن 10% فقط لو أستمرت الحرب لشهرين، وحتى الان في اليوم 35 للحرب ارتفعت الأسعار عالميا القمح 1%، والذرة والصويا 0.5%، وزيوت الطعام 5%، والسكر 7% فقط، وهي زيادة محدودة لا تسبب أزمة غذائية.
- وكيف تغيرت تكلفة الإنتاج خلال الفترة الأخيرة بالنسبة للفلاح؟
منذ أن حررت الدولة نظام تأجير الأراضي الزراعية وهي في ارتفاعات مستمرة ومتتالية رغم أن الفلاحين هم أفقر الفقراء، كما وأن الغذاء سلعة استراتيجية تتمتع بحماية أممية ووُضع لها مبدأ الحق في الطعام وهو أحد أهم مبادئ الأمم المتحدة بأن تكون أسعار الغذاء مناسبة للجميع وألا يكون الغذاء للأغنياء فقط، وبالتالي فالحكومات تضمن أن تكون أسعار كل صنوف الغذاء في المتناول وبالتالي ينبغي للحكومات أن تحافظ على حد مقبول لإيجار الأراضي الزراعية وليس أن تقود هي بنفسها ارتفاع أسعار الإيجارات كما فعلت وزارة الأوقاف في أراضيها بما أدى إلى المزيد من ارتفاع إيجارات الأراضي الزراعية من ملاكها، وقد وصل إيجار فدان الفراولة في محافظة البحيرة مثلا 50 ألف جنيه، ويتراوح الإيجار لباقي الحاصلات ما بين 25 - 35 ألف جنيه وهي مبالغ كبيرة تضاف إلى مدخلات وتكاليف الإنتاج الزراعي، ثم قامت الحكومة برفع أسعار الأسمدة المدعمة فبالغ القطاع الخاص في رفع أسعار الأسمدة الخاصة بباقي الحاصلات التي لا تخصص لها وزارة الزراعة الأسمدة حيث يقتصر الدعم على حاصلات القمح والبرسيم والذرة والأرز وقصب السكر، بينما كل الخضروات والفاكهة تدبر أسمدتها من القطاع الخاص والتي ترتفع دوريا، ثم ارتفاع أسعار المبيدات وارتفاع أسعار التقاوي وحتى الوزارة ترفع أسعار تقاوي القمح دوريا، وبالتالي وصلنا إلى مرحلة ارتفاع وتضخم في تكاليف الزراعة يصاحبها انخفاض في عائدات الزراعة وبالتالي خسارات متتالية للمزارعين تهدد بابتعاد المزارعين عن زراعة أراضيهم إذا استمرت هذه الخسائر ولم تدعمهم أو تقف معهم الدولة.
- ما أكثر عنصر شكل ضغطا على المزارعين في الأزمة الأخيرة: الأسمدة، التقاوي، العمالة، أم النقل؟
ينبغي للحكومة أن تعي جيدا أن ارتفاعات أسعار الوقود والغذاء هما أهم أسباب عدم الاستقرار والاضطرابات في الدول النامية وأن تتذكر دوما أحداث يناير 1977 عندما رفع الرئيس السادات كل أسعار الغذاء لرفع الدعم دفعة واحدة لشعب أغلبه من الفقراء، وبالتالي فإن مدخلات أو تكاليف الإنتاج الزراعي جميعها وبلا استثناء ارتفعت أسعارها وتضغط بشدة على المزارعين وتجعل من القطاع الزراعي مهنة طاردة للعمالة وللعاملين بها، وبالتالي وعلى الرغم من المتاعب الاقتصادية الحالية فعلى الحكومة أن تعلم أن الفقراء هم أكثر المتضررين وهم أكثر من يتحمل تكلفة الإصلاح الزراعي.
وحاليا يمثل إيجار الأراضي الزراعية نحو 50% من تكاليف الإنتاج الزراعي والأسمدة نحو 10% والتقاوي نحو 5% في المتوسط باستثناء التقاوي المحسنة المستوردة عالية الإنتاجية، ومثلها المبيدات، وتتكلف العمالة نحو 25% من التكاليف كما في ضم القمح وجني القطن بسبب غياب الآلة في الحصاد والاعتماد على العمالة اليدوية والباقي تكاليف الخدمة طوال الموسم الزراعي من حرث وعزق وطلمبات ري ومقاومة الحشائش وبعض العمليات الزراعية الأخرى.
- هل يمكن القول إن الفلاح حاليا يبيع بأقل من تكلفة الإنتاج؟
في الحقيقة أن أسعار الخضروات والفاكهة تتضاعف أربع مرات قبل وصولها للمستهلك، فعلي سبيل المثال يشتري تاجر الحقل محصول الطماطم في الحقل بجنيه ثم يذهب به إلى سوق الجملة ويبعه لتاجر الجملة بجنيهين، ويبيعه تاجر الجملة لتاجر التجزئة وسيارات الخضروات بثلاثة جنيهات فيبيعه تاجر التجزئة أو تاجر الحي للمستهلك بأربعة جنيهات، مع مراعاة أن هناك تكاليف نقل تخصم من الربح في كل مرحلة، إلا أن الفلاح الذي دفع إيجار الأرض والعمالة والزراعة والحصاد والأسمدة والمبيدات وماكينات الري وتكاليف الحرث والخدمة وأنتظر خمسة أشهر حتى نضج المحصول قد حصل على جنيه واحد، بينما حصل تاجر الحقل على جنيه مثله بدون تعب وكذلك تاجر الجملة ثم تاجر الحي وكل منهم حصل على نفس ما حصل عليه الفلاح الذي تعب وشقا وزرع وسمد وشال الهم.
- ولماذا نشهد انهيارا في أسعار بعض المحاصيل رغم ارتفاع التكلفة؟ وما دور الوسطاء في هذه الأزمة؟
دور الوسطاء، هو أحد أهم أسباب تفاقم الأزمة، حيث يمر المنتج بعدة حلقات تداول (تاجر الحقل، تاجر الجملة، تاجر التجزئة)، ما يؤدي إلى مضاعفة السعر النهائي للمستهلك، بينما يحصل المزارع على أقل نصيب من القيمة، وفي حالات وفرة الإنتاج، قد يضغط الوسطاء على أسعار الشراء من المزارعين لتحقيق مكاسب أكبر، مما يزيد من خسائرهم.
- أيهما أولى: التصدير أم تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الزراعية؟
الدولة تنظر للتصدير على أنه مصدر للعملة الصعبة التي تحتاجها ولا تنظر إلى استيرادها الكبير بالدولار للسلع الاستراتيجية الزراعية، فعلى سبيل المثال تصدر الحكومة منتجات زراعية طازجة بنحو 3.5 مليون دولار بينما تستورد السلع الإستراتيجية بنحو 17 مليون دولار من القمح والذرة الصفراء وفول الصويا وزيوت الطعام والفول والعدس والسكر والزبدة البقري واللحوم الحمراء، وبالتالي يبدو الأمر أن التوسع في زراعات القمح والذرة الصفراء وفول الصويا وعباد الشمس والفول والعدس وبنجر وقصب السكر أكثر توفيرا للدولار من التصدير كما وأنه يحقق مستوى أعلى من الأمن الغذائي.
ووجود نسب من الاكتفاء الذاتي من هذه الحاصلات الاستراتيجية يجنبنا الأزمات الحالية مثل حرب إيران الحالية ومن قبلها حرب روسيا وأوكرانيا ومن قبلهما أزمة وباء كورونا وجميعها كلفتنا مبالغ طائلة بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والشحن والطاقة، كما وأن التصدير ليس قرارنا ولا بيدنا ولكنه يتوقف على المستورد وهو الذي يحدد الكميات والمواصفات، وفي أثناء الأزمات العالمية قد يتوقف التصدير تماما كما حدث في أزمة كورونا حيث أغلقت المواني الأوروبية وأعيد ترتيب الأولويات لشراء الأمصال والطعوم والمطهرات والأدوية وبالتالي توقفوا عن استيراد الخضروات والفاكهة والورود.
- ما الإجراءات العاجلة التي يمكن اتخاذها لإنقاذ المزارعين في الوقت الحالي؟
ينبغي عودة التعاونيات الأهلية التي ترفع شعار من المنتج إلى المستهلك أو من الحقل إلى الفم، دون كل هذه الحلقة من الوسطاء وأن يوردوا مباشرا إلى تاجر الحي أو المجمعات التعاونية أو الفروع الفئوية لوزارة الزراعة والتموين ومنافذ الشرطة والجيش وبعض الجهات الفئوية.
كما يجب تحديد حد أقصى لإيجار الأراضي الزراعية وألا تُترك لأطماع الملاك فهي ليست سلعة لها عرض وطلب بل هي أسعار إذعان ليس لها بديل، مع مراعاة أسعار السولار ومستلزمات الطاقة التي تستهلك في القطاع الزراعي والأسمدة والمبيدات،، وجميعها ترفع أسعار تكاليف الزراعة
ويجب كذلك البحث عن الوسيلة المناسبة لدعم المزارعين، فمثلا عند شراء القمح من المزارعين تدفع لهم الحكومة السعر العالمي للقمح المعلن في البورصات العالمية فقط ويجب على الحكومة أن تضيف لهذا السعر تكاليف الشحن البحري الذي تدفعه لنقل هذا القمح إلى المواني المصرية ثم تكاليف التفريغ في المواني ثم تكاليف النقل البري الداخلي من الموانئ المصرية إلى 27 محافظة، لأن القمح المحلي يتميز بأنه موزع فعليا على جميع المحافظات وبالتالي لا يكلف الحكومة لا تكاليف شحن ولا تفريغ ولا نقل بري داخلي، ويجب على الحكومة أن تضيف هذه التكاليف إلى سعر توريد القمح المحلي حتى تكون عادلة ويستفيد الفلاح من السعر الفعلي للقمح، ويكفي أن القمح المحلي يسلم للدولة بالجنية المصري ولا يكلفها تدبير عملات أجنبية بالدولار أو اليورو والتي نعاني من أزمة سيولة وتدبير لهما ويكفي الفارق في جودة المحصول بين المحلي والمستورد حيث نستورد قمح الدرجة الثانية بينما القمح المصري يصنف على أنه قمح فار من الدرجة الأولى وأغلى في السوق العالمي من قمح الدرجة الثانية، والحكومة تشتريه على أنه قمح درجة ثانية.
