رئيس التحرير
عصام كامل

صدمة في تل أبيب.. "حزب الله" يصمد ويكشف فشل التقديرات الاستخباراتية.. أعاد تنظيم صفوفه وعاود الهجوم بأسلحة متطورة.. غيَّر معادلات المواجهة وقلب حسابات الحرب بالمنطقة

عناصر تابعة لحزب
عناصر تابعة لحزب الله
18 حجم الخط

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة معقدة من التصعيد العسكري والتوترات الإقليمية، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي مواجهة ألقت بظلالها على عدد من الساحات، وفي مقدمتها لبنان، الذي بات يمثل إحدى الجبهات الأكثر حساسية في هذا السياق؛ حيث يبرز دور حزب الله كأحد الفاعلين الرئيسيين في هذه التطورات، نظرا لارتباطه بمحور إقليمي أوسع وتأثيره المباشر على توازنات القوى.

وعلى الرغم من الضربات التي استهدفت بنية الحزب وقياداته خلال الفترة الماضية، وما رافقها من تقديرات أشارت إلى احتمال تراجع دوره، فإن التطورات الميدانية الأخيرة تعكس قدرة الحزب على إعادة تنظيم صفوفه واستئناف نشاطه العسكري، حيث نفذ سلسلة من العمليات خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ما يشير إلى احتفاظه بقدر كبير من قدراته العملياتية.

وفي هذا السياق، نقلت تقارير وتصريحات عن مسؤولين وخبراء أن الحزب لا يزال يمتلك أدوات عسكرية فعالة، وأن احتمالات تراجعه الكامل تبدو محدودة في المدى القريب.

كما أشارت بعض التقديرات إلى أن المواجهة في جنوب لبنان قد تحمل تحديات إضافية للقوات الإسرائيلية، في ظل طبيعة الجغرافيا وتعقيدات القتال غير التقليدي.

حزب الله لم يمت “إكلينيكيا”

على الرغم من مراهنة كثيرين على أن حزب الله مات “إكلينيكيا”، إلا أن العمليات التي نفذها الحزب على مدى 26 يوما منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، فاجأت القوات الإسرائيلية، ما دفع اللواء بالاحتياط الإسرائيلي إيال بن رؤوفين للقول إن “حزب الله لن يختفي”، وأن الحرب الإسرائيلية في لبنان “قد تنتهي بخيبات أمل لإسرائيل”، وأن “المستنقع اللبناني لا يزال قائما بكل أبعاده”.

الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أكد دعمه الكامل لطهران حتى قبل اندلاع الحرب
الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أكد دعمه الكامل لطهران حتى قبل اندلاع الحرب

من جهته، أكد أستاذ علم الاجتماع ومدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية طلاس عتريسي في تصريحات لوكالة “مهر” الإيرانية أن “المواجهات البطولية التي يخوضها حزب الله في جنوب لبنان كانت مفاجأة حقيقية لكثير من الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية، سواء داخل الكيان الإسرائيلي أو حتى في لبنان، لأن الانطباعات التي تركتها الحرب السابقة وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت تؤكد انتهاء الحزب تقريبا، وأنه لم يعد يشكل أي تهديد بالنسبة للكيان الإسرائيلي بعد الضربات التي طالت قياداته الدينية والسياسية والميدانية خلال الحرب الماضية”.

إعادة انتشار قوة الرضوان في جنوب الليطاني

منذ اندلاع الحرب، سعت قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى فرض ما يمكن وصفه بـ"نموذج غزة" في لبنان، ما يضع لبنان أمام خيارين محتملين: الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله مع استمرار الاحتلال، أو تراجع الحزب جزئيا تحت الضغط الداخلي والدولي، في سياق النزاع الإقليمي الأوسع.

لكن إصرار حزب الله على مواصلة الانخراط في الحرب الراهنة، دفعه إلى تبني سيناريو مختلف من خلال اعتماده على “قوة الرضوان”، وهي نخبة الفرق القتالية لدى الحزب، وتضم حوالي 5 آلاف مقاتل، حيث أعادت هذه القوة انتشارها شمال نهر الليطاني، لكنها نقلت جزءا من قواتها إلى جنوب الليطاني وأنشأت شريطا دفاعيا في الجنوب على بعد حوالي 10 كيلومترات من الحدود جراء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.

وتعتمد “قوة الرضوان” على استخدام الأسلحة المضادة للدروع لصد تقدم القوات الإسرائيلية، بالاستفادة من التضاريس الجبلية الوعرة وطرق التقدم المحدودة. كما يمتلك الحزب آلاف الصواريخ المضادة للدبابات من أنواع مختلفة، بينها نحو 25 ألف صاروخ معظمها قصير المدى (يصل إلى 80 كيلومترا) ومتوسط المدى (حتى 200 كيلومتر)، إلى جانب صواريخ بعيدة المدى تتجاوز 200 كيلومتر، وفقا لتقارير إعلامية.

حزب الله يستخدم كامل ترسانته دعما لإيران

يشير تقرير نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن انخراط حزب الله في الحرب الراهنة دعما لإيران لم يكن مفاجئا، حيث صرح الأمين العام للحزب نعيم قاسم بدعمه الكامل لطهران حتى قبل اندلاع الحرب، في إطار سعي الحزب إلى تحقيق هدفين: الأول تنفيذ التزامه تجاه إيران بمساعدتها في الحرب ضدها، عبر دفع إسرائيل إلى استثمار جهودها في الجبهة اللبنانية، خصوصا بعد أن اعتبرت قيادة التنظيم اغتيال المرشد الإيراني الأعلى السابق علي خامنئي خطا أحمر؛ والثاني محاولة الحزب تحسين وضعه الداخلي.

وعلى النقيض من المواجهة المحدودة التي خاضها الحزب دعما لغزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، فإن الحزب يستخدم كامل ترسانته منذ الأيام الأولى للحرب الحالية، ويطلق العشرات بل المئات من الصواريخ والطائرات المسيرة يوميا، وأطلق أيضا صواريخ باليستية محدودة (فاتح 110 وقادر 1) نحو وسط إسرائيل، ووصل أحدها حتى منطقة غلاف غزة، وذلك ضمن عملية أطلق عليها اسم “العصف المأكول”.

استهداف إسرائيلي متواصل لنهر الليطاني

وفي المقابل، صرح وزير مالية دولة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش في 23 مارس 2026 بأن “نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بين إسرائيل ولبنان”، مضيفا: “مثلما نسيطر على 55% من غزة علينا أن نفعل ذلك في لبنان”.

صرح وزير مالية دولة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش بأن نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بين
صرح وزير مالية دولة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش بأن نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بين إسرائيل ولبنان

ونهر الليطاني هو أطول نهر في لبنان؛ حيث يمتد لنحو 170 كيلومترا، وينبع من سهل البقاع قرب بعلبك، قبل أن يشق طريقه جنوبا ثم ينعطف غربا ليصب في البحر المتوسط شمال مدينة صور، ولا تكمن خصوصية نهر الليطاني في طوله أو مساره فقط، بل في كونه نهرا لبنانيا خالصا، يجري بالكامل داخل الأراضي اللبنانية، ما جعله على الدوام جزءا من مفهوم السيادة المائية والاقتصادية في لبنان؛ ويشكل النهر شريانا أساسيا للقطاع الزراعي، إذ يروي مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية في سهل البقاع والجنوب، ولا سيما في سهل القاسمية، ما يجعله ركيزة لاستمرارية الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي اللبناني.

تقديرات استخباراتية خاطئة

أما جريدة “ذا جارديان” البريطانية، فقالت في تقرير سابق إن بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، حصل “بالفعل على كل ما طلبه: لقد دمر غزة، وهو في طريقه للضم الفعلي للضفة الغربية، وحتى الآن تجنب المثول أمام القضاء بتهم الفساد في إسرائيل أو الاعتقال في الخارج كما طالبت المحكمة الجنائية الدولية”.

ومن خلال تقليص المنطقة بأكملها إلى تعريفها التعسفي لما يعد تهديدا، سعت إسرائيل إلى توسيع نفوذها ليشمل تحديد مصير المنطقة بأكملها، بل وبقية العالم أيضا.

سيناريوهات أكثر خطورة على استقرار المنطقة

وتكشف التطورات الميدانية أن التقديرات التي راهنت على تراجع دور حزب الله لم تعكس بدقة قدراته الفعلية، إذ تمكن الحزب من إثبات حضوره كفاعل مؤثر، قادر على التكيف وإعادة التموضع رغم حجم الضغوط التي تعرض لها. كما توضح المواجهة حدود القوة العسكرية التقليدية في حسم صراعات من هذا النوع، حيث تلعب العوامل غير التقليدية -مثل طبيعة الأرض، والمرونة التنظيمية، والتحالفات الإقليمية- دورا حاسما في إطالة أمد النزاع وتعقيد نتائجه. 

وفي المقابل، تعكس التصريحات والمواقف الإسرائيلية توجها نحو توسيع نطاق المواجهة، بما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة على استقرار المنطقة.

  • الفيديو المرفق يوضح قصف إسرائيل لجسر رئيسي فوق نهر الليطاني، في انتهاك واضح لمواثيق القانون الدولي التي تحظر مهاجمة البنية التحتية المدنية، وقد انتقد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان تصرفات إسرائيل في لبنان، والتي شردت أكثر من مليون لبناني.
الجريدة الرسمية