أسواق الخليج تحت المجهر.. سلاسل الإمداد الغذائي في اختبار الحرب، نقص توافر السلع الغذائية وارتفاع تكاليف الشحن يثيران مخاوف من ضغوط خلال موسم العيد
في موسم عيد الفطر الذي يشهد عادة إقبالًا غير مسبوق على الشراء، خضعت سلاسل التوريد الغذائية في أسواق الخليج لاختبار حقيقي مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب حركة الملاحة البحرية.
فمنذ أسابيع، بدت ملامح مشهد غير معتاد في بعض الملاحم الكبرى، حيث اختفت خيارات لحم الضأن الطازج المتنوعة التي اعتاد المستهلكون عليها، لتحل محلها إمدادات محدودة لا تُباع إلا وفق آلية "الأولوية للحضور" في الساعات الأولى من الصباح، مع صعوبة في قبول الطلبات المسبقة.
حركة الشحن في مضيق هرمز
هذا النقص المؤقت في أحد أهم عناصر المائدة الرمضانية، لم يأت من فراغ، بل يعكس تداعيات مباشرة للحرب الإيرانية على حركة الشحن في مضيق هرمز.
وأدى التصعيد الأمني إلى تعليق بعض شركات النقل الكبرى لعمليات العبور، وفرض رسوم تأمين إضافية بمخاطر الحرب، مما تسبب في تأخير وصول شحنات رئيسية، لا سيما لحم الضأن الأسترالي والأرز الهندي، وهما سلعتان أساسيتان في أسواق المنطقة.
ومع أن اقتصادات الخليج اعتادت تقلبات الإقليم، إلا أن حدّة الاضطرابات الحالية دفعت إلى إعادة هيكلة عاجلة لمسارات الإمداد.
ففي خطوة استباقية، سارعت السعودية إلى تفعيل مبادرة "المسارات اللوجستية"، محولة موانئ البحر الأحمر، خاصة جدة، إلى بوابة بديلة للتجارة، يتم من خلالها نقل البضائع برًا عبر آلاف الشاحنات إلى دول الخليج. كما أعلنت شركات شحن عالمية، مثل "سي إم إيه - سي جي إم"، عن تدشين ممرات برية تربط موانئ غرب السعودية والإمارات وسلطنة عمان، بهدف تجاوز المخاطر في هرمز.
هذه الاضطرابات، التي وثقتها تقديرات شركة "ألتانا" بقيمة واردات سنوية تبلغ نحو 10 مليارات دولار من السلع الغذائية الأساسية لدول المنطقة، دفعت تجار التجزئة إلى تغيير استراتيجياتهم.
فبحسب مسؤولي مجموعة "لاندمارك"، فإن الشركات سارعت إلى تعزيز المخزون وزيادة الاعتماد على النقل البري لضمان استمرار التدفقات خلال مواسم الذروة.
على مستوى المستهلك، تباينت ردود الأفعال بين اندفاع استباقي لشراء السلع الأساسية في بعض المتاجر، وحذر في الإنفاق على السلع الكمالية.
ويتوقع خبراء اقتصاديون، مثل حمزة الكعود، أن تبدأ تأثيرات ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في الظهور تدريجيًا على أسعار التجزئة، ما لم تتمكن الشركات من امتصاص هذه الضغوط عبر تقليص هوامش الربح.
ويمتد أثر هذه التحديات إلى ما وراء الخليج، حيث تواجه دول تعتمد على الاستيراد مثل مصر والأردن ولبنان ضغوطًا تضخمية إضافية مع ارتفاع أسعار الطاقة وكلفة النقل، مما يعيد إلى الواجهة ملف الأمن الغذائي في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.


