حكم كتابة المصحف بغير الرسم العثماني
في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان يداوم الكثيرون على قراءة وتلاوة كتاب الله، ويعدونها فرض عين على كل مسلم، وقد تواردت النصوص في بيان جزيل ثواب من أطاع الله تعالى بصيام شهر رمضان؛ وقراءة القرآن مع صوم رمضان؛ ويتساءل كثيرٌ من الناس عند تلاوة القرآن الكريم من المصحف عن المقصود بالرسم العثماني، والذي لا يكاد مصحفٌ يخلو من الإشارة إليه ذلك خصوصًا في أوّل صفحاته أو آخرها، فما هو المقصود من الرسم العثماني في المصحف؟ وهل هناك فرق بينه وبين الرسم الإملائي الذي يسير عليه الناس في كتاباتهم؟ وما حكم كتابة المصحف بغير الرسم العثماني؟
كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير سنجيب عنه في هذا التقرير، فإلى التفاصيل.

معنى الرسم في اللغة
الرسم في أصل اللغة: الأثر وحسن المشي، وأما الرسم القرآني فيقصدون به: "الرسم المخصوص الذي كُتبت به حروف القرآن وكلماته أثناء كتابة القرآن الكريم بين يدي النبي –صلى الله عليه وسلم-، ومن خلال الجمع الذي تم له في عهد أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه في صحائف، والنسخ الذي تمَّ في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه في المصاحف".
وأما الرسم العثماني في الاصطلاح فهو ما يُعرف بأنه: "الوضع الذي ارتضاه الصحابة في عهد عثمان رضي الله عنه في كتابة كلمات القرآن الكريم وحروفه"، وعُبّر عن كذلك بـ: " علمٌ تُعرف به مخالفة خط المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي".
ويعود هذا الاصطلاح إلى المصاحف التي نسخها الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وأرسلها إلى الأقطار الإسلامية، وكانت مجردة من النقاط والشكل، محتملة لما تواترت قرآنيته واستقر في العرضة الأخيرة ولم تنسخ تلاوته.
حكم كتابة المصحف بغير الرسم العثماني
حينما جمع القرآن في عهد عثمان -رضي الله عنه- اتبع زيد بن ثابت والثلاثة القرشيون معه طريقة خاصة في الكتابة ارتضاها لهم عثمان، ويسمي العلماء هذه الطريقة " بالرسم العثماني للمصحف " نسبة إليه، واختلف العلماء في حكمه.
1- فذهب بعضهم إلى أن هذا الرسم العثماني للقرآن توقيفي يجب الأخذ به في كتابة القرآن، وبالغوا في تقديسه، ونسبوا التوقيف فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكروا أنه قال لمعاوية، أحد كتبة الوحي: " ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الياء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك "
ونقل ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال له: " ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وهو سر من الأسرار خص [ ص: 140 ] الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز ".
والتمسوا لذلك الرسم أسرارا تجعل للرسم العثماني دلالة على معان خفية دقيقة، كزيادة " الياء " في كتابة كلمة " أيد " من قوله تعالى: والسماء بنيناها بأيد، إذ كتبت هكذا " بأييد " وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء. وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
وهذا الرأي لم يرد فيه شيء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يكون الرسم توقيفيا، وإنما اصطلح الكتبة على هذا الرسم في زمن عثمان برضا منه، وجعل لهم ضابطا لذلك بقوله للرهط القرشيين الثلاثة: " إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم " وحين اختلفوا في كتابة " التابوت " فقال زيد: " التابوه " وقال النفر القرشيون: " التابوت " وترافعوا إلى عثمان قال: " اكتبوا " التابوت " فإنما أنزل القرآن على لسان قريش ".
2- وذهب كثير من العلماء إلى أن الرسم العثماني ليس توقيفيا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان، وتلقته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز مخالفته.
قال أشهب: " سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء ؟ قال: لا، إلا على الكتبة الأولى " رواه أبو عمرو الداني في " المقنع " ثم قال: " ولا مخالف له من علماء الأمة "، وقال في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن تغير من المصحف إذا وجدا فيه كذلك قال: لا، قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو " أولوا " وقال الإمام أحمد: " تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك “. !

3- وذهب جماعة إلى أن الرسم العثماني اصطلاحي، ولا مانع من مخالفته! إذا اصطلح الناس على رسم خاص للإملاء وأصبح شائعا بينهم.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه " الانتصار ": " وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا. أو لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته.
ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، الحجة على دعواه.. ".
وانطلاقا من هذا الرأي يدعو بعض الناس اليوم إلى كتابة القرآن الكريم وفق القواعد الإملائية الشائعة المصطلح عليها، حتى تسهل قراءته على القارئين من [ ص: 142 ] الطلاب والدارسين، ولا يشعر الطالب في أثناء قراءته للقرآن باختلاف رسمه عن الرسم الإملائي الاصطلاحي الذي يدرسه.


