رئيس التحرير
عصام كامل

عمار علي حسن يكتب عن تشخيص أمراضنا الثقافية: بعض المثقفين يفتقدون إلى إدراك أهمية دورهم في صناعة النهضة.. التعليم تحول إلى عملية ميكانيكية.. وإنقاذ الثقافة يبدأ بالحوار

د. عمار علي حسن،
د. عمار علي حسن، فيتو
18 حجم الخط

على أي وزير للثقافة، وقبل أن يشرع في قول أو فعل أي شيء يخص وزارته، أن يبحث عن الأمراض التي أصابت الثقافة المصرية في السنوات الأخيرة، ثم يسأل أهل الاختصاص، وينظم لهم حوارات مطولة، وعصفا ذهنيا عميقا، لوضع علاج لهذه الأمراض، ضمن مشروع ثقافي حقيقي.

إن الثقافة تبدو الآن، على أهميتها، معزولة، أو يراد لها أن تكون كذلك، فُتنزع منها أدوارها الحقيقية الرامية إلى تعميق إدراك الفرد لذاته ومجتمعه والعالم حوله، بل الكون كله، عبر نشر المعرفة والوعي، وتعزيز القيم الإيجابية المطلوبة في البناء والنماء، وتبصير الناس بالجمال في نفوسهم وحولهم، والتعبير الفياض عن أشواقهم إلى البهجة والدهشة والحرية والكرامة والكفاية والعدالة والنهوض والتقدم والانتماء.

هذا النزع الإجباري، وربما الاختياري أحيانا، ساهمت فيه عدة جهات أو جبهات، يمكن استعراضها على النحو التالي:

1 ـ السلطة السياسية، إذ لا يخفى على الأفهام أن نظرة السلطة إلى الثقافة، فيما قبل، كانت لا تتعدى كونها مجرد “قلادة زينة”، توضع في أعناق الخطابات والتدابير الأخرى، سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية، لكن حالها الآن تدهورت، بشكل واضح وفاضخ، لتصبح عند كثير ممن بيدهم القرار، صغارا كانوا أم كبارا، سقط متاع، بل معوق لا بد من تحييده، ووضعه في الهامش البارد، وقد ينزلق الأمر إلى محاربته بلا هوادة، ولا تتردد.

وافتقاد السلطة إلى تبني مشروع وطني جامع ساهم في التأثير سلبا على مكانة الثقافة ودورها. إذ إن أي مشروع من هذا القبيل لا بد أن تقع الثقافة في قلبه، شعبية كانت أو نخبوية، فهي الدم الذي يسري في أوصاله، وهي الهواء الذي تتنفسه رئته الواسعة، التي يتعلق ويتعانق فيها أكثر من مجال، بحكم شمول مثل هذا المشروع واكتماله، سواء صيغ على هيئة استراتيجية أو كان خطة متوسطة الأمد.

وزاد من وطأة هذه الآفة تقديم السلطة المباني على المعاني، والخشن على الناعم، والصلب على اللين، في ظل تبدد إدراك أهمية الثقافة في صناعة دور الدولة المصرية في المجال الإقليمي، والمحيط العالمي، وهي مسألة تتناقض مع طبيعة الأشياء، ومع حكمة التاريخ، وما يستوجبه التقاط صورة حقيقية نلقيها في عيون الآخرين فيعرفون عنا ما هو أفضل، وتلقف الخيط الذي نتلمسه كي تكون لنا مكانة، على الأقل في العالم العربي، مثلما حدث في عقود سابقة. 

2 ـ ضعف إدراك المجتمع نفسه لقيمة الثقافة في ضوء اعتقاد الأغلبية الكاسحة أن التعلم والتثقف، أو تحصيل المعرفة العميقة، أمر يمكن تأجيله أو تجنيبه لحساب الانشغال بتحسين الأحوال الاقتصادية، أو إنعاش الأحوال السياسية، أو تلافي الأخطار المباشرة التي تحدق بالمجتمع. فاختيار أغلب الناس ذاهب إلى ما يملأ البطون، وليس إلى ما يغذي العقول، والذين يطلبون في السياسة انفتاحا أو تحررا يعتقدون أن هذه مسألة ترتبط أكثر بالدستور والقانون، والإجراءات والتدابير الإدارية والتنظيمية، أكثر من ارتباطها بالثقافة، أيا يكن خطابها أو مضمونها وشكلها ونوعها.

وفضلا عن خطأ هذا التصور لأهمية الوعي والمعرفة في صناعة التطور المادي، فإن الثقافة نفسها، ومن خلال الصناعات الإبداعية، صارت مصدرا مهما للدخل القومي في كثير من الدول، حتى إنها في الولايات المتحدة الأمريكية تدر عليها عائدا أكبر مما يأتي به إليها تصدير الأسلحة.

3 ـ افتقاد مثقفين كثر إدراك أهمية دورهم في صناعة النهضة الواجبة، وميلهم إلى الاكتفاء بصناعة الجمال، والتعبير عن مكنون النفوس المعذبة من تأثير سياقات اجتماعية مشبعة بالمشكلات والمعضلات الحياتية، التي تطال المثقفين أنفسهم، وتطاردهم أينما ذهبوا، وتصيب أغلبهم بالشعور العام بالضعة، أو الخوف من المساءلة والملاحقة، أو الحرمان من المكاسب الخفيفة الطفيفة التي يحصلون عليها حين يتساوقون مع توجهات السلطة، أو على الأقل الفائدة التي يجنونها إن آثروا الصمت والهروب توخيا للحذر، وطلبا للسلامة.

 وما زاد الطين بلة إن بعض المثقفين لا يعتبرون الثقافة موقفا بالضرورة، إنما مجرد عملية إبداع معزولة، أو آلية لتحقيق مجد شخصي، أو شهرة محدودة، أو تحصيل مال شحيح، من نشر كتب أو اقتناص جوائز أو نيل عطايا ومكافآت صغيرة. 

وإذا كان رفض المثقف لأن يصبح بوقا لأيديولوجية، أو أداة في يد صاحب مال وسطوة، أو نازلا على إرادة جمهور لكسب رضاه بأي طريقة، هو أمر مفهوم ومطلوب بالطبع، فإن ما لا يمكن فهمه هو توهم المثقف أنه منبت الصلة بواقعه، أو غريب على أهله، وأن ما في الواقع وعند الأهل، لا يصلح أن يكون مادة جيدة، يمكن التعامل معها بشكل فني أو أدبي.

إن الأدباء الكبار، على سبيل المثال، قد أدركوا أثر السياق على منتجهم، فها هو نجيب محفوظ يقول: “لا يوجد حدث فني، إنما حدث سياسي يتم التعبير عنه فنيا”، وها هي الأمريكية توني موريسون، الحاصة على جائزة نوبل تقول: “لا يمكن، بل لا يجب، أن يهرب الكاتب من القضايا السياسية والاجتماعية القائمة”، وربما عبر بشكل أكثر دقة عن هذا الأمر الأديب النيجيري تشينوا تشيبي الذي يقول: “من الواضح لي أن الكاتب الأفريقي المبدع الذي يحاول تجنب القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى المعاصرة، سينتهي إلى أن يكون غير ذي موضوع، مثل الرجل السخيف في المثل الشعبي الذي يترك البيت المحترق، كي يطارد فأرا هاربا من اللهب”.

4 ـ توعك، وربما تهالك، الكثير من المؤسسات والهيئات الثقافية، تحت ضغط شح الميزانيات، وفساد الإدارات، ونشوب الصراعات بين القائمين عليها، الذي يتصرف أغلبهم على أنهم مجرد موظفين عليهم أن يدبروا أمورهم بطريقة آلية، تضمن لهم الترقي في أماكنهم، والحصول على مكاسب ضئيلة، شأنهم شأن أي موظفين آخرين يعملون ضمن الهياكل الإدارية، المنوط بها إنتاج شيء ما، أو تقديم خدمة ما.

5 ـ لا يمكن أن نفصل ضعف الثقافة عن انحدار مستوى التعليم، الذي تحول إلى عملية آلية أو ميكانيكية لقذف ملايين الخريجين إلى الشارع كل عام، دون أن تكون سوى قلة القلة منهم قد امتلكت مفاتيح التعاطي الإيجابي والخلاق مع الثقافة. فمن المفترض أن يعد التعليم الملتحق به، للتفاعل مع الحياة الثقافية، بعد تكوين منهجي يساعده على التفكير العلمي والجانبي والمختلف أو الإبداعي، بما يؤهله لفهم كل ما يدور حوله، واتخاذ موقف منه.

وما يزيد الأمر حدة وشدة أننا مجتمع لا يزال يعاني من الأمية بشتى أنواعها: الأبجدية والثقافية والتقنية والمنهجية، ما يسهم في تدني المطالعة والقراءة، ويحاصر المثقفين الراغبين في لعب أدوارهم الطبيعية من خلال الكلمة المكتوبة، أو حتى التعبير الشفاهي الذي يحتفظ بتماسكه وقوة حجته، ويكون قادرًا على الوصول إلى القواعد الاجتماعية العريضة.

6 ـ التساوق مع تصور واسع يؤمن بـ "موت المثقف" في ضوء مزاحمة آخرين له في قيادة الجمهور، أو صناعة محتوى يقدم إلى الرأي العام، لاسيما في ظل إقبال الناس على التافه والسطحي والعابر والغرائزي بشكل لافت، هذا الإقبال المريض، على الأقل في نظر أصحاب رؤية راسخة، أصاب كثيرا من المثقفين الحقيقين بإحباط شديد، وشجع منتجي الخطابات المتهافتة على التكاثر كالأميبا، وفتح أمامهم أبوابا واسعة، لاحتلال مواقع متقدمة في صياغة التصورات التي تتسرب إلى العقول والأفهام.

7 ـ نظرة الاستعلاء التي يلقيها بعض الأدباء على الثقافة الشعبية، باعتبارها أمرا خلفيا أو جانيا، فخطابنا عن الثقافة يحصرها، في الغالب الأعم، فيما تنتجه النخبة من إبداعات أدبية وفنية وفكرية، مهملا ما تنتجه القريحة أو الذائقة الشعبية من ألوان إبداعية مثل الأساطير والحكايات والخرافات والسير والملاحم والمواويل والحكم والأمثال والألعاب والطقوس. كما يهمل كثيرون الأثر الكبير، أو البصمة القوية، التي تتركها الثقافة الشعبية على ما تنتجه النخبة المثقفة من ألوان وأنواع عدة. 

يحدث هذا، رغم أن الخطاب الثقافي الشعبي، هو الأوسع انتشارا، والأقوى تأثيرا، والقادر طوال الوقت على الاستمرار والتجدد، فضلا عن أنه واضح في تعبيره عن الحال والمآل، ويعرض نفسه طوال الوقت على أنه ميدان لتغذية الأفهام بما يعينها على فهم الواقع، ومد النفوس بما يساعدها على التفكير الإيجابي في مختلف دروب الحياة وضروبها.

8 ـ إصابة الثقافة، شأنها شأن غيرها، بافتقاد القدرة على العمل الجماعي. فالمثقف يتصرف كفرد، ينافح عن نفسه، ويدافع عن وجوده ودوره، وينظر إلى الآخرين على أنهم معه في صراع مفتوح على المنافع العابرة، من كسب مال، أو اقتناص شهرة، أو تحصيل مكانة. 

نتيجة لهذا صارت المعارك الثقافية هي شجار بين أشخاص، وأصبحت التحديات الثقافية هي مشكلات تواجه أفرادا، فتشتت الجهود، وضعفت الهمم العامة، وغرق الهم العام تحت أمواج عاتية من الانشغال بالذات، أو الأنانية، والأنامالية، وغياب فريضة إنكار الذات، وفضيلة إعلاء المصلحة العامة، سواء على مستوى الصورة أو الواقع.

9 ـ إهمال الثقافة التي تُنتج بعيدا عن العاصمة، بوصفها الرأس الكاسح في جسد كسيح، على حد تعبير جمال حمدان، فلا نزال، رغم ثورة الاتصالات الرهيبة التي حولت العالم إلى قرية بل غرفة صغيرة، نتحدث عن "أدب الأقاليم"، وقصور وبيوت ثقافة مهملة في مدن خارج القاهرة، سواء في الصعيد أو الدلتا أو الصحراء، ودور نشر خاصة غائبة تماما عن هذه المدن، ومشكلة عويصة في توزيع الكتاب المطبوع، فيما نجد هروبا من منابر الإعلام المحلية من أداء الدور المنوط بها، والذي قامت من أجله، وهو التعبير عن المجتمع المحلي وتنويره، إلى بحث عن انتشار متوهم من خلال تبني قضايا خارج اهتمام الناس في الأصقاع البعيدة.

10 ـ وجود آراء وأفكار مناهضة للثقافة الحقيقية، التي تنتصر للحرية والتنوير، في المجتمع المصري. ويُلقي هذه الأفكار في أوصال مجتمعنا أتباع وأنصار جماعات سياسية ذات إسناد ديني إسلامي أو آراء تتبناها المؤسسات الدينية المسيحية. فهؤلاء ينظرون إلى المثقفين نظرة ريبة، ويعملون على تعويق دورهم، الذي يبصر الناس بما عليهم أن يفهموه ويتبنوه من آراء، حتى يخلو لهم الطريق إلى رؤوس الناس، فيحشونها بتصوراتهم التي تخدم مشروعهم السياسي.

 في ركاب هذا ينعت المتطرفون المثقفين بأنهم ملاحدة أو متغربين أو متفرنجين أو عملاء لثقافة تعادي الدين. وقد انطلى هذا على كثيرين في ظل انسداد النوافذ التي يطل منها المثقفون على الناس، لاسيما مع استبداد سياسي، يحول دون تواصل المثقف المستقل أو المختلف أو المعارض مع الجمهور، اللهم إلا كان تابعا يتبنى خطاب السلطة، ويروجه، لكنه خطاب متهافت، يحمل من الثقافة قشورها، فضلا عن أنه يحرفها عن خطها الأصيل، وبالتالي لا يصمد في وجه خطاب المتطرفين.

11 ـ وجود حالة من الاستسلام النسبي للمثقف المصري أمام مشاريع أو تصورات ثقافية وافدة، عربية كانت أو أجنبية، بل تساوق بعض المثقفين، إن لم يكن جلهم، مع توجهات "الخارج"، وهي مسألة باتت واضحة للعيان، تغذيها دور نشر، ومنابر ثقافية وإعلامية. 

بالطبع لا ضير من تعددية ثقافية، وتفاعل خلاق مع مشروعات أخرى إن كانت لا تسعى، وفق خطة ماكرة، إلى الخصم من دور مصر الثقافي، وجذب المثقف المصري بعيدا عن دوره في نهضة مجتمعه، أي يجب ألا تتعارض مع ما يفترض أن يكون عليه مشروع ثقافي لنا، يساعدنا على الاستجابة للتحديات المفروضة علينا، وهي كثيرة ومتراكمة.

وإذا كانت هناك بعض مشتركات مع المشاريع الثقافية العربية، لأسباب عدة، فإن كثيرا من المشاريع العالمية، لا تحمل هذه المشتركات بالضرورة، بل إن بعضها، وهذا لم يعد خافيا، هي أشبه برؤوس حربة لاستراتيجيات للهمينة والتغلب، بما يجعل هدفها الأساسي هو تهيئة مجتمعاتنا لقبول شروط الآخر وتحكمه، أو جعلها “قابلة للاستغزاء” حسب تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي.

لا يعني هذا غياب تام لوجود مثقفين يكافحون من أجل القيام بأدوراهم الحقيقية، التي تتعامل مع الثقافة على أنها مسألة نقدية، ومنحازة للتقدم، ومعبرة عن الناس، ومخلصة لصناعة الجمال والوعي. فأمثال هؤلاء لا يخلو منهم وادينا الطيب، ويعضون بالنواجذ على قضيتهم أو موقفهم، لكن الضغوط عليهم تشتد، ليس من السلطة السياسية ولا الجماعات المتطرفة فحسب، بل أيضا من مثقفين آخرين، لأسباب يطول شرحها. 

الجريدة الرسمية