عباس عراقجي.. من جندي في الحرس الثوري إلى وزير خارجية متمرس في أصعب مفاوضات نووية.. يجمع بين صبر "أسلوب البازار" وحنكة "نعم.. ولكن" للحفاظ على خطوط طهران الحمراء
يقود عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، البالغ من العمر 64 عاما، الوفد الإيراني في جنيف اليوم في جولة مفاوضات إيرانية أمريكية ليست الأولى من نوعها، لكنها الأخطر على مدى تاريخه الدبلوماسي وسط حشد عسكري أمريكي ضخم ربما يقود منطقة الشرق الوسط إلى حرب إقليمية لا يعرف أحد من ومتى وكيف يسدل عليها الستار.
الدبلوماسية في دائرة الحذر، ربما كان العنوان الأكبر للنهج الدبلوماسي الذي اعتاد عراقجي السير على حافة ناصيته المحملة بإملاءات أمريكية معلنة، وتنازلات إيرانية ترفع لافتة "لا تنازلات"، أهمها مطالب واشنطن بتقييد برنامج الصواريخ الإيراني وتغيير سياسة إيران الإقليمية، ومبدأ "تخصيب اليورانيوم" الذي تؤكد طهران انه في "قلب خطوطها الحمراء"، وضغوط وكالة الطاقة النووية بأن لدى إيران أكثر من 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وإصرار أمريكي على إخراج ذلك المخزون إلى دولة ثالثة، ربما روسيا، وهو ما ترفضه طهران، مشيرة إلى أنها مستعدة لخفض تركيز مخزوناتها من اليورانيووم بدلا من النقل، مع احتمال قبول نقل مرحلي باعتبار آلية النقل بديلا أقل حساسية مقارنة بالتخلي عن "مبدأ التخصيب".
حفيد تاجر الأقمشة
ولد عباس عراقجي في طهران عام 1962 لعائلة محافظة تعمل في التجارة والاقتصاد، وتوفى والده قبل أن يتم عامه السابع عشر، لتولى جده تاجر السجاد الشهير رعايته؛ كان الجد يؤمن بأن طريق ذريته هو التجارة، أما عراقجي فسلك طريقا مختلفا من بين شقيقاته الثلاث وأخويه. فقد اختار طريق العلم قبل أن تصطدم طموحاته الجامعية باندلاع الحرب الإيرانية العراقية (حرب الخليج الأولى) في 1980، حيث أغلقت الجامعات أبوابها لتضع عراقجي أمام خيار أوحد لا ثاني له، وهو الانضمام إلى الحرس الثوري والمشاركة في ساحات القتال.
لكن نيران الحرب لم تمنعه من معاودة طرق الأبواب الجامعية، حيث نجح عام 1985 في اختبار دخول كلية العلاقات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الإيرانية، وتخرج فيها عام 1988 حاملا شهادة البكالوريوس، ليغادر صفوف الحرس الثوري وينضم إلى السلك الدبلوماسي كخبير في الدائرة الدولية بالخارجية الإيرانية، قبل حصوله على درجة الدكتوراه في الفكر السياسي من جامعة كينت البريطانية.
21 عاما في عالم المفاوضات
مناصب عدة تولاها عراقجي، لكن دخوله عالم التفاوض بدأ رسميا في عام 2005، عندما شارك في المفاوضات النووية ممثلا قانونيا عن وزارة الخارجية، ثم قائدا لفريق بلاده في المفاوضات النووية التي جرت عقب فوز الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني بانتخابات الرئاسة في عام 3 أغسطس 2013، ليصبح الرئيس السابع لإيران.

شكلت رئاسة عراقجي لوفد بلاده في تلك المفاوضات منعطفا كبيرا في تشكيل نهجه التفاوضي؛ فبعد مفاوضات شاقة، توصلت إيران وقوى المجموعة السداسية في 2 إبريل 2015 إلى اتفاق إطار لحل ملف البرنامج النووي الإيراني بمدينة لوزان السويسرية.
وخلال تلك الفترة تبنى عراقجي النهج الإيراني المعروف باسم "أسلوب البازار"، وهو نهج تفاوضي قائم على الصبر الاستراتيجي، مؤكدا أن هذا النمط ليس مراوغة، بل أسلوب تفاوضي مدروس، يرتكز على المثابرة والمرونة من دون التنازل عن المبادئ، بحسب وسائل الإعلام الإيرانية.
استراتيجة "نعم ولكن" تجبر كبيرة المفاوضين الأمريكيين على البكاء
استراتيجية "أسلوب البازار" ليست وحدها بطلة القصة، ففي كتابه "قوة التفاوض.. مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية"، يكشف عراقجي عن احد أهم القواعد التفاوضية التي ينتهجها، وهي قاعدة "نعم، ولكن"، فعلى مدى عامين ونصف، دخلت طهران وواشنطن عام 2015 في مفاوضات حول الملف النووي الإيراني "وسط توتر بالغ، وترقب عالمي شديد".

يقول عراقجي في كتابه: "كانت الضغوط في ذروتها، وفي المقابل كان الاحتفاظ بالهدوء في تلك اللحظات التحدي الأصعب؛ وكان بعض أعضاء الوفد الإيراني ينامون ساعة واحدة فقط في بعض الأيام، في ظل إجهاد شديد طال الجميع بما في ذلك وزراء خارجية الدول الكبرى الذين لم يعتادوا المكوث في مكان واحد مدة طويلة؛ كانوا يضغطون علينا بشدة للتوصل إلى نهاية سريعة؛ وفي الجولة الأخيرة من مفاوضات فيينا، قدمت نائبة وزير الخارجية الأمريكي وكبيرة المفاوضين ويندي شيرمان -التي بقيت معنا لأكثر من 27 يوما متتاليا في الفندق- شرحا لبعض التفاصيل الفنية الصغيرة؛ وقالت لي: أتوافق؟ قلت: "نعم، ولكن هناك نقطة صغيرة".
ويتابع: "عبارة نعم، ولكن" التي كثيرا ما كانت تقال من جانبنا، كانت تربك الطرف الآخر وترهقه؛ لكن في هذه المرة لم تعد شيرمان قادرة على التحمل؛ لقد غضبت وانهارت دموعها بشكل لا إرادي، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها مفاوضا يبكي في أثناء المفاوضات".
بكاء كبيرة المفاوضين الأمريكيين لم تكن وحي خيال
بكاء كبيرة المفاوضين الأمريكيين لم تكن وحي خيال؛ حيث عبرت هي نفسها عنها قائلة: المفاوضات استمرت سنتين ونصف وكانت مكثفة جدا، لقد وصلت إلى مرحلة كنت أعزل فيها نفسي في مكان ما وأبكي من شدة الضغط النفسي الذي سببه لي الجانب الإيراني. تفاوضت معهم سنتين ونصف ثم اكتشفت في النهاية بأنهم لا يثقون بي إطلاقا؛ وأخبرت قادتي أن هؤلاء الأشخاص لا يمكن شرائهم لا بالمال ولا بالتهديد.

وتضيف شيرمان: حاولت ان أبني معهم علاقة إنسانية لدرجة أن اصبحت أعرض عليهم فيديوهات لأحفادي وأولادي، لكن قلوبهم لم ترأف؛ تيقنت –وقتها- أنني اتحاور مع أُناس بلا عاطفة ولا شعور، وبعد توقيع الاتفاق معهم طلبت منهم صورة تذكارية، لكنهم رفضوا.
وتتابع: لن تشعروا بما مررت به من ضغط نفسي حتى تجلسوا معهم؛ وبكل تأكيد أعتبر مفاوضتي معهم هي أصعب مفاوضات بالتاريخ الحديث.
يتبنى عراقجي معادلة دبلوماسية دقيقة
يؤمن عراقجي، الذي يجيد اللغة العربية، بالتفاهم بين الشعوب المتجذرة كالعرب والإيرانيين لا يتحقق إلا بالحوار، وأن التفاوض ليس خيارا ظرفيًا، بل ضرورة حضارية ودبلوماسية لصناعة السلام والدفاع عن السيادة والعدالة؛ هكذا كتب في مقدمة كتابه.
وفي المقابل، يرى "عراقجي" في "إسرائيل" عدوا اعتاد صنع الأساطير لإشعال الحرب؛ حيث يقول في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية في 30 ديسمبر 2025: سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط غالبا ما تستند إلى أساطير إسرائيلية، مثل تصويرها لنفسها كدولة "لا تقهر" أو دولة غير قابلة للانكسار، مشيرا إلى أن الشعب الأمريكي هو من يسدد فواتير تلك الأساطير والتي باتت تضعف مصداقية واشنطن سواء إقليميا أو دوليا.
وتابع: عدد متزايد من الأمريكيين -خصوصا من يسعون لإعادة بناء الداخل الأمريكي- يعترفون الآن علنا بما كان يعتبر سابقا من المحرمات، وهو أن القبول بالسرديات الإسرائيلية استنزف الموارد الأمريكية، وأضعف مصداقية الولايات المتحدة، وأدخلها في صراعات لا تخدم مصالحها. فخلال العامين الماضيين، قتلت تل أبيب عشرات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء في غزة، وهاجمت لبنان وسوريا وإيران واليمن وحتى قطر. وتعرضت تقريبا جميع دول المنطقة الأخرى للتهديد. ولا يصف أي شخص مسؤول هذا العدوان بأنه "دفاع عن النفس".
التفاوض يعتمد على عناصر القوة الوطنية، والمفاوض يحتاج إلى مهارات شخصية وقدرات متنوعة، والتفاوض والدبلوماسية قد يصبحان مصدرا لتوليد القوة للدولة، بهذا يؤمن عراقجي تاركا وراءه سؤالا عصيا على الإجابة: هل تنجح تلك الأدوات في حماية الشرق الأوسط من السقوط في مستنقع حرب جديدة؟ ربما كانت الإجابة الأكثر وضوحا هي: "نعم.. ولكن"!




