القاهرة التي سبقت أوروبا.. حكاية أول مستشفى للأمراض العقلية في العالم.. المورستان المنصوري عالج المرضى بخرير الماء وأنغام العود.. غرف منفردة للنزلاء وإقامة مجانية
في الوقت الذي كانت فيه أوروبا في العصور الوسطى تحرق المرضى النفسيين بتهمة السحر، وتطاردهم محاكم التفتيش، وتعتبر الاضطرابات العقلية مسًّا شيطانيًا يجب التخلص منه، كانت القاهرة تُرسّخ مفهومًا إنسانيًا متقدمًا للعلاج النفسي، وتبني أول مستشفى متخصص في علاج الأمراض العقلية في العالم، قبل أكثر من ثمانية قرون، تحت اسم «المورستان» أو «البيمارستان».
لم يكن المورستان مجرد مبنى طبي، بل كان انعكاسًا لفلسفة حضارية ترى في المريض إنسانًا يستحق الرعاية والرحمة، لا العقاب أو النبذ، وتجربة سبقت زمنها بقرون طويلة.
معنى المورستان… اسم يحمل فلسفة العلاج
كلمة «بيمارستان» أصلها فارسي، مكوّنة من شقين:
«بيمار» وتعني المريض، و«ستان» وتعني المكان، ليصبح المعنى الحرفي «مكان المريض».
هذا الاسم البسيط يكشف الكثير عن الفلسفة التي حكمت إنشاء المورستان، فهو ليس سجنًا، ولا دار عزل، ولا مكانًا للعقاب، بل مأوى للعلاج والرعاية، بغض النظر عن طبيعة المرض.
ومع مرور الوقت، تحوّر اللفظ على ألسنة العامة ليصبح «المورستان»، وهو الاسم الذي اشتهر به في القاهرة.
من الذي بنى المورستان؟ ومتى وُلدت الفكرة؟
يرتبط أشهر وأهم مورستان في التاريخ الإسلامي بالمورستان المنصوري، الذي أنشأه السلطان المملوكي الملك المنصور قلاوون عام ٦٨٣ هـ / ١٢٨٤ م، في قلب القاهرة الفاطمية، بالقرب من شارع المعز لدين الله.
قلاوون لم يبنِ المورستان كعمل خيري عابر، بل كوقف دائم، له ميزانية ثابتة، وإدارة، وأطباء، وممرضون، ونظام صارم، يضمن استمرارية الخدمة المجانية لكل من يدخل إليه، سواء كان مريضًا جسديًا أو نفسيًا.
ويُرجّح المؤرخون أن تجربة قلاوون الشخصية مع المرض، أثناء وجوده في دمشق وعلاجه في أحد البيمارستانات هناك، لعبت دورًا رئيسيًا في إيمانه بأهمية إنشاء مؤسسة طبية متكاملة في القاهرة.
أين كان المورستان؟ ولماذا اختير هذا الموقع؟
اختير موقع المورستان بعناية داخل النسيج العمراني للقاهرة، في منطقة حيوية قريبة من الأسواق والقصور والمساجد، وليس في أطراف المدينة كما كان يحدث في أوروبا.
هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا، بل رسالة واضحة بأن المرض النفسي ليس عيبًا، وأن المريض ليس منبوذًا، بل جزء من المجتمع، له الحق في العلاج داخل قلب المدينة، لا في عزلٍ قاسٍ خلف الأسوار.
المبنى نفسه كان تحفة معمارية، تجمع بين الجمال والوظيفة، حيث صُممت المساحات الداخلية بما يخدم الراحة النفسية قبل الجسدية.
علاج بالصوت والماء… حين كان الطب إنسانيًا
واحدة من أكثر النقاط المدهشة في تجربة المورستان هي أساليب العلاج النفسي التي طُبّقت داخله، والتي تُعد متقدمة للغاية مقارنة بعصرها.
اعتمد الأطباء على العلاج بالموسيقى، حيث خُصص عازفو عود وناي لإحياء جلسات موسيقية يومية، تُستخدم لتهدئة المرضى وتحسين حالتهم النفسية.
كما استُخدم صوت الماء كوسيلة علاجية، فصُممت مجاري مائية داخلية تُحدث خريرًا مستمرًا، يساعد على الاسترخاء وتهدئة الأعصاب، وهو ما يقرّه علم النفس الحديث اليوم.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل خُصص حكّاؤون لرواية القصص للمرضى الذين يعانون من الأرق، في محاولة لمساعدتهم على النوم، وخلق شعور بالأمان والاحتواء.
غرف منفصلة وحيطان مبطّنة… احترام خصوصية المريض
على عكس الصورة النمطية عن مستشفيات العصور الوسطى، كان المورستان يراعي أدق التفاصيل النفسية للمريض.
كل مريض كانت له غرفة منفصلة، احترامًا لخصوصيته، وتجنبًا لتأثير الحالات المختلفة على بعضها البعض.
كما كانت الجدران مبطنة بجلد الماعز، في إجراء وقائي يحمي المرضى من إيذاء أنفسهم أو الارتطام بالجدران أثناء نوبات المرض.
هذا المستوى من الوعي النفسي يكشف أن القائمين على المورستان لم يتعاملوا مع المرض العقلي كحالة غامضة أو مخيفة، بل كمرض له أعراض ويحتاج إلى بيئة آمنة للعلاج.
إقامة مجانية وكرامة محفوظة حتى بعد الموت
العلاج في المورستان كان مجانيًا بالكامل، دون تفرقة بين غني وفقير، حاكم أو محكوم.
كان المريض يحصل على ثلاث وجبات يوميًا، ورعاية طبية مستمرة، وملابس نظيفة، وإقامة كريمة.
وحتى في حالة الوفاة، لم تتخلَّ المؤسسة عن المريض، إذ كانت تتحمل مصاريف الجنازة كاملة، وتُسلّم الجثمان إلى أهله في مشهد يعكس احترامًا نادرًا لكرامة الإنسان.
هذا السخاء في الرعاية جعل المورستان مقصدًا للمرضى من مختلف الطبقات، بل وتذكر المصادر التاريخية أن بعض الناس كانوا يتظاهرون بالمرض من شدة جودة الرعاية داخل المورستان.
المورستان في مواجهة أوروبا… فجوة حضارية
بينما كانت القاهرة تُعالج المرضى النفسيين بالموسيقى والماء والقصص، كانت أوروبا تقيّدهم بالسلاسل، أو تحرقهم أحياء، أو تعزلهم في مصحات قاسية بلا علاج حقيقي.
هذه المقارنة لا تهدف إلى المفاضلة، بقدر ما تكشف فجوة حضارية حقيقية، تؤكد أن العالم الإسلامي، ومصر تحديدًا، كانا في طليعة الطب الإنساني، قبل أن تعرف أوروبا مفهوم الطب النفسي بقرون طويلة.
إرث منسي يستحق الاستعادة
اليوم، لم يتبقَّ من المورستان سوى أطلال وذكريات في كتب التاريخ، بينما غابت قصته عن الوعي العام، رغم أنه شاهد حي على مرحلة مشرقة من تاريخ الطب والإنسانية في مصر.
إعادة إحياء قصة المورستان ليست مجرد استدعاء للماضي، بل تذكير بأن هذه الأرض عرفت معنى الرحمة والعلاج النفسي قبل أن يصبح علمًا معترفًا به عالميًا، وأن القاهرة كانت يومًا ما عاصمة للطب الإنساني، لا تقل تقدمًا عن أي مدينة في العالم.
