رئيس التحرير
عصام كامل

حمَّام السلطان يحكي سر المثل الشعبي «اللي اختشوا ماتوا» (فيديو وصور)

حمّام السلطان إينال
حمّام السلطان إينال
18 حجم الخط

في قلب القاهرة القديمة، حيث تتجاور العمارة المملوكية مع الذاكرة الشعبية، يقف حمّام السلطان إينال شاهدًا على زمن كانت فيه الحمّامات العامة جزءًا أصيلًا من إيقاع الحياة اليومية. 

تحت قبابه الحجرية الثقيلة وفتحات سقفه الدائرية التي تسمح للضوء بالتسلل إلى الداخل، تتقاطع العمارة مع الحكاية الشعبية، وتطفو إلى السطح واحدة من أشهر العبارات المتداولة في الثقافة المصرية: «اللي اختشوا ماتوا». 

مثلٌ لا يملك تاريخًا موثقًا ولا مكانًا محددًا، لكنه وجد في الحمّامات القديمة بيئة مثالية ليتحوّل من حكاية عابرة إلى أسطورة راسخة في الوجدان الجمعي.

المثل بين الرواية الشفهية وغياب الدليل

تُروى الحكاية الشعبية عن حريق اندلع في حمّام للنساء، فاختارت بعضهن الخروج للنجاة بأنفسهن، بينما فضّلت أخريات البقاء خجلًا من الظهور أمام الناس، فدفعن حياتهن ثمنًا لذلك. لا توجد وثيقة تاريخية تؤكد وقوع الحادثة، ولا مصدر يحدد مكانها أو زمنها بدقة، لكن هذا الغياب لم يمنع المثل من الانتشار. 

على العكس، ربما كان غياب التوثيق أحد أسباب بقائه، لأن الرواية الشفهية بطبيعتها أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع الأزمنة المختلفة.

المثل لم يُكتب ليكون سجلًا تاريخيًا، بل ليعبّر عن موقف اجتماعي وإنساني شديد الحساسية، يتعلّق بالخجل والجسد والنجاة. ومن هنا جاءت قوته، فهو لا يحتاج إلى إثبات بقدر ما يحتاج إلى مكان يستوعبه، والحمّام القديم كان ذلك المكان.

الحمّام كمركز اجتماعي نسائي

في القاهرة القديمة، لم يكن الحمّام مجرد مكان للاستحمام، بل كان مساحة اجتماعية نسائية بامتياز. داخله كانت النساء يخرجن من عزلة البيوت، ويتبادلن الأخبار، ويتشاركن الهموم، ويحتفلن بطقوس العروس والولادة والنفاس. 

وكان الحمّام مساحة آمنة تسمح للجسد بالظهور دون رقابة المجتمع، وفي الوقت نفسه تفرض نظامًا صارمًا للخصوصية.

هذه الوظيفة الاجتماعية تفسّر لماذا التصقت الأسطورة بالحمّام تحديدًا. 

فالخجل والحياء والجسد كانت عناصر حاضرة بقوة داخل هذا الفضاء المغلق، ما جعل فكرة النجاة مقابل الخجل أكثر قابلية للتصديق، حتى لو لم تحدث الواقعة أصلًا.

قباب مثقوبة بالضوء ووظيفة معمارية دقيقة

عند الدخول إلى حمّام السلطان إينال، تفرض العمارة نفسها قبل أي حكاية. القباب المرتفعة تتوّج المكان، وتخترقها فتحات دائرية صغيرة في السقف، تسمح بمرور الضوء والهواء. 

وهذه الفتحات لم تُصمَّم للزينة، بل كانت جزءًا من منظومة هندسية دقيقة تهدف إلى ضبط الحرارة والرطوبة داخل الحمّام.

كان الضوء يدخل دون أن يرفع حرارة المكان، وكان البخار يتسرّب تدريجيًا، بينما تحتفظ الجدران الحجرية السميكة بالحرارة لتعيد توزيعها ببطء. العمارة هنا تكشف عن فهم متقدم للطبيعة، وتجعل من الحمّام آلة حرارية تعمل بتناغم دون أي وسيلة حديثة.

الغرف الثلاث وهندسة البخار

ينقسم الحمّام تقليديًا إلى ثلاث غرف متتابعة: البارد، ثم الفاتر، ثم الساخن. هذا التدرج لم يكن عشوائيًا، بل صُمم لحماية الجسد من الانتقال المفاجئ بين درجات الحرارة. في الغرفة الساخنة، حيث يبلغ البخار ذروته، كانت تتجسد فكرة الحمّام بوصفه مكانًا للعلاج والاسترخاء معًا.

تحت الأرض، كانت توجد شبكة معقدة من المواسير والأفران لتسخين المياه وتدفئة الأرضيات الحجرية. هذه البنية الخفية تؤكد أن الحمّام لم يكن مجرد فضاء اجتماعي، بل مشروعًا هندسيًا متكاملًا يعكس مستوى عاليًا من المعرفة التقنية في ذلك العصر.

من فضاء حي إلى أثر صامت

مع تطور أنماط الحياة واختفاء الحمّامات العامة تدريجيًا، فقد حمّام السلطان إينال وظيفته الأصلية، وتحول إلى معلَم أثري مفتوح للزيارة. 

اختفت الأصوات وضجيج الحياة اليومية، وبقي الحجر شاهدًا صامتًا على ما كان يحدث هنا. 

هذا التحول من مكان نابض بالحياة إلى أثر جامد يعكس تغيرات اجتماعية عميقة في علاقة الناس بالجسد والخصوصية.

الأسطورة في الثقافة الشعبية المعاصرة

اليوم، يُستخدم مثل «اللي اختشوا ماتوا» في سياقات سياسية واجتماعية ساخرة، وغالبًا ما يُقال دون استحضار جذوره الأولى. لكن الوقوف تحت قبة حمّام قديم يعيد للمثل معناه الإنساني، ويكشف أن الأسطورة لم تعش بالكلمات وحدها، بل بالعمارة التي احتضنتها. 

هنا، تتحول الحجارة الصامتة إلى وسيط يربط التراث الشعبي بالمكان، ويمنح الذاكرة الجماعية شكلًا ملموسًا لا يزال قادرًا على طرح الأسئلة حتى الآن.

الجريدة الرسمية