رئيس التحرير
عصام كامل

صوت القاهرة.. حين تحمل الرفوف ذاكرة مصر.. رحلة بين شرائط الكاسيت المنسية وكنوز التراث في العصر الرقمي (صور)

أحد فروع صوت القاهرة
أحد فروع صوت القاهرة بوسط البلد
18 حجم الخط

حين تدخل مقر شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، تشعر فورًا بأنك دخلت إلى متنزه للذاكرة المصرية

الرفوف المكدسة بشرايط الفيديو القديمة وأقراص الكاسيت تصطف أمامك كأنها أرشيف حي للصوت والفن، وكل شريط يحمل معه لحظة زمنية، أغنية، أو تلاوة قرآنية، تُعيدك إلى ماضٍ عاشه ملايين المصريين. الإمساك بهذه الشرائط بيدك ليس مجرد شعور بالحنين، بل تجربة حسية للارتباط بالتراث.

منذ تأسيسها في ستينيات القرن الماضي، كانت شركة صوت القاهرة حافظة لأصوات الفن المصري والبرامج الدينية والدراما الصوتية، محققة مهمة ليست سهلة: الحفاظ على تراث لا يُقدر بثمن، وتحويله في الوقت نفسه إلى لغة رقمية تناسب العصر الحديث.

نشأة الشركة ورؤيتها

بدأت رحلة “صوت القاهرة” كمصنع صغير للأسطوانات، ثم تحولت إلى شركة مساهمة رسمية في سبعينيات القرن الماضي، ضمن منظومة الاتحاد العام للإعلام، حاملة على عاتقها مسؤولية توثيق التراث الصوتي المصري.

رؤية الشركة اليوم تتمثل في دمج الأصالة بالحداثة: الاحتفاظ بجوهر التراث الصوتي، مع التحول الرقمي للأرشيف، لتبقى الأصوات المصرية خالدة، سواء كانت أغاني الطرب الكلاسيكي، تسجيلات القرآن الكريم، أو برامج إذاعية ومسرحيات صوتية.

النوستالجيا بين الكاسيت والفيديو

أحد أجمل التجارب عند زيارة مقر الشركة هو شعورك بالنوستالجيا. شرائط الكاسيت والفيديو القديمة، التي تتكدس على الرفوف، ليست مجرد وسائط قديمة، بل ذكريات ملموسة يمكن لمسها والإحساس بها. الإمساك بهذه الشرائط، تدويرها بين أصابعك، قراءة أسماء الفنانين عليها، كل ذلك يعيدك لعالم كانت فيه الموسيقى تملأ البيوت قبل عصر البث الرقمي، وتصبح الأصوات جزءًا من ذاكرة شعب كامل.

الفن الحصري والتراث الصوتي

شركة صوت القاهرة تمكنت عبر عقود من أن تكون الملاذ الأول لتراث مصر الصوتي. أبرز ما يميزها هو حفاظها على تسجيلات أم كلثوم، أحد أعظم فناني العرب، إلى جانب أعمال محمد عبد الوهاب وفنانين آخرين، كل ذلك ضمن حقوق ملكية قانونية واضحة.

إضافة إلى ذلك، تشمل مكتبة الشركة تسجيلات القرآن الكريم بصوت كبار القراء مثل الشيخ محمود خليل الحصري ومصطفى إسماعيل، فضلًا عن الخطب الدينية والبرامج الإذاعية المهمة، ما يجعل الشركة حافظة للبعد الديني والثقافي في آن واحد.

الأقسام والمحتوى المتنوع

أرشيف الشركة موزع على عدة أقسام رئيسية، تعكس تنوع الإنتاج وأهميته:

الموسيقى والغناء: تسجيلات كلاسيكية لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وأعمال تراثية نادرة.

القرآن الكريم والتلاوات الدينية: مكتبة كاملة للقراء الكبار، بالإضافة إلى البرامج التعليمية الدينية.

الدراما والمسلسلات الصوتية: أعمال مثل “جمهورية زفتى” و”الشارع الجديد”، التي تمثل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمستمعين.

الفيديو والتسجيلات التعليمية: محتوى تعليمي وترفيهي، يحافظ على الارتباط بين الماضي والحاضر.

كل قسم في الشركة يمثل عالمًا متكاملًا من التراث الفني والثقافي، يُعيد المستمع إلى زمن كان الصوت فيه هو اللغة الأصدق للتواصل والذكريات.

التحول الرقمي ربط التراث بالعصر الحديث

مع تقدم التكنولوجيا، بدأت الشركة في رقمنة الأرشيف الصوتي والمرئي، بما يشمل الأغاني الكلاسيكية، التلاوات، والخطب، لتصبح متاحة عبر الإنترنت ومنصات الموسيقى الرقمية.

هذا التحول الرقمي يسمح للجمهور بالتواصل مع التراث المصري أينما كانوا، مع الحفاظ على جودة الصوت الأصلية، لتبقى تجربة الاستماع تجربة أصيلة ووفية للزمن القديم، رغم وسائل التوزيع الحديثة.

التوزيع المحلي والدولي

صوت القاهرة لم تقتصر على السوق المحلي، بل دخلت أسواق عربية ودولية من خلال اتفاقيات توزيع رسمية، تتيح إعادة طباعة وتوزيع المحتوى خارج مصر، ما يجعل تراثها الصوتي جزءًا من الثقافة العربية والعالمية.

 

ذاكرة مصرية حيّة

أكثر ما يميز الشركة هو أنها ليست مجرد مؤسسة إنتاجية، بل جسر بين الأجيال: كل شريط كاسيت، كل تسجيل قرآن، كل مسرحية صوتية، تحمل معها لحظة زمنية وذكريات شخصية. الدخول إلى مقر الشركة، رؤية الشرائط، الإمساك بها بيدك، كلها تجارب حسية تنقلك إلى الماضي، لتشعر بأنك جزء من ذاكرة مصر الصوتية الحية، التي تتنفس بين الماضي والحاضر، بين النوستالجيا والرقمنة، بين التراث والفن الخالد.

صوت القاهرة هي أكثر من شركة: إنها حارس الإرث الصوتي المصري، وحافظة النوستالجيا، وجسر يربط الماضي بالحاضر، لتظل الأصوات حية في وجدان كل من سمعها وتفاعل معها عبر الأجيال.

الجريدة الرسمية