رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية صناعة الشمع من السبوع إلى هلال رمضان (فيديو وصور)

صناعة الشمع
صناعة الشمع
18 حجم الخط

في الأزقة القديمة، حيث تختلط رائحة الشمع الساخن بصوت المعدّات البسيطة، ما زالت صناعة الشمع تقاوم الاندثار، مهنة تبدو هادئة في ظاهرها لكنها تحمل في جوهرها تاريخًا طويلًا من الطقوس الدينية والاجتماعية، من شمع السبوع إلى شموع الكنائس، ومن الإنارة اليومية إلى قوالب الهلال والدرويش التي تعلن اقتراب شهر رمضان.

الشمع منتج بسيط بحضور عميق

لم يكن الشمع يومًا مجرد وسيلة للإنارة، بل ارتبط منذ ظهوره بالاحتفال والطقس والرجاء ففي البيوت المصرية،  الشمع دخل طقوس “السبوع” رمزًا للنور وبداية الحياة، وفي الكنائس صار جزءًا من العبادة والصلاة، بينما ظل شمع الإنارة العادي حاضرًا في لحظات انقطاع الكهرباء، شاهدًا على بساطة الاحتياج الإنساني للضوء.

أنواع الشمع العادي واستخداماته

رغم تنوع الأشكال، فإن الشمع العادي ينقسم في ورش التصنيع إلى ثلاثة استخدامات رئيسية:

  • شمع السبوع: غالبًا قصير أو متوسط الطول، أبيض أو ملوّن، يُستخدم ضمن طقوس شعبية موروثة.
  • شمع الكنيسة: طويل، رفيع نسبيًا، أبيض أو مائل للصفرة، ويُشترط فيه الاحتراق الهادئ وطول مدة الاشتعال.
  • شمع الإنارة العادية: الأكثر انتشارًا، يُستخدم للطوارئ والبيوت، ويُصنع بأحجام متعددة.

ورغم اختلاف الاستخدام، فإن التركيبة الأساسية واحدة، والفارق الحقيقي يكون في السمك وطول الفتيلة ونقاء المادة الخام.

المواد الخام قلب الصناعة

تعتمد صناعة الشمع العادي على مواد بسيطة:

  • البارافين: وهو المادة الأساسية، يُستخرج من مشتقات البترول.
  • الفتيلة القطنية: عنصر حاسم يحدد جودة الاحتراق.
  • أحيانًا تُضاف ألوان بسيطة، خاصة في شمع السبوع أو الشموع الموسمية.

ويؤكد صُنّاع الشمع أن جودة البارافين ونوع الفتيلة هما الفيصل بين شمعة “تنوّر بهدوء” وأخرى “تدخّن وتنطفئ سريعًا”.

خطوات التصنيع من السائل إلى الضوء

تمر صناعة الشمع بعدة مراحل دقيقة، رغم بساطة أدواتها:

1. تسييح البارافين

يُسخَّن البارافين على نار غير مباشرة (حمّام مائي)، حتى يصبح سائلًا شفافًا، مع الحرص على عدم احتراقه.

2. تجهيز الفتيلة

تُقص الفتائل حسب طول الشمعة، وتُغمس مبدئيًا في شمع ساخن لتقويتها ومنع تفككها أثناء الاستخدام.

3. الصب في القوالب

تُثبت الفتيلة في منتصف القالب، ثم يُسكب الشمع السائل بحرص، لضمان التوازن وعدم ميل الشمعة.

4. التبريد والتشطيب

تُترك القوالب حتى تبرد تمامًا، ثم تُخرج الشموع، وتُقص الزيادات، وتُجهّز للتعبئة أو البيع.

القوالب حكاية الشكل والرمز

تتنوع قوالب الشمع بين:

  • قوالب أسطوانية للشمع العادي والكنيسة.
  • قوالب صغيرة ملوّنة لشمع السبوع.
  • قوالب موسمية تظهر مع المناسبات، وعلى رأسها رمضان.

وغالبًا ما تكون القوالب مصنوعة من المعدن أو السيليكون، ويُعاد استخدامها عشرات المرات، ما يجعلها استثمارًا أساسيًا في الورشة.

رمضان موسم خاص لصناعة الشمع

مع اقتراب شهر رمضان، تتحول بعض ورش الشمع إلى ما يشبه خلية نحل. يبدأ الاستعداد قبل أسابيع، حيث يُزاد إنتاج:

  • شموع الهلال: رمز إعلان الشهر الكريم.
  • شموع الدرويش: المرتبطة بالروحانيات والإنشاد الصوفي.
  • أشكال أخرى مستوحاة من الفوانيس والزخارف الإسلامية.

هذه الشموع لا تُستخدم غالبًا للإنارة فقط، بل كقطع تزيين تُعيد للأذهان طقوس رمضان القديمة، حين كان الضوء الخافت جزءًا من أجواء السهر والعبادة.

مهنة تقاوم النسيان

رغم انتشار الكهرباء والشموع الحديثة المعطرة، لا تزال صناعة الشمع العادي قائمة، لأنها متصلة بالذاكرة والطقس أكثر من اتصالها بالوظيفة. فالشمع الذي يُشعل في سبوع مولود، أو يُضاء في كنيسة، أو يُشكّل على هيئة هلال رمضان، لا يُنتج ضوءًا فقط، بل يُعيد إحياء معنى قديم: أن النور، مهما كان بسيطًا، يظل علامة بداية وأمل.

الجريدة الرسمية