رئيس التحرير
عصام كامل

"قهوة فاروق"، حكاية زيارة غيّرت مصيره وحوّلته لعلامة تاريخية فارقة (صور)

 التيجان النحاسية
التيجان النحاسية فوق مدخل مقهى الملك فاروق
18 حجم الخط

تتوقف الساعة عند مدخل "قهوة فاروق" في حي بحري بالإسكندرية، ذلك الحي العتيق الذي يحتضن قلعة قايتباي، ويحمل بين أزقته صدى خطوات اليونانيين والإيطاليين. 

لا يدرك المارّة العاديون أن هذا المقهى، الذي يكتظ بروّاده من الصيادين والشيوخ، ليس مجرد مكان لشرب القهوة ولعب الطاولة، بل هو متحف حيّ ودفتر تاريخ مفتوح ونقطة التقاء بين زمن مضى بكل زخمه الملكي، وزمن حاضر يعيش على بقايا ذلك المجد. هنا، لا تزال الجدران تهمس بحكاية زيارة مفاجئة غيّرت مصيره، وحوّلت اسمًا يونانيًا بسيطًا إلى علامة تاريخية تحمل اسم ملك مصر.

"قهوة فاروق" ليست مجرد مقهى، بل هي ذاكرة الإسكندرية المصورة والموثقة، حيث يمكن لزائرها أن يلمس بيده أثرًا باقيًا من حقبة ملكية كاملة، وأن يجلس في المكان الذي جلس فيه آخر ملوك مصر، ليصبح بذلك شاهدًا على لحظة تحوّل تاريخي لا تُنسى.

"كاليميرا": حكاية الميلاد في الإسكندرية الكوزموبوليتانية

 

 

 

 

 

 

 

قبل أن يعلو اسم الملك فوق المدخل، كانت القهوة تحمل اسم "كاليميرا"، وهي كلمة يونانية تعني "صباح الخير". تأسست عام 1928 على يد أسرة يونانية، في وقت كانت فيه الإسكندرية مركزًا كونيًا حقيقيًا، تمازجت فيه الثقافات والجنسيات حول الميناء الشرقي. كان مقهى "كاليميرا" آنذاك محطة يومية للصيادين وتجار البحر ولأفراد الجالية اليونانية الكبيرة التي كانت تعيش وتعمل في بحري والجمرك.

كانت "كاليميرا" جزءًا أصيلًا من نسيج المدينة المتوسطية المفتوح، ومكانًا هادئًا يشرب فيه الناس قهوتهم الصباحية على مهل، غير مدركين أن مقهاهم البسيط سيتحول خلال عقد واحد إلى أشهر مقهى يحمل اسمًا ملكيًا في مصر كلها. 

إن هذا التأسيس اليوناني للمكان يمنحه طبقة تاريخية إضافية تتجاوز القصة الملكية، وتربطه بجذور الإسكندرية القديمة كمنارة حضارية.

ليلة الملك فاروق: فنجان شاي يغير مسار مقهى

 

في صيف عام 1938، احتفلت مصر بتتويج الملك الشاب فاروق الأول. كان الموكب الملكي يمر بشارع إسماعيل صبري في طريقه إلى قصر رأس التين، في رحلة احتفالية اعتادت عليها المدينة الساحلية. وهنا وقعت اللحظة الفارقة التي كُتبت في سجلات التراث الشعبي.

 

شابة جريئة، تُدعى ماري بيانوتي، ابنة صاحبة المقهى، خرجت عن صمت المشهد وكسرت طوق الحراسة. اندفعت نحو الموكب وهي تلوّح بالدعوة للملك لتشريف مقهاها المتواضع. لم يكن يتوقع أحد، لا ماري ولا الحراس، أن الملك الشاب سيستجيب لهذه الدعوة العفوية. لكن فاروق، الذي كان يتمتع بروح المغامرة، أمر الموكب بالتوقف.

دخل الملك إلى المقهى، وتفاجأ الروّاد والحضور بالحدث الجلل. جلس الملك الشاب في مقعده، وطلب فنجانًا من الشاي المصري الأصيل بدلًا من القهوة، مصحوبًا بـ "الشيشة". استمرت الجلسة لوقت قصير، لكنها كانت كافية لتخليد المكان. 

بعد هذه الزيارة، منح الملك هدية قيمة لماري. كان قرارها فوريًا: استخدام الهدية لتحويل "كاليميرا" إلى صرح ملكي شعبي.

التيجان النحاسية وشاهد على العصر الملكي

لم تكتفِ ماري بتغيير اللافتة، بل قامت بتصنيع تيجان نحاسية ضخمة ونقشت عليها اسم الملك فاروق بالخط العربي، وزينت بها واجهة المقهى. 

تحوّل المقهى رسميًا من "كاليميرا" إلى "مقهى الملك فاروق"، والذي اشتهر لاحقًا باسمه المختصر الذي نعرفه اليوم.

نبض الإسكندرية: المقهى في ذاكرة الأجيال

 

على الرغم من مرور عشرات السنين وتغيّر النظم السياسية، ظلّت "قهوة فاروق" محتفظة بمكانتها كأيقونة شعبية. إنها ليست مقهى سياحيًا مصطنعًا، بل هي نقطة حية في قلب بحري. 

يجلس فيها كبار السن يتناقلون حكايات المدينة، ويلعب الصيادون الطاولة بعد عودتهم من رحلات الصيد، ويتبادل فيها الشباب الأحاديث العصرية.

لقد نجحت "قهوة فاروق" في أن توازن بين وظيفتها كـ "متحف للذاكرة الملكية" وكونها "مقهى شعبي أصيل" يخدم أهل المنطقة. هذه الازدواجية هي سر بقائها وشهرتها. فالمكان الذي استقبل ملكًا بالأمس، يستقبل اليوم رجل الشارع البسيط، ويعامل الجميع بنفس روح الترحيب والدفء الإسكندراني المعروف. إنه دليل على أن التاريخ يمكن أن يصبح جزءًا من الحياة اليومية، وليس مجرد ذكرى تُعرض في صناديق زجاجية.

  داخل "قهوة فاروق"، تدرك أن هذا المقهى يمثل تذكارًا لزمن لم يَعُد. إنه يجسد فترة من التسامح الثقافي والتعايش، حيث كانت الكلمة اليونانية "كاليميرا" والتاج الملكي "فاروق" يعيشان معًا تحت سقف واحد. تزور المقهى لتشرب الشاي أو القهوة، لكنك تخرج منه وقد شربت جرعة مكثفة من التاريخ السكندري العريق. إنها دعوة مفتوحة للجلوس في كنف الأسطورة، على بعد خطوات من الموج، حيث ما زالت الإسكندرية تحتفظ بأسرارها.

الجريدة الرسمية