رئيس التحرير
عصام كامل

تحرير مساجد مصر

كنت قد اعتدت أن أضبط المنبه إلى خمس دقائق قبل أذان الفجر، وذلك بعد تجارب مريرة من الإزعاج البشع عندما كنت أستيقظ على صوت مؤذن لم يمنح فى حياته أسوأ من صوته.. كنت أستيقظ وجسدى يرتعش بشكل هستيرى، وأظل هكذا لأكثر من ساعتين حتى يعود الانضباط إلى دقات قلبى المتسارعة، لدرجة أننى زرت المسجد أكثر من مرة، وطلبت من إمامه أن يغير ذلك المؤذن الرهيب، دون جدوى.

 

عدت منذ أسبوعين من سفرة خارج البلاد، وضبطت المنبه كعادتى، واستيقظت قبل الفجر بدقائق خمسة، وبينما كنت مشغولا بالوضوء، وإذا بصوت رخيم يتردد صداه من أعلى مئذنة المسجد.. من حلاوة الصوت أدرت جهاز تسجيل التليفون المحمول، وسجلت ما تبقى من الأذان.. كنت سعيدا لأن إمام المسجد اقتنع أخيرا بتغيير المؤذن الرهيب بغيره ذي الصوت العذب المتناغم.

 

 

على سرعة توجهت للمسجد لأداء الصلاة، وحتى أشكر إمام المسجد على استجابته التى جاءت بعد أكثر من ثلاث سنوات عانيت فيها وكل جيرانى من عذاب ذلك المؤذن الذى فُرِض علينا قهرا وجبرا.. بعد انتهاء الصلاة توجهت إلى الإمام شاكرًا له حسن صنيعه واقتناعه أخيرا بأن المؤذن السابق كان نوعا من العذاب الدنيوى، وإذا بالإمام يضحك كما لم يضحك من قبل وهو يخبرنى بأن المسجد تقرر ضمه إلى الأذان الموحد.

 

الأذان الموحد

 

يا الله.. حمدا لك يا ربى على هذه النعمة التى أطلت بصوت مدهش فى حلاوته سرى بعذوبته ليجوب سماء المنطقة والشارع بعد أن كنا نتقاذف من نومنا رعبا وخوفا من صوت المؤذن السابق.. عدت بالذاكرة إلى فكرة الأذان الموحد التى نتدارسها منذ سنوات طويلة، حتى جاء اليوم لتنجح وزارة الأوقاف فى التطبيق لإنقاذ الناس، الأصحاء منهم والمرضى، من ذلك الرعب الذى سيطر على مكبرات الصوت بالمساجد.

 

صحيح لا يزال ذلك المؤذن ممسكا بمكبر الصوت فى إقامة الصلاة، ولكن لا ضرر طالما أنه مُصِرٌّ على تعذيب الناس بصوته الذى يخلو تماما من فكرة التناغم والعذوبة، ويعتريه نشاز قلَّما وجدت مثيلا له.. المؤذن الذى لا يزال مُصرًّا على إقامة الصلاة يجعلك تشعر بنعم الله علينا عندما تقارن بين صوت المؤذن فى الأذان الموحد وبين صوته المفروض عليك فرضا.

 

اقتربت عدد المساجد التى تم تطبيق الأذان الموحد فيها إلى أربعة آلاف إلا قليلا فى القاهرة وحدها، وهو رقم جيد، نتمنى أن تمتد تلك الرحمة لتطول جميع مساجد مصر لتحريرها من هذا العذاب الذى أقام بيننا عقودا طويلة.. ومن الأذان الموحد إلى الخطبة الموحدة وإعادة الانضباط إلى مساجد مصر التى عانت طوال أكثر من ثلاثين عاما من داء الفوضى و«الاستفراد» بالناس فى دينهم.

الخطبة الموحدة

 

لا يزال الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف يخوض حربا شرسة ضد تلك الفوضى وهذا الفساد الذى استشرى وأصبح جزءا من المنظومة، وهو فى معاركه لا يلين، ويجب أن يحظى بدعم المجتمع بكل طوائفه.. لا يزال هناك أئمة يحتلون مساجدنا وهم على غير علم ولا يراعون الضوابط التى تفرضها الوزارة.. صحيح الوضع أفضل كثيرا غير أنه لا يزال المشوار طويلا أمام الوزير ومعاونيه.. هناك أئمة لا يلتزمون لا بالخطبة الموحدة باعتبارها رسالة يتم تحديدها بناء على قضايا تهم المجتمع ولا يلتزمون بالوقت المحدد لتلك الخطبة، وهو بالمناسبة وقت ليس بالقليل.

فى كل جمعة أتجول بحثا عن مسجد ربما أجد فيه ضالتى المنشودة، إمامٍ واعٍ، وخطابٍ منطقى، وأداء جيد، ومسجد نظيف، وأجواء روحانية تخرجك من زحام الحياة إلى رحابة السماء.. نادرا ما يصادفنى ما أبحث عنه، ونادرا ما أجد ما أصبو إليه، وعادة ما أرى الإمام المنفرد بالميكروفون وقد تباعدت بينه وبين المصلين المسافات فينام المصلون تاركين له المجال يفعل فيه ما يريد.. فى الجمعة الماضية، وبعد أربعين دقيقة كنت أنصت فيها لإمام من تلك النوعية، خرجت وقد سيطر على عقلى سؤال واحد لم أجد إجابة له: ماذا قال الإمام؟!

الجريدة الرسمية