رئيس التحرير
عصام كامل

وفاة جمال عبد الناصر !

ذات مساء قال محمد حسنين هيكل لجمال عبد الناصر أن السياسيين في الغرب لهم بيوت ريفية للاستجمام.. لا يعملون مثلك ليل نهار.. في البيت الريفي ينسون فيه كل شيء ولا تتصل بهم مكاتبهم إلا للضرورة القصوى.. وبعد التقاعد يجلسون فيها يكتبون مذكراتهم وذكرياتهم.. ثم توقف لحظة وقال قاصدا ثورة يوليو وما تلاها: "سنجلس معا يوما ما نكتب قصة ما جرى كله".. رد عبد الناصر مبتسما: "ستكون حينئذ وحدك.. فلن أكون.. مثلي مثل الشمعة التي أشعلوها من الناحيتين.. ستنتهي بسرعة. عمرها أقصر مما نتخيل"!!

 

كان الرجل يعرف أن عمره قصير.. يجمع من عرفه وعمل معه على كم الجهد الذي يبذله يوميا حتى كان ينام أقل من أربع ساعات يوميا ولم تكن له بعد توليه المسئولية من هوايات إلا التصوير السينمائي خصوصا في الإجازات والمناسبات العائلية.. ويروي خالد عبد الناصر إنه قال له ذات مرة أيضا يقصد الغرب وأمريكا وكل خصومه "لن يتركوني.. نهايتي إما مقتولا أو سجينا أو في ترب الغفير"!

 

 

وعندما يقول ذلك لخالد فلابد أن يكون خالد قد بلغ من العمر ما يجعله يستوعب ذلك وإن كان خالد قد رحل الزعيم وهو ابن سبعة عشر عاما فلابد أن يكون هذا الحوار جرى في أواخر الستينيات وقد رأي كيف أعدموا "لوممبا" وأطاحوا بعده غيره من الزعماء وقد توالت الإعترافات بعد رحيله عن قصص عديدة لمحاولات اغتيال دبرتها المخابرات الأمريكية !

أزمة قلبية

 

فعليا.. فقد أسس عبد الناصر تنظيم الضباط الأحرار وهو في نهاية العشرينيات من عمره وأصبح التنظيم حقيقة فاعلة في بداية الثلاثينيات من عمره ونجحت الثورة وصار قائدا لمجلس قيادة الثورة وهو في الرابعة والثلاثين ورئيسا للجمهورية وهو في الثامنة والثلاثين.. وبعدها بعامين أصيب لأول مرة بالمرض الذي كان وقتئذ في بداياته وكان الأمر جرس إنذار كبير قبل أن يكون مرضا خطيرا.. لكن بعد يونيو ٦٧ تغير الحال.. وكانت الأزمة القلبية الخطيرة التي كادت أن تنهي حياته في صمت.. لكن تدخلت وقتها العناية الإلهية مع يقظة الأطباء إلى السيطرة عليها وتحجيمها لكن أثرها بقي ولم يكن الأثر هينا.. كانت الأزمة جلطة في الشريان التاجي.. وكان مرشحا لها ليس فقط لإصابته بالسكري.. بل لعمله بلا توقف.. 

 

إنفعاله الدائم بالأحداث حتي إنه كان يتابع حتي أحداث صغيرة تخص مواطنين بسطاء كحادث أسرة المنصورة التي أنفجر فيها موقد كيروسين فأيقظ وزير الداخلية شعراوي جمعة فجرا ليتابع الأمر ويبلغه بالنتائج! وكان الحادث سببا في خلاف بين جمعة وهيكل.. فقد كان الأخير هو من أبلغ الرئيس من خلال مراسل الأهرام في الدقهلية قبل إبلاغ مديرية الأمن شعراوي به!

 

مثل هذه الانفعالات الدائمة مع التدخين الشره مع الإرهاق الدائم مع أعباء بناء الجيش من جديد وأخبار المعارك على الجبهة والانفعال بأمل حرب الاستنزاف وقرب بشاير إزالة آثار العدوان واستعادة الأرض وبلوغ العمليات ضد العدو حدا غير مسبوقا كانت تصل لعشرات العمليات في اليوم الواحد وكان يتابعها جميعها بالتفصيل تماما كما يتابع عمليات البناء التي تجري سواء في السد العالي أو مجمع ألومنيوم نجع حمادي أو كاتدرائية العباسية وغيرها من المشروعات الكبيرة بعد ٦٧ وكذلك الوضع اليومي لحياة المصريين من أسعار السلع إلى الحالة المعنوية لديهم ولدي أبناء القوات المسلحة على السواء.

 

نصائح الطبيب الروسي

 

 فمثلا وطبقا لرواية السيد سامي شرف مدير مكتبه فقد إجتمع الطبيبان منصور فايز ومحمود صلاح الدين وطلبا راحة تامة ثلاثة أسابيع على الأقل -لاحظ على الأقل- وبالفعل اعتكف عن العمل بضعة أيام لا تزيد على أصابع اليد الواحدة وفى هذه الأيام استدعانا الرئيس إلى منزله حيث أبلغنا بما قرره الأطباء وطلب منا (أمين هويدى، السادات، شعراوى جمعة، هيكل وأنا) إستمرار العمل بنفس الأسلوب وأن يذاع خبر بأن الرئيس مصاب بالإنفلونزا وأنه سيلزم الفراش بضعة أيام ولم يمر سوى يومين حتى أصر على مقابلة السفير الروسي للحصول على معدات وقطع غيار سوفيتية للقوات الجوية والدفاع الجوى المصرى! 

 

كل ذلك مع وجود مرض السكري يتسبب بأزمات قلبية مؤكدة ومع ذلك لم يكن يغير من نمط حياته شئ.. حتي اشتدت آلام الأعصاب وشرايين الساق وبلغت حدا غير مسبوقا فشلت معه المسكنات وفشل معه تدليك أطباء العلاج الطبيعي ولم يكن هناك من حل إلا السفر للعلاج !

 

مع الأعباء السابقة عادت الألآم وجاء تشازوف -طبيبه الروسي- هذه المرة إلى القاهرة.. ويروي كيف كان الرئيس مهتما بضيافته ومعيشته طوال إقامته بالقاهرة ويروي كيف كان يتابع الحالة الصحية مع نائبي الرئيس السادات وعلي صبري وكيف التفاهم مع الرئيس وأطبائه المصريين وأبلغهم أن ضعفا في عضلة القلب قد جرى بفعل الجلطات السابقة -ولم تكن مذيبات الجلطات قد ظهرت ولا تطورت كما هو الحال الآن- ولا حل إلا بالالتزام بثلاث تعليمات أساسية: الأولى الامتناع تماما عن التدخين وكان ناصر يدخن ثلاث علب سجائر يوميا.. الثانية الامتناع عن الإنفعال تماما.. الثالثة الامتناع عن العمل الشاق والإرهاق والإلتزام برياضة المشي وكان ذلك سببا في إضافة حديقة كانت تتبع للقوات المسلحة لبيت الرئيس كي يمارس المشي فيها.

 

قال تشازوف منزعجا على صحة الرئيس نصائحه وغادر بعد أن حذر من أي مخالفة لها.. وقرر الفريق الطبي المصري أن ينصح الرئيس بإجازة طويلة.. قالوا شهرا.. ولأن الحوار كان راقيا بين ناصر وأطباؤه كما رووا في مذكراتهم وأحاديثهم وكيف كان يقدرهم ويهتم بأمورهم ويسأل عنهم فقد تم التفاوض على المدة التي يمكن أن يقضيها الرئيس بعيدا عن أعباء المسئولية.. انخفضت من شهر إلى ثلاثة أسابيع.. ومن ثلاثة أسابيع إلى عشرة أيام حد أقصى مستحيل -كما قال-  أن يغيب بعدها عن العمل!

 

توقف القلب

 

لم يجد الأطباء مفرا من الموافقة.. فقد كان مريضهم عنيدا.. إستطاع وهو المدخن لستين سيجارة يوميا أن يتوقف عن التدخين.. لكن لا يستطيع الغياب عن المسئولية.. كانوا يستجيبون له بالمخالفة لأصول المهنة.. يحقنونه بناء علي طلبه بالمسكنات أو بالمضادات الحيوية لكي يستطيع أن يعمل.. دون مراعاة خطورة ذلك خصوصا أن تحدثنا عن القلب والشرايين التي أرهقتها أحداث كثيرة كان أبرزها إستشهاد البطل عبد المنعم رياض.. وكانت النتيجة أن وافقوا علي الأيام العشرة بشعار إن "عشرة أيام أفضل من مافيش "!

 

غادر الرئيس القاهرة إلى مرسى مطروح.. ولم يمر يومان إلا ووقعت أحداث الأردن.. صراع مسلح على الأرض بين وجود فلسطيني مسلح متزايد وبين دولة لها قرارها وكانت النتيجة قتال عنيف ودماء عربية بأيد -للأسف-  عربية ووصلت الأنباء إلى الزعيم.. وعبثا حاول الأطباء منعه من قطع إجازته.. القلب مرهق والشرايين تعاني.. وفشلوا.. فقد قال إنه يستحيل أن يترك نزيف الدم العربي مستمرا !

 

وفي القاهرة كان ما يعرفه العالم وتعرفونه. قمة عربية عاجلة ورجاء بحضور الملك حسين وياسر عرفات وثلاثة أيام من السهر والاجتماعات والعمل الشاق المتصل لرجل صمموا في بيته مصعد لدور واحد منعه الأطباء من صعوده حرصا على حياته! فكيف له أن يبقى ثلاثة أيام من غرفة إلى غرفة ومن ممر إلي ممر ومن مشاورات ومناقشات علنية إلى غيرها جانبية بلا نوم وبلا راحة؟! 

 

وكانت النتيجة التي توقعها هو نفسه بأن توقف القلب الكبير الطيب بعد أن قدم لأمته أخر عطاء منه لها وقد أعطاها الكثير والكثير.. ليرحل زعيم الأمة وقائد العرب ومحرر إفريقيا وحبيب الملايين وغيرها من ألقاب منحتها له الجماهير التي عشقته في كل مكان.. بعد أن تركها مثل هذا اليوم قبل ٥١ عاما وفقدته وهو شابا في الثانية والخمسين من عمره!

الجريدة الرسمية