رئيس التحرير
عصام كامل

قصة سقوط قاضي (4)

لا يزال الحديث موصولًا عن عزل نائب رئيس مجلس الدولة لما آتاه من سلوك تأباه منصة القضاء وهيبته، ولا يليق بمحراب العدالة الطاهر، وثوبها النقي، ورغم بشاعة ما اقترفه فإن العدالة اتخذت مجراها لتمكينه من إبداء ما لديه من دفاعٍ ودفوع، ونستكمل سويًا  أسباب الحكم وصولًا الى منطوقه..

 

وما ادعاه المستشار (ن ع أ) نائب رئيس مجلس الدولة من التقاط الصور المشار إليها بمناسبة الاحتفال بخطبته من الفتاة الفلبينية وإتمام إجراءات الزواج منها، فإنه بغض النظر عن مدى صحة ادعائه هذا فإن الثابت أن الطاعن ظهر في الصور منفردًا وحده بالسيدات في أوضاع مُخلة ومزرية ومثيرة للشبهات..

 

 

ولا يُعقل ألا يشاركه فيها أحدٌ ممن حضر تلك الاحتفالات المزعومة ويُترك وحده يعبث بأجسام واحدة تلو الأخرى، وأما البلاغين المقدمين من المستشار المذكور عن سرقة الصور وفبركتها، فإن معرفة من سرق الصور لن تقدم أو تؤخر شيئًا في الموضوع، فالبلوى قد وقعت وافتضح الأمر وتم النيل من هيبة وكرامة القضاء.

 

مستشار مساعد (أ) 

 

ودعوى الصلاحية في حقيقتها دعوى أهلية يُراعى عند القضاء فيها الاعتداد بالعناصر المختلفة والمتعلقة بتقييم حالة المُحال حتى ما كان منها متعلقًا بحقبة ماضية، إذ يغلب النظر في الصورة المتكاملة لسمعته وسيرته وما استقر في شأنها بطريق التواتر ماضيًا وحاضرًا، وكانت الأوراق كشفت وبما لا يدع مجالًا للشك أن السلوك المعوج للطاعن لم يكن وليد اللحظة بل كان امتدادًا لسيرته الأولى، فمنذ بداية عمله في مجلس الدولة إبان شغله وظيفة مستشار مساعد (أ) وعمله بإحدى إدارات الفتوى بدا عليه بوادر الاعوجاج والرغبة في الخروج على جادة الصواب.

 

فقد سبق إحالة المستشار المذكور إلى مجلس تأديب أعضاء مجلس الدولة لارتكابه المخالفات الآتية:

1ـ بتاريخ 14/7/2004 تعدى عمدًا على زميله، المستشار المساعد (ب) بالإدارة بأن صفعه على خده الأيمن أمام السيد المستشار الدكتور/ نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس إدارة الفتوى وبحضور تسعة من أعضاء الإدارة

 

2ـ سبَّ زميله السابق ذكره  أثناء الاجتماع الذي عُقد بتاريخ 14/7/2004 بمكتب رئيس إدارة الفتوى وحاول التعدي عليه بالضرب مرة أخرى قائلًا (أنا حضربك تاني يا ابن الكلب)

 

3ـ قال أثناء اجتماع رئيس إدارة الفتوى مع أعضاء الإدارة بتاريخ 14/7/2004 خلال مناقشة موضوع سفر الأعضاء للخارج وحضور اللجان وقواعد تنظيم السفر (أن الذي وضع هذه القواعد حمار ولو كان......)

 

مجلس التأديب

 

وقد انتهى مجلس التأديب حينذاك إلى أن المخالفات الثلاث المنسوبة إلى الطاعن ثابتة في حقه وتشكل خروجًا على مقتضيات وظيفته وسلوكًا لا يتفق والاحترام الواجب باعتباره أحد أعضاء جهة قضائية لها مكانتها، وقضى مجلس التأديب بمجازاته بعقوبة اللوم.

 

وتلك العقوبة تُعد نذيرًا لكل ذي بصيرة، فكان على الطاعن المستشار (ن ع أ) نائب رئيس مجلس الدولة أن يحسب حسابًا لكل تصرفاته فلا يقدم على عمل إلا بعد أن يقلبه ويرى فيه الصواب وبمعيار الرجل الحريص أو رجل القضاء الأشد حرصًا على مسلكه، إلا أنه لم يعبأ بذلك وعاد إلى سيرته الأولى، وهو في هذه المرة يشغل وظيفة نائب رئيس مجلس الدولة، فأقدم على فعل يُعد جريمة أخلاقية شنعاء في حق الرجل العادي بعد أن أغواه الشيطان، وظهر الطاعن في صور خليعة مع فتيات كاسيات عاريات وفي أوضاع مُخلة.

 

وكان المستشار المذكور هذا حاضره وذاك ماضيه وهذا هو النهج الذي أخذه طريقًا ثابتًا في مظاهر سلوكه المختلفة، فقد وضع نفسه موضع الشبهات وأنزلق إلى مواطن الريب التي تلقي بظلالها القاتمة عليه وتزعزع الثقة فيه، وتنال من هيبة وظيفته وكرامتها، وتمس سمعة وعلو شأن الجهة القضائية التي ينتسب إليها وتنتفي صلاحيته للاستمرار فيها، بما يستوجب إبعاده عن الجهة القضائية صونًا لكرامتها.

 

نائب رئيس مجلس الدولة

 

وكان الإتهام المنسوب إلى المستشار (ن ع أ) نائب رئيس مجلس الدولة ثبت في حقه يقينا خاصة وأن نشر هذه الصور غير اللائقة وإذاعتها بين الناس مسلك غير قويم حتى ولو كانت المرأة الطرف الثاني في الصور هي خطيبته الطاعن أو حتى زوجته، فهو أمر غير جائز، ويحمل في ثناياهُ ظاهرً وباطنًا انحرافًا فادحًا يمس السلوك القويم وحسن السمعة.

 

ويؤثر تأثيرًا سيئًا على الوظيفة التي لها قدسية وإجلال وتتطلب في شاغلها أعلى قدر من النزاهة والتعفف والاستقامة والترفع عن الدنايا والمشتبهات، والقدرة على مجاهدة النفس الأمارة بالسوء في ظل الحياة الصعبة وضغوطها التي تجعل من النفوس الضعيفة فريسة للأهواء والنزوات، مما يؤثر تأثيرًا مباشرًا في كيان الوظيفة القضائية واعتبارها، مما يؤكد أن قرار إحالته إلى المعاش متفقًا وصحيح حكم القانون، وقضت المحكمة برفض الطعن.

 

وكانت تلك آخر سطور الحكم الذي جاءت قسوته جزاءً وفاقًا لما ارتكبه المستشار (ن ع أ) نائب رئيس مجلس الدولة من امور تُجافي طهارة ثوب والأخلاقيات المفترضة في أعضاء الهيئات والجهات  القضائية الأجلاء.. وللحديث بقية

الجريدة الرسمية