رئيس التحرير
عصام كامل

أوروبا.. مسافة مع الصديق!

حققت طالبان مكاسب عديدة من اتفاقها في الدوحة مع الولايات المتحدة، ومن إنسحاب الهرولة المخزي الذي نفذته واشنطن على عجل. سحبت عشرات الألوف من الأمريكان والافغان، وتركت آلاف القطع العسكرية، أو أعطبتها. وضعت طالبان يدها على ترسانة السلاح الأمريكي الضخمة، كانت للجيش الأفغاني، وتباع الأسلحة الأمريكية حاليا على أرصفة قندهار، لفرط عددها وتنوعها ولفرط الفوضى.


وأيا كان ما سيحدث فى أفغانستان، فإن الواقع الساطع هو السيطرة الكاملة لهذه المجموعة المتطرفة الإرهابية على كل الأراضي الأفغانية بعد تراجع المقاومة في إقليم بانجشير عدا العاصمة وبلدة أخرى.
ومع التفاعل الداخلى سريع الدوران، تقع سلسلة من التفاعلات الخارجية، خاصة بالصين مع طالبان وموسكو مع طالبان.. وايران مع طالبان وتركيا مع طالبان.. وحتى الاتحاد الأوروبي يقدم رجلا ويؤخر أخرى..

 

 

لكن.. أهم التفاعلات حقا.. ما يجرى الآن، بهدوء، وبحذر، من مراجعة للاتحاد الأوروبي للعلاقات العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة. اعتادت أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية أن القيادة للولايات المتحدة. عرفانا بالدعم العسكرى الهائل للحلفاء وقت الحرب، وتقديرا لمشروع مارشال لإعادة بناء القارة المهدمة.. ومع حلف الناتو والإنفاق الأمريكي الأكبر، ظلت القيادة للولايات المتحدة.. وحين ذهبت أمريكا لتأديب طالبان قبل ٢٠عاما إنتقاما منها لإيواء أسامة بن لادن الذين فجر البرجين وضرب البنتاجون بأربعة طائرات تجارية اختطفها إرهابيوه.. فأن بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا والناتو ايضا ذهبوا جميعا مع القوات الغازية الأمريكية.

 

قوة أوروبية

 

مع مشاهد الخزى العارمة، للقوات الامريكية تركض وتهرول هاربة، وأثرت بذلك كله تأثيرا علي حليفاتها هناك، ربما تكون أوروبا بدأت بحق في إتخاذ موقف مستقل، عبر عنه أكثر من مسئول أوربي بأنه حان الوقت أن تكون لاوروبا قوتها العسكرية الأمنية المستقلة.. وهو ما جرى في اجتماع الخميس الماضي في سلوفينا، إذ اجتمع وزراء دفاع الاتحاد الأوربي ال٢٧ لبحث تشكيل قوة رد سريع أوروبية.

 

القوات البريطانية خرجت مهرولة، والفرنسية، والألمانية.. قال جوزيب بوريل وزير خارجية الاتحاد الأوربي: "إذا أردنا أن نكون قادرين علي التصرف بشكل مستقل، والآ نعتمد على الخيارت التى يتخذها آخرون حتى لو كانوا حلفاء وأصدقاء لنا، فعلينا إذن أن نطور قدراتنا الخاصة".. الحقيقة أن أوروبا ليست فقط بحاجة إلى تشكيل قوة خاصة بها تحميها من عار التهميش الذي أهانها من الصديق والحليف الأمريكي بل أيضا هي بحاجة إلى تحرير إرادتها للقيام بالفعل الاستراتيجي المحقق لمصالحها.


التهميش والتبعية الأوروبية تجسدتا فى هذا المشهد. لا تتجسد أبدا حين التقدم وحين الغزو. قوام الاتحاد الأوربي فرنسا وألمانيا، قوتان اقتصاديتان كبيرتان.. وفرنسا بالذات بدأت تضع قدمها في مناطق كانت مناطق حضور أمريكي تقليدي.. وألمانيا مع فرنسا تنفذ أجندات مستقلة كثيرة لتأكيد الفاعلية الأوروبية.. هل كان الهروب الأمريكي، ومشهده المخزى والفرار الغربي التابع له.. هو السبب المباشر لرغبة أوروبا في تأسيس قوة مستقلة؟

الإرهاب ومشكلات أخرى

 

لابد من إقرار حقيقة فرضتها الأحداث أخيرا في أفغانستان، أملت الرؤية الجديدة، وعجلت بها لدى صانع القرار الاوروبي: أن أمريكا تلقت ثاني أكبر هزيمة في تاريخها.. لذلك لابد من صنع مسافة تحفظ كبرياء أوروبا التقليدي.. ولا تجعلها رهينة التردد الأمريكي في معالجة قضايا الأمن والاستراتيجية مع روسيا والصين.. العامل الثاني وراء الرغبة في الاستقلال الأوروبي عن القرار الأمريكي أن هناك استشعارا بأن أمريكا تكتفي وتنكفئ.. سياستها قبيل الحرب العالمية الثانية.. لولا بيرل هاربور والإستدعاء الياباني الانتحاري للقوة الأمريكية المفرطة.

 

الغروب الأمريكي هو ما تقود إليه سياسة بايدن من التراجع عن نزيف الدم والدولار حفاظا على حيوية الاقتصاد الأمريكي وتوظيفه لمواجهة الصين والروس.. حرب باردة تكاليفها سيبرانية.. لا نزيف دماء فيها ولا دولار( ٣٠٠مليون دولار حجم الإنفاق الأمريكي اليومي في أفغانستان).

 

العامل الثالث وراء رغبة أوروبا في بناء قوتها العسكرية المستقلة أنها أدركت، وربما امريكا كذلك، أن حرب أفغانستان ليست فقط نهاية لحقبة ١١سبتمبر الثأرية مع الإسلام السياسي وغير السياسي، بل هي نهاية فرض المعايير والقيم الغربية على ثقافات وهويات الشرق. ويستتبع ذلك وضع حد للتدخلات العسكرية المباشرة أو بالوكالة أو بالتضليل الإعلامي.

 

هذه العوامل الثلاثة مجتمعة.. وراء التحركات الأوروبية الجارية.. للحفاظ على أمن البحر المتوسط الجنوبي.. خوف الهجرة غير الشرعية وتسلل الارهاب، والسؤال: هل ستسكت أمريكا على التباعد الأوروبي المحسوب البطئ والسؤال الأهم: هل ستنجح جهود الـ٢٧دولة في تشكيل قوة من خمسة آلاف عنصر قتالي معلوماتي قادرة على التدخل السريع؟
الخبرات السابقة ترجح التأني وابتلاع الإساءة الأمريكية!

الجريدة الرسمية