رئيس التحرير
عصام كامل

"تمويلات النهضة السرية".. فضيحة جديدة لـ"إخوان تونس".. "اتحاد القرضاوي" على القائمة.. وعبير موسى تستعد بـ"الضربة القاضية"

راشد الغنوشي زعيم
راشد الغنوشي زعيم الإخوان في تونس
«نزع جذور الإخوان من أرض تونس».. مهمة صعبة يحاول التيار المدنى التونسى، تحت قيادة عبير موسى، رئيس الحزب الدستورى الحر، النائبة فى البرلمان التونسى، تنفيذها خلال الفترة الحالية، فى ظل تمسك التيار الدينى -ممثلا فى حركة النهضة الإخوانية- بمقاليد السلطة هناك، ونجاحهم -إلى حد ما- فى وضع أيديهم على جزء كبير من المواقع القيادية فى البلاد، وتدير معركة مع الرئيس قيس سعيد وتهدد بعزله إذا ما استمر على موقفه التصعيدى وتهديداته بفضحها، والطريقة التى تدير بها البلاد.


التمويلات الضخمة
وعلى خلاف الحرب السياسية، تدير «عبير» حربًا من نوع آخر، إذ تسعى لكشف الجيوب السرية للتمويلات الضخمة التى تحصل عليها الجماعة من التنظيم الدولى والدول الإقليمية التى لا تزال مرتبطة به حتى الآن رغم ابتعادها عنه قليلًا بعد جملة التفاهمات الأخيرة بين البلدان الكبرى فى الإقليم التى بردت أجواء «حرب استقطاب» استمرت منذ إسقاط الجماعة الأم عن الحكم فى مصر وحتى أشهر قليلة ماضية.

البرلمانية التونسية تمتلك مجموعة من التفاصيل التى تشير إلى معاقل تمويلات النهضة، ولهذا يجرى تهديدها بالقتل وسبق لها الذهاب إلى البرلمان وهى ترتدى واقيًا من الرصاص وخوذة احتجاجًا على سحب الحراسة منها، وهو الأمر الذى اعتبرته دوائر تونسية وعربية تحذيرًا آخر لها قبل الإقدام على تصفيتها جسديًا.

القرضاوي
طرف الخيط الأخطر الذى تلعب عليه «عبير»، هو علاقة حركة النهضة بالاتحاد العالمى لعلماء المسلمين وفرعه فى تونس، وهو منظمة أسسها الداعية يوسف القرضاوى، المعروف بتمويلاته السخية للتنظم الدولى، وكل أفرع الإخوان فى العالم.

ولهذا ركزت فى اعتصامها الذى انطلق فى نوفمبر 2020 على ضرورة وقف أنشطة الفرع التونسى للاتحاد الدولى لعلماء المسلمين، وترى «عبير» ومن خلفها قطاع ليس هينًا من القوى المدنية، أن فرع الاتحاد بتونس يصرف بسخاء على حركة النهضة، لتمكين الإخوان على المدى البعيد، وإنهاء التجربة الديمقراطية بوضعها فى يد التيارات الإسلامية.

وثائق كاشفة
وتملك البرلمانية التونسية، عبير موسى، وثائق تفيد بالأموال التى يصرفه اتحاد القرضاوى على نحو 100 شاب تونسي سنويا من الطبقات الدنيا لدمجهم فى أفكار التيار الإخوانى، كما يدفع الاتحاد بسخاء للمتقاعدين وربات البيوت وموظفي الخدمة المدنية والأطباء والمحامين وعدد كبير من الطلاب، كما يوزع أموالا طائلة تحت لافتة الإغاثة والخير، لكن تستخدمها النهضة فى التمكين لمشروعها وشراء أصوات هذه الفئات وربطها تأييدها باستمرار الدعم.

ولا سيما أن النهضة هى التى تملك ترشيح المستحقين للتبرعات، وتوظف أعضاء منها داخل الاتحاد يشرفون على تسليم الأموال بجانب الدعاية للنهضة، مثلما كان يحدث فى مصر من الإخوان، التى كانت تعد قوائم الفقراء والمحتاجين، وترسل لبياناتهم للجمعيات الإغاثية، وتشرف بنفسها على التسليم لتسويق فكر الإخوان ومعوناتهم للطبقة الدنيا.

مرجعية الإخوان
لكن أخطر ما حصلت عليه عبير موسى بمستندات أيضًا ولن تستطيع النهضة نفيه أو اتحاد علماء المسلمين، الأنشطة التى يرعاها الاتحاد، على شاكلة الدورات الدراسية حسب مرجعة الإخوان فى علم القرآن الكريم، الأحاديث الشريفة، النهج الإسلامى لحقوق الإنسان، اللغة العربية، أهداف الشريعة، التمويل الإسلامى والقانون.

وكلها مواد تدخل ضمن اهتمامات الأيدولوجيا الإخوانية، فضلًا عن الدورات المخصصة للخطباء والأئمة أو الطامحين فى الصعود على المنبر، دون حصولهم مسبقًا على الدرجة العلمية المطلوبة من المؤسسات الرسمية الدينية فى تونس، وتستقطب النهضة دعاة من كل الفئات ولا تشترط مؤهلات عليا، مما يعنى غياب سيطرة الدولة على الخطاب الدينى-السياسى الذى ترعاه مؤسسة أجنبية وتصرف عليه ببذخ خدمة لتيار دينى فى البلاد، معروف باتجاهاته المحافظة، وموافقه العدائية من التيارات المدنية.

وتكشف «عبير» فى الوقت نفسه للمجتمع ما يمكن أن يتسبب فيه التمويل الإخوانى للنهضة، إذ ينتهك خصوصيات الإسلام التونسى، وريث الإصلاحات الطويلة التى أصبحت مهددة بالمد السلفى الإخوانى، حيث يعتبر خبراء النموذج التونسى الإسلامى من أفضل النماذج الإسلامية، ولا سيما أنه يتناول الدين بأساليب عقلانية ويوفق بين المسلم والعالم المعاصر من خلال تدريس علم النفس ومقارنة الأديان والفلسفة فى جامع الزيتونة يوازى الجامع الأزهر فى مصر.

وتخلق المؤسسة الرسمية التونسية مسلمًا تقدميًا يؤمن بالعلم والحداثة بعكس النسخة الإخوانية الرديئة، التى توظف الصراخ وتبيع الأوهام بزعم البحث عن الهُوية والمشروع الإسلامى والخلافة، ولهذا يرفض اتحاد القرضاوى تدريس علم النفس والفلسفة والأنثروبولوجيا بحجة أن مؤسسى هذه التخصصات كانوا ملحدين.

كما تسعى البرلمانية التونسية لقطع «خيط التمويل» حتى لا تتفشى هذه الأفكار الإخوانية المعجونة بالسلفية داخل المجتمع التونسى، وتدمر إرث الستين عامًا الماضية ومنجزات تونس التى تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر وإصلاحات الرئيس بورقيبة بمساعدة العلماء المستنيرين، إذ كانت أول دولة عربية وإسلامية تتبنى خطوطًا غربية فى ثقافتها لدرجة أنها وصلت فى تقدميتها إلى إلغاء تعدد الزوجات وقبول التبنى حفاظًا على استقرار الأسر التونسية ومنع التلاعب بمستقبل الأطفال.

تهريب الأموال
وتمتلك «موسى» وثائق تؤكد أن الفكر الإخوانى تسرب من خلال التمويلات الخارجية بشكل خطير إلى كل تروس التعليم، التى أصبحت تروج أفكار الإسلاميين الظلامية وتطعن حتى الآن فى كروية الأرض إلى آخر ملامح العبث الإخوانى الذى يعلقق آماله ومشروعه بروح وأفكار وقناعات القرون الوسطى.

وبعيدًا عن رئيسة الحزب الدستورى الحر، وتحركاتها المستمرة لـ«إزاحة النهضة»، يرى مراقبون فى تونس أن تمولات التنظيم الدولى ستعيد تونس للخلف، على غرار ما حدث فى بعض الدول الإقليمية الكبرى، التى تراجعت عن الكثير من خطوط الحداثة العالمية بسبب تولى حكومة ذات أفكار دينية لفترة طويلة الحكم، بما روج فى النهاية لاستمرار مشروعات استبدادية للحكم لأعوام طويلة، وتم تغيير الدستور أكثر من مرة لاستمرار أسلمة البلاد وتعريض سلامها الاجتماعى للخطر عبر تقسيم المواطنين إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وفق قراءة سلفية رجعية، كما يحدث فى تونس الآن.

ويبرر هؤلاء رؤيتهم لخطورة التمويلات الإخوانى بالإشارة إلى سلوك خريجي دورات اتحاد القرضاوى الذين يدافعون عن الجهاديين والسلفيين والإخوان بضراوة على السوشيال ميديا، ويهاجمون المسيحيين بصفة مستمرة ويفرضون صفة الذمة عليهم عند ذكرهم، بجانب تسويق فكرة إقامة الخلافة وترجيح التقاليد على العقل وهى بذور إخوانية بامتياز.

التنظيم الدولي
وفى هذا السياق يرى الدكتور أشرف العيسوى، الباحث، الخبير فى الشئون السياسية والإستراتيجية، أن رحلة جماعة الإخوان نحو العالمية اعتمدت بالأساس على تنظيمها الدولى.

مشيرًا فى ورقة بحثية له بعنوان: «العلاقات بين الأطر التنظيمية والمنطلقات الأيديولوجية للإخوان وتنظيمها الدولي»، إلى أن التنظيم الدولى كان دائما رأس حربة التنظيم فى ترويج أفكاره، بجانب تسخيره كل إمكانته لتمكين المشروع السياسى للجماعة بكل بلدان المنطقة.

وأوضح الباحث أن الجماعة متواجدة فى أكثر من سبعين دولة، وتمتلك الكثير من أدوات التأثير الإقليمى والدولى، ولهذا لا تطمح فقط فى الوصول إلى السلطة، وإنما إلى بناء دولة عابرة للقارات مثل هذه المؤسسات، من ضمنها اتحاد القرضاوى.

مضيفًا أن «اتحاد القرضاوى يدفع بسخاء للترويج لأيديولوجية عابرة للحدود، لا تحترم سيادة الدول، ولا تقر بخصوصيتها الثقافية والاجتماعية والحضارية، ومن الخطير للغاية استمرارها سواء فى تونس أو غيرها».

نقلًا عن العدد الورقي...
الجريدة الرسمية